معرض اليقين


وقال أبو بكر بن طاهر: العلم: بمعارضة الشكوك، واليقين: لاشك فيه. أشار إلى العلم الكسبي وما يجري مجرى البديهي، وكذلك علوم القوم في الابتداء كسبى، وفي الانتهاء بديهي.

سمعت محمد بن الحسين يقول: قال بعضهم: أول المقامات. المعرفة، ثم اليقين، ثم التصديق، ثم الإخلاص، ثم الشهادة، ثم الطاعة. والإيمان اسم يجمع هذا كله. أشار هذا القائل إلى أن أول الواجبات، هو المعرفة الله سبحانه والمعرفة لا تحصل ألا بتقديم شرائطها.وهو النظر الصائب، ثم إذا توالت الأدلة، وحصل البيان، صار بتوالي الأنوار، وحصول الاستبصار، كالمستغني عن تأمل البرهان وهو حال اليقين، ثم تصديق الحق، سبحانه، فيما أخبر عند إصغائه إلى إجابة الداعي فيما يخبر من أفعاله، سبحانه في المستأنف؛ لأن التصديق إنما يكون في الإخبار، ثم الإخلاص فيما يتعقبه من أداء الأوامر، ثم بعد ذلك إظهار الإجابة بجميل الشهادة، ثم اداء الطاعات بالتوحيد فيما أمر به، والتجرد عما زجر عنه.
وإلى هذا المعنى أشار الإمام أبو بكر محمد بن فورك، فيما سمته، يقول ذكر اللسان فضيلة يفيض بها القلب.
وقال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله تعالى.
وقال ذو النون المصري: اليقين داع إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر في العواقب.
وسمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: ثلاثة من أعلام اليقين: قلة المخالطة الناس في العشرة، وترك المدح لهم في العطية، والتنزه عن ذمهم عند المنع.
وثلاثة من أعلام يقين اليقين: النظر إلى الله تعالى في كلِّ شيء، والرجوع إليه في كلِّ أمر ولا الاستعانة به في كل حال.
وقال الجنيد، رحمه الله اليقين: و استقرار العلم الذي لاينقلب ولايحول ولا يتغير في القلب.
وقال ابن عطاء: على قدر قربهم من التقوى أدركوا ما أدركوا من اليقين.
وأصل التقوى: مباينة النهي، ومباينة النهي مباينة النفس، فعلى قدر مفارقتهم النفس وصلوا إلىاليقين.
وقال بعضهم: اليقين: هو المكاشفة، والمكاشفة على ثلاثة أوجه: مكاشفة الإخبار،ومكاشفة بإظهار القدرة، ومكاشفة بحقائق الإيمان.
وأعلم أن المكاشفة في كلامه، عبارة، عن ظهور الشيء للقلب بستيلاء ذكره من غير بقاء للريب، وربما أرادوا بالمكاشفة ما يقرب مما يراه الرائي بين اليقظة والنوم. وكثيراً ما يعبر هؤلاء عن هذه الحالة بالثبات.
سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يقول: سألت أبا عثمان المغربي، فقلت: ما هذا الذي تقول? قال الأشخاص أراهم كذا.. وكذا، فقلت: تراهم معاينة أو مكاشفة? فقال: مكاشفة.
وقال امر بن عبد قيس: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.
وقيل: اليقين: رؤية العيان بقوة الإيمان.
وقيل: اليقين: زوال المعارضات.
وقال الجنيد، رحمه الله، اليقين: ارتفاع الريب في مشهد الغيب.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول: في قول النبي صلى الله عليه وسلم، في عيسى ابن مريم عليه السلام: “لو ازداد يقيناً لمشيء في الهواء كما مشيت فيه”.
قال رحمه الله: أنه أشار بهذا إلى حال نفسه، صلى الله عليه وسلم، ليلة المعراج؛ لأن في الطائف المعراج أنه، صلى الله عليه وسلم، قال: “رأيت البراق قد بقي ومشيت”.
سمعت محمد الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت إبراهيم بن فانك يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السريَّ يقول، وقد سئل عن اليقين، فقال: اليقين: سكونك عند جولان الموارد في صدرك، لتبينك أن حركتك فيها لا تنفك ولا ترد عنك مقضياً.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أبا جعفر الأصبهاني يقول: سمعت علي بن سهل يقول: الحضور أفضل من اليقين، لأن الحضور وطنات،واليقين خطرات.
كأنه جعل اليقين ابتداء الحضور، والحضور دوام ذلك، فكأنه جوَّز حصول اليقين خالياً من الحضور، وأحال جواز الحضور بلا يقين؛ ولهذا قال النوري: اليقين: المشاهدة، يعني أن في المشاهدة يقيناً لا شك فيه؛ لأنه لا يشاهده، تعالى من لايثق بما منه.
وقال أبو بكر الوراق: اليقين: ملاك القلب،وبه كمال الإيمان، وباليقين عرف الله تعالى، وبالفعل عقل عن الله تعالى.

الرسالة القشيرية القشيري الصفحة : 83
لرسالة القشيرية القشيري الصفحة : 43
البحث عن : اليقين نتيجة البحث : 2 من 19

فقال الجنيد: الخاطر الأول أقوى، لأنه إذا بقي رجع صاحبه إلى التأمل. وهذا بشرط العلم، فترك الأول يضعف الثاني.
وقال ابن عطاء الله: الثاني أقوى، لأنه إزاداد قوة بالأول.
وقال أبو عبيد الله بن خفيف من المتأخرين: هما سواء، لأن كليهما من الحق، فلا مزية لأحدهما على الآخر.
والأول لا يبقى في حال وجود الثاني، لأن الآثار لا يجوز عليها البقاء.
ومن ذلك: هذه عبارات عن علوم جلية.
فاليقين: هو العلم الذي لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف.
ولا يطلق في وصف الحق سبحانه؛ لعدم التوقيف.
فعلم اليقين: هو اليقين، وكذلك عين اليقين: نفس اليقين، وحق اليقين: نفس اليقين.
فعلم اليقين، على موجب اصطلاحهم ما كان بشرط البرهان.
وعين اليقين ما كان بحكم البيان.
وحق اليقين ما كان بنعت العيان.
فعلم اليقين لأرباب العقول وعين اليقين لأصحاب العلوم. وحق اليقين لأصحاب المعارف.
والكلام في الإفصاح عن هذا بحال تحقيقه يعود إلى ما ذكرناه.
فاقتصرنا على هذا القدر، على جهى التنبيه.
ومن ذلك: ويجري في كلامهم ذكر الواردات كثيراً.
والوارد: ما يرد على القلوب من الخواطر المحمودة، مما لا يكون بتعمد العبد، وكذلك ما لا يكون من قبيل الخواطر، فهو أيضاً: وارد.
ثم قد يكون وارد من الحق، ووارد من العلم.
فالواردات أعم من الخواطر؛ لأن الخواطر تختص بنوع الخطاب، أو ما يتضمن معناه.
والواردات تكون: وارد سرور، ووارد حزن، ووارد قبض؛ ووارد بسط، إلى غير ذلك من المعاني.
ومن ذلك لفظ: كثيراً ما يجري في كلامهم لفظ: الشاهد: فلان بشاهد العلم، وفلان بشاهد الوجد، وفلان بشاهد الحال.
ويريدون بلفظ الشاهد: ما يكون حاضر قلب الإنسان، وهو ما كان الغالب عليه ذكره، حتى كأنه يراه ويبصره، وإن كان غائباً عنه. فكل ما يستولي على قلب صاحبه ذكره فهو شاهده فإن كان الغالب عليه العلم، فهو بشاهد العلم.
وإن كان الغالب عليه الوجد، فهو بشاهد الوجد.
ومعنى الشاهد: الحاضر، فكل ما هو حاضر قلبك فهو شاهدك. وسئل الشبلي عن المشاهدة، فقال: من ين لنا مشاهدة الحق? الحق لنا شاهد.
أشار بشاهد الحق إلى المستولى على قلبه؛ والغالب عليه من ذكر الحق والحاضر في قلبه دائماً من ذكر الحق.
ومن حصل له مع مخلوق تعلق بالقلب، يقال: إنه شاهده، يعني: أنه حاضر قلبه، فإن المحبة توجب دوام ذكر المحبوب، واستيلائه عليه.
وبعضهم تكلف في مراعاة هذا الاشتقاق فقال: إنما سمى الشاهد من الشهادة، فكأنه إذا طالع شخصاً بوصف الجمال: فإن كانت بشريته ساقطة عنه، ولم يشغل شهود ذلك الشخص عما هو به من الحال، ولا أثرت فيه صحبته بوجه، فهو شاهد له على فناء نفسه.
ومن أثر فيه ذلك، فهو شاهد عليه في بقاء نفسه.
وقيامه بأحكام بشريته إما شهد له، أو شاهد عليه.
وعلى هذا حمل قوله صلى الله عليه وسلم: رأيت ربي ليلة المعراج في أحسن صورة أي أحسن صورة رأيتها تلك الليلة لم تشغلني عن رؤيته تعالى، بل رأيت المصور في الصورة، والمنشىء في الإنشاء، ويريد بذلك رؤية العلم، لا إدراك البصر.
ومن ذلك: نفس الشيء في اللغة: وجودُه.
وعند القوم: ليس المراد من اطلاق لفظ النفس الوجودَ، ولا القالب الموضوع. إنما أرادوا بالنفس: ما كان معلولاً من أوصاف العبد مذموماً من أخلاقه وأفعاله.
ثم إن المعلولات من أوصاف العبد على ضربين: أحدهما: ما يكون كسباً له؛ كمعاصية ومخالفته.
والثاني: أخلاقه الدنيئة، فهي في أنفسها مذمومة، فإذا عالجها العبد ونازلها، تنتفي عنه بالمجاهدة تلك الأخلاق على مستمر المادة.
والقسم الأوَّل من أحكام النفس: ما نهي عنه نهي تحريم، و نهي تنزيه.
وأما القسم الثاني، من قسمي النفس: فسفساف الأخلاق، والدنيء منها.
وهذا حُّه على الجملة. ثم تفصيلها: فالكبر، والغضب، والحقد، والحسد، وسوء الخلق، وقلَّة الاحتمال، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة.
وأشد أحكام النفس وأصعبها: توهمها أن شيئاً منها حسن، أو أن لها استحقاق قدر، ولهذا عُدَّ ذلكمن الشرك الخفيِّ.

الرسالة القشيرية القشيري الصفحة : 43
البحث عن : اليقين نتيجة البحث : 2 من 19
الرسالة القشيرية القشيري الصفحة : 82
البحث عن : اليقين نتيجة البحث : 3 من 19
وقيل، مر بعض الأنبياء عليهم السلام بحجر صغير يخرج منه الماء الكثير، فتعجب منه، فانطقه الله معه، فقال: مذ سمعت الله، تعالى يقول، “ناراً وقودها الناس والحجارة” وأنا أبكي من خوفه قال؛ فدعا ذلك النبي أن يجير الله ذلك الحجر؛ فأوحي الله تعالى إليه أني قد أجرته من النار، فمر ذلك النبي، فلما عاد وجد الماء يتفجر منه مثل ذلك؛ فعجب منه فانطق الله ذلك الحجر معه، فقال له لم تبكي، وقد غفر الله لك? فقال: ذلك كان بكاء الحزن والخوف، وهذا بكاء الشكر والسرور.
وقيل: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وكان فيهم شاب. فأخذ يخطب، فقال عمر: الكبر. الكبر. فقال له الشاب: يا أمير المؤمنين، لو كان الأمر بالسنِّ، لكان في المسلمين من هو أسنُّ منك!!. فقال: تكلمَّ فقال: لسنا وفد الرغبة، ولا وفد الرهبة. أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك وأما الرهبة فقد أمنتا منها عدلك. فقال له: فمن أنتم? فقال: وقد الشكر، جئناك نشكرك ونتصرف.
وأنشدوا:

ومن الرزية أن شكري صامت عما فعلت وأن برك ناطـق
أرى الصنيعة منك ثم أسرهـا إني إذن ليد الكريم لـسـارق

وقيل: أوحى الله تعالى لى موسى عليه السلام: أرحم عبادي: ألمبتلي، والمعافى.
فقال: ما بال المعافى? فقال: لقلة شكرهم على عافيتي إياهم.
وقيل: الحمد على الأنفاس، والشكر على نعم الحواس.
وقيل الحمد: ابتداء منه، والشكر: اقتداء منك.
وفي الخبر للصحيح: “لو من يدعى إلى الجنة الحامدون لله على كل حال”.
وقيل: الحمد: على ما دفع، والشكر: على ما صنع.
وحكي عن بعضهم أنه قال: رأيت في بعض الأسفار شيخاً كبيراً قد طعن في السن، فسألته عن حاله، فقال: إني كنت في ابتداء عمري أهوى ابنة عم لي؛ وهي كذلك كانت تهواني؛ فانفق أنها زوجت مني، فليلة زفافها قلنا: تعال: حتى تحيي هذه الليلة شكراً لله تعالى على ما جمعنا فصلينا تلك الليلة، ولم يتفرغ أحدنا لصاحبه فلما كانت الليلة الثانية قلنا مثل ذلك فمنذ سبعين؛ أو ثمانين سنة، نحن على تلك الصفة كل ليلة: أليس كذلك يا فلانة، فقالت العجوز: كما يقول الشيخ.
قال الله تعالى: “والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون”.
حدثنا الاستاذ الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمود بن خرزاذ الأهوازي بها قال: حدثنا أحمد بن سهل بن ايوب قال: حدثنا خالد، يعني ابن زيد قال. حدثنا سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله وسفيان بن عيينة، عن سليمان التيمي، عن خيثمة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا ترضين احداً بسخط الله تعالى، ولا تحمدن أحداً على فضل الله عز وجل، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله تعالى، فإن رزق الله لا يسوقه غليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهة كاره، وإن الله تعالى -بعدته وقسطه-، جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط”.
أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي قال: حدثنا عياش بن حمزة قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، قال: قال أبو عبد الله الأنطاكي: إن أقلاليقين إذا وصل إلى القلب يملأ القلب نوراً، وينفي عنه كل ريب، ويمتلىء القلب به شكراً، ومن الله تعالى خوفاً.
ويحكى عن أبي جعفر الحداد قال:رآني أبو تراب النخشبي، وأنا في البادية جالس على بركة ماء، ولي ستة عشر يوماً لم آكل ولم أشرب فقال لي: ما جلوسك? فقلت: أنا بين العلم والقين أنتظر ما يَغلب فأكون معه، يعني “إن غلب على العلم شربت، وإن غلب اليقين مررت” فقال لي: سيكون لك شأن.
وقال أبو عثمان الحيري اليقين: قلة الاهتمام لغد.
وقال سهل بن عبد الله: اليقين: من زيادة الإيمان ومن تحقيقه.
وقال سهل أيضاً: اليقين: شعبة من الإيمان، وهو دون التصديق.
وقال بعضهم: اليقين: هو العلم المستودع في القلوب. يشير هذا القائل إلى إنه غير مكتسب.
وقال سهل: ابتداء اليقين: المكاشفة، ولذلك قال بعض السلف: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، ثم المعاينة والمشاهدة.
وقال أبو عبد الله بن خفيف: اليقين تحقق الأسرار بأحكام المغيبات.

الرسالة القشيرية القشيري الصفحة : 82
البحث عن : اليقين نتيجة البحث : 4 من 19
وقال الجنيد: قد مشى رجال باليقين على الماء، ومات بالعطش أفضل منهم يقيناً.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفراً يقول: قال إبراهيم الخواص: لقيت غلاماً في التيه، كأنه سبيكة فضة، فقلت: إلى أين يا غلام? فقال: إلى مكة: فقلت: بلا زاد، ولا راحلة، ولا نفقة! فقال لي: يا ضعيف اليقين، الذي يقدر على حفظ السموات والأرضين لا يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا علاقة قال: فلما دخلت مكة إذا أنا به في الطواف وهو يقول:

يا عين سحى أبـداً يا نفس موتي كمداً
ولا تحـبـي أحـدً إلا الجليل الصمدا

فلما رآني قال لي: يا شيخ، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين?! وسمعته يقول سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت النهرجوري يقول: إذا استكمل العبد حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة، والرخاء مصيبة.
وقال أبو بكر الوراق: القين على ثلاثة أوجه: يقين خبر، ويقين دلالة، ويقين مشاهدة.
وقال أبو تراب النخشبي: رأيت غلاماً في البادية يمشي بلا زاد، فقلت: إن لم يكن معه يقين فقد هلك. فقلت: يا غلام، في مثل هذا الموضع بلا زاد? فقال: يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير الله عزَّ وجلَّ? فقلت: الآن إذهب حيث شئت.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول: سمعت محمد بن عيسى يقول: قال أبو سعيد الخراز: العلم ما استعملك، واليقين: ما حملك.
وسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازيَّ يقول: سمعت أبا عثمان الآدمي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: طلبت المعاش لأكل الحلال! فأصطدت السمك، فيوماً وقعت في الشبكة سمكة، فأخرجتها، وطرحت الشبكة في الماء فوقعت أخرى فيها فرميت بها ثم عدت، فهتف بي هاتف: لم تجد معاشاً إلا أن تأتي من يذكرنا فتقتلهم..! قال: فكسرتُ القبصة، وتركت الاصطياد.
قال الله، عزَّ وجلَّ: “واصبر وما صبرك إلا بالله”.
وأخبرنا عليُّ بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمدبن عبيد البصري، قال: حدثنا أحمد بن علي الخراز قال: حدثنا أسيد بن زيد قال: حدثنا مسعود بن سعد، عن الزيات، عن أبي هريرة، عن عائشة، رضي الله عنها، رفعته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الصبر عند الصدمة الأولى”.
وأخبرنا علي بن أحمد قال: أخبرنا بن عبيد قال: حدثنا أحمد بن عمر، قال: حدثنا محمد بن مرداس قال: حدثنا يوسف بن عطية، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الصبر عند الصدمة الأولى”.
ثم الصبر على أقسام: صبر على ما هو كسب للعبد، وصبر على ما ليس بكسب له.
فالصبر على المكتسب، على قسمين: صبر على ما أمر الله تعالى به، وصبر على من نهى عنه.
وأما الصبر على ما ليس بمكتسب للعبد: فصبره على مقاساة ما يتصل به من حكم الله فيما يناله فيه مشقة.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت السحين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد يقول: المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله تعالى شديد، والمسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد، والصبر مع الله أشد.
وسئل الجنيد عن الصبر، فقال: هو تجرع المرارة من غير تعبيس.
وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بنزلة الرأس في الجسد.
وقال أبو القاسم الحكيم: قوله تعالى: “واصبر” أمر بالعبادة، وقوله: “وما صبرك إلا بالله” عبودية، فمن ترقىَّ من درجة لك إلى درجة بك؛ فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية.
قال صلى الله عليه وسلم: “بك أحيا وبك أموت”.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت عياشاً يقول: سمعت أحمد يقول: سألت أبا سليمان عن الصبر، فقال: والله ما نصبر على ما نحب، فكيف على ما نكره? وقال ذو النون: الصبر: التباعد عن المخالفات، والسكونُ عند تجرع قصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة.
وقال ابن عطاء: الصبر: الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.
وقيل: هو الفناء في البلوى بلا ظهور شكوى.
وقال أبو عثمان: الصبار: الذي عوَّد نفسه الهجوم على المكاره.
وقيل: الصبر: المقام مع البلاء بحسن الصحية، كالمقام مع العافية.

الرسالة القشيرية القشيري الصفحة : 84
الرسالة القشيرية القشيري الصفحة : 90
البحث عن : اليقين نتيجة البحث : 5 من 19
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول: سمعت ابن أبي حسان الأنماطي يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان يقول: أرجوا أن أكون عرفت طرفاً من الرضا: لو انه أجخلني النار لكنت بذلك راضياً.
وقال أبو عمر الدمشقي: الرِّضا: ارتفاع الجزع في أيَّ حكم كان، وقال الجنيد: الرضا: رفع الاختيار، وقال ابن عطاء: الرضا: نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد، وهو ترك التسخط، وقال رُويم. الرضا: استقبال الأحكام بالفرح، وقال المحاسبي: الرضا: سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وقال النوري: الرضا: سرور القلب بُمرِّ القضاء.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت الجريري يقول: من رضي بدون قدره رفعه الله تعالى فوق غايته.
وسمعته يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: سمعت الحسن بن علوية يقول: قال أبو تراب النخشبي: ليس ينال الرضا من للدنيا في قلبه مقدار.
أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: حدثنا عبد الله بن شترويه قال: حدثنا بشر بن الحكم قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً”.
وقيل: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما، “أما بع، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضي، وإلا، فاصبر”.
وقيل: إنَّ عتبة الغلام بات ليلة يقول إلى الصباح: “إن تعذبني فأنا لك محبُ، وإن ترحمني فأنا لك محب”.
سمت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول: الإنسان خزف، وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحقِّ تعالى.
وقال أبو عثمان الحيري: منذ أربعين سنة ما أقامني الله، عز وجل، في حال فكرهتهُ، وما نقلني إلى غير فسخطته.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: غضب رجل على عبدٍ له، فاستشفع العبد إلى سيده إنساناً، فعفا عنه، فأخذ العبد يبكي، فقال له الشفيع: لمَ تبكي وقد عفا عنك سيدك? فقال له السيدُ: إنما يطلب الرضا مني ولا سبيل له إليه، فإنما يبكي لأجله.
قال الله عزَّ وجلَّ: “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين“.
وأخبرنا أبو الحسن الإهوازي، رحمه الله، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال حدثنا عبيد بن شريك قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا مالك، عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن عمر بن الخطاب، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سعبة يظلهم الله في ظلهّ يوم لا ظلّ إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادةِ الله تعالى. ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله تعالى خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله يقول: العبودية أتم من العبادة، فأولاً: عباة، ثم عبودية؛ ثم عبودة.
فالعبادة للعوام من المؤمنين، والعبودية للخواص، والعبودة لخاص الخاص.
وسمعته يقول: العبادة: لمن له علم اليقين، والعبودية؛ لمن له عين اليقين، والعبوة: لمن له حقاليقين.
وسمعته يقول: العبادة: لأصحاب المجاهدات، والعبودية: لأرباب المكابدات، والعبودة: صفة أهل المشاهدات، فمن لم يدخر عنه نفسه، فهو صاحب عبادة، ومن لم يضن عليه بقلبه فهو صاحب عبودية: ومن لم يبخل عليه بروحه فهو صاحب عبودة.
ويقال: العبودية: القيام بحق الطاعات بشرط التوفير والنظير إلى ما منك بعين التقصير، وشهود ما يحصل من مناقبك من التقدير.
ويقال: العبودية: ترك الاختيار فيما يبدو من الأقدار.
ويقال: العبودية: التبرؤ من الحول والقوة، والإقرارُ بما يعطيك ويوليك من الطول والمنة.
ويقال: العبودية: معانقة ما أمرت به، ومفارقة مازجرت عنه.
وسئل محمد بن خفيف: متى تصح العبودية? فقال: إذا طرح كل علي مولاه، وصبر معه على بلواه.
الرسالة القشيرية القشيري الصفحة : 90
Advertisements

اذا كنت استفدت فلا تبخل علينا بكلمة شكر أو اضغط زر الإعجاب- لا تحتاج للتسجيل او لكتابة اميلك للتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s