عن المحبة قالوا – من كتاب قوت القلوب


عن المحبة قالوا

d986d988d8b1.jpeg

 وقال في وصف طائفة: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَليْهِمْ إبلِيس ظَنَّهُ فَاتَّبِعُوهُ إلاَّ فَريقاً مِنَ المُؤمِنِين) سبأ:20فخص أولياءه بترك أتباعه وأدخل بعض المؤمنين في تصديق ظنه واتباعه إلا فريقاً فهم الصديقون والشهداء ولاصالحون وحسن أولئك رفيقاً وهم المتوكلون المؤمنون حقاً الذين قال إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وليس من باع ماله ونفسه محبة لمولاه كمن لم يسأله مولاه دون نفسه لئلا يحفيه فيخرج ضغنه عليه كما قال لطائفة من المؤمنين: (يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْألْكُمْ أمْوَالَكُم) محمد:36، إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم الأحفاء الاستقصاء أي سألكم سأل الجملة كلها وأحب منكم الزهد في نفوسكم بعدها؛ والأضغان جمع ضغن وهو الحقد تقول: فلستم في مكان سؤال إذ لا يكون البخيل زاهداً لأن أوّل الزهد الجود، فمن لم يجد لم يزهد ومن لم يزهد في الدنيا لم يحبه المولى لأنه محب لما يبغض ومريد لما لا يحب فلم يعامل مولاه بأخلاقه ولم يوافقه في مرضاته فباعده وحجبه عن مشاهدة أوصافه كما قال تعالى: (تُريدُونَ عَرَض الدُّنْيَا وَاللّه يُريدُ الآخِرَةَ) الأنفال:67، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: المبلغ عن المآل إذا أردت أن يحبك اللّه فازهد في الدنيا ولا تقدر أن تصف حشو قلوب هذه  الطائفة من المؤمنين الذين وصفهم المؤمن أن لو سألهم أموالهم ظهرت عليهم أضغانهم لأنهم من اللّه في اغترار بما ألبسهم من الإظهار فإذا جاء أجلهم فإن اللّه كان بعباده بصيراً إلا أن اللّه تعالى لا يسأل من يحبه إكراماً له ممن يعلم أنه يسارع إليه بجملة ما سأله لأنه كريم جواد لا يكبر عنده شيء إن سأل سأل الكلية وهو المال والنفس إلا أنه لا يسأل إلا من خلقه بخلق من أخلاقه فمتى لم يكن على العبد سواه شيء سأله محبوبه كل شيء ومتى عظم في قلبه العرض الفاني وهو ضغين لم يسأله شيء فإذا لم يبق للعبد في نفسه نفساً ولا من ماله ملكاً كان الجواد عوضاً له من ماله وكان الجبار عوضاً له من نفسه إلا أن اللّه سبحانه لم يذكر إياه في العوض من النفس وذكر الجنة في البدل عن المال لئلا يدخل تحت حكم وهو الحاكم وكيلا ينضم إلى عوض فيكون شفعاً وهو الفرد فأخفى نفسه وهو الدليل وذكر خلقه وهو إليه السبيل فهذا فهم أوليائه عنه.
وهذه علامة المحبة الخالصة التي لاشرك فيها لسواه ولا دخل عليها من غيره إياه ولا يصلح أيضاً أن يكشف عن وصف هؤلاء المحبين لأن حالهم يجلّ عن الوصف ومقامهم يجاوز علوم العقل والوقت، إلا أن اللّه تعالى أحكم ذلك بقوله عزّ وجلّ: (وَفيهَا مَا تَشْتَهيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ) الزخرف:17وبقوله: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقُونَهُ سَلامٌ) الأحزاب:44 مع قوله: (وَلَكُمْ فيهَا مَا تَدَّعُونَ) (نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحيمٍ) فصلت31-32 وقوله: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبينَ فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ) الواقعة:88-89، وأحكم ذلك بقوله تعالى: (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام: 127وبقوله تعالى: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللّه وَاللّه بَصير ٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) آل عمران:163 ففيه وصف لأهل الولايات والحب ومدح لأهل الدرجات والقرب بقوله: بصير بما يعملون أي لذلك جعلهم درجات عنده، ولقوله: وليهم بما كانوا يعملون بما تولاهم به قربهم منه وفيه أيضاً ذم المنافقين على القراءة الأخرى واللّه بصير بما تعلمون فقد أبصر أعمالكم أنتم فلم يجعلكم مثلهم إذ لم تكن أعمالكم كأعمالهم فهذا كما قال: (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَة عَلَيْهِمْ وأثَابَهُمْ فَتْحاً قَريْباً ) الفتح:18 ثم قال في وصف قلوبنا: (وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللّهُ عَليماً حَليماً) الأحزاب:15 ثم قال في فصل من القول: ليس بهزل سوّى بين هؤلاء وهؤلاء: (إن يعلم اللّه في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً) ثم قال في ضد أولئك كلاماً فاصلاً لمفصل مفسر للمجمل: (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أسْمَعَهُمْ لَتَولَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) الأنفال23 أي ليس لهم فيه شيء ولا لهم منه نصيب لأنه لم يجعل عندهم مكاناً لخير فيوجد فيه خيراً فكان هذا فصل الخطاب وبلاغاً لأولي الألباب شهد لهم بذلك إذ قال: (أفَلَمْ يَيْأَسِ الّذين آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللّه لَهَدَى النَّاس جَمِيعاً) الرعد:13.

Advertisements

اذا كنت استفدت فلا تبخل علينا بكلمة شكر أو اضغط زر الإعجاب- لا تحتاج للتسجيل او لكتابة اميلك للتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s