معرض تقوي الله


اعلموا يا أخواننا انار الله أبصاركم وأصلح سرائركم وخلص من الشبه أدلتكم انه لما أمتن الله علينا بالاسم الرحمن فأخرجنا من الشر الذي هو العدم إلى الخير الذي هو الوجود ولهذا أمتن الله علينا بنعمة الوجود فقال “أولا يذكر الانسان انا خلقناه من قبل ولم يك شيأ” فما تولانا منه سبحانه ابتداء إلا الرحمنة ولهذا قال ان رحمة الله سبقت غضبه فلما نظرنا في قوله تعالى “اتقوا الله” أي اتخذوه وقاية من كل ما تحذرون ورأينا مسمى الله يتضمن كل إسم إلا هي فينبغي ان يتقي منه ويتخذ وقاية فانه ما من إسم من الاسماء الإلهية للكون به تعلق إلا ويمكن ان يتقي منه وبه أما خوفاً من فراقة ان كان من أسماء اللطف أو خوفاً من نزوله ان كان من أسماء القهر فما يتقي إلا حكم أسمائه وما تتقى أسماؤه إلا باسمائه الاسم الذي يجمعها هو الله فإذا كان الله مجموع الاسماء المتقابلة وقد علمنا ان المتقابلين إذا كانا على ميزان واحد سقط حكمهما لان المحل لا يقبل حكم تقابلها فيسقطان فإذا رجح ميزان أحدهما كان الحكم للراجح وقد رجح إسم اللطيف بوجودنا لان إسم الرحمن يحفظنا فترجحت الرحمة فنفذ حكمها فهي الأصل بالإيجاد والانتقام حكم عارض والعواض لا ثبات لها فان الوجود يصحبنا فما كنا إلى الرحمة وحكمها فلهذا أمرنا بتقوى الله أي نتخذه وقاية ونتقيه لما فيه من التقابل وهو مثل قوله في الإستعاذة منه به فقال وأعوذ بك منك وهو من المقامات المستصحبة في الدنيا والآخرة فانه إذا اتقيت أحكام الاسماء ولا سيما في الجنة التي حكم الانسان فيها للصورة الإلهية التي فطر عليها فيقول للشئ كن فيكون ذلك الشئ فربما يحجبه هذا المقام عن الذي هو أعلى في حقه فيذهل عن الكثيب الذي هو خير له مما هو فيه فيأتي الاسم المذكور الإلهي فيذكره بشرف رتبة الكثيب وما يحصل له فيه وما يرجع به إلى أهله فيتقي هذا الاسم الذي مسكه في الجنة عن التشوق إلى ما هو أفضل في حقه مما يحصل له في الكثيب فلهذا قلنا باستصحاب مقام التقوى في الدنيا والآخرة فإذا علمت هذا علمت ان مقام التقوى تقوى الله مكتسب للعبد ولهذا أمر به وهكذا كل مأمور به فهو مقام يكتسب ولهذا قالت الطائفة ان المقامات مكاسب والأحوال مواهب والتقوى الإلهية على قسمين في الحكم فينا أي انقسم فيها الأمر قسمين قسم أمر الله ان نتقيه حق تقاته من كوننا مؤمنين وقسماً أمرنا فيه ان نتقيه على قدر الاستطاعة وما عين في هذا التكليف صفة تخص بها طائفة من الطوائف مثل ما عينها في حق تقاته وان كان المؤمنون قد تقدم ذكرهم فاعاد الضمير عليهم ولكن مثل هذا لا يسمى تصريحاً ولا تعييناً فينزل عن درجة التعيين فيحدث لذلك حكم آخر فقال “فاتقوا الله ما استطعتم” ابتدأ آية بفاء عطف وضمير جمع لمذكور متقدم قريب أو بعيد فان المضمرات تلحق بعالم الغيب والمعينات تلحق بعالم الشهادة لان المضمر صالح لكل معين لا يختص به واحد دون آخر فهو مطلق والمعين مقيد فانك إذا قلت زيد فما هو غيره من الاسماء لانه موضوع لشخص بعينه وإذا قلت انت أو هو أو انك فهو ضمير يصلح لكل مخاطب قديم وحديث فلهذا فرقنا بين المضمر والمعين بالاسم أو الصفة برزخية بين الاسماء وبين الضمائر فانك إذا قلت المؤمن أو الكاتب فقد ميزته من غير المؤمن فأشبه زيداً من وجه ما عينته الصفة وأشبه الضمائر من وجه اطلاقه على كل من هذه صفته غير ان الضمير الخطابي مثلاً يعم كل مخاطب كائناً من كان من مؤمن وغير مؤمن وانسان وغير انسان فتقوى الله حق تقاته هو رؤية المتقى التقوى منه وهو عنها بمعزلما عدى نسبة التكليف به فانه لا ينعزل عنها لما يقتضيه من سوء الأدب مع الله فحال المتقى لله حق تقاته كحال من شكر الله حق الشكر وقد تقدم معنى ذلك وهذه الآية من أصعب آية مرت على الصحابة وتخيلوا ان الله خفف عن عباده بآية الاستطاعة في التقوى وما علموا انهم انتقلوا إلى الأشد وكنا نقول بما قالوه ولكن الله لما فسر مراده بالحقية في أمثال هذا هان علينا الأمر في ذلك وعلمنا ان تقوى الله بالاستطاعة أعظم في التكليف فانه عزيز ان يبذل الانسان في عمله جهد استطاعته لا بد من فضلة يبقيها وفي حق تقاته ليس كذلك وعلمنا ان الله أثبت العبد في الاستطاعة فلا ينبغي ان ننفيه عن الموضع الذي أثبته الحق فيه فان ذلك منازعة لله وفي حق تقاته أثبت له

الفتوحات المكية

محيي الدين ابن عربي

الصفحة : 1243

Advertisements

One comment

اذا كنت استفدت فلا تبخل علينا بكلمة شكر أو اضغط زر الإعجاب- لا تحتاج للتسجيل او لكتابة اميلك للتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s