معرض كتاب التنوير في اسقاط التدبير


كتاب التنوير في اسقاط التدبير

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين

مقدمة التحقيق

اللهم أنا نضرع إليك، ونهرول نحوك، ونجاهد نفوسنا في خدمتك وطاعتك، ونركب الصراط القويم الذي رسمته لنا إلى مرضاتك، فقونا بقوتك، وأعزنا بعزتك، واحفظنا بقدرتك، وألهمنا رشدك وتوفيقك، وبلغنا الدرجة العليا، وارحمنا برحمتك التي وسعت بها كل شيء علما.

وامنحنا اللهم برك وجودك، وإحسانك وإنعامك، واجعلنا من القاصدين إليك، ومن المتوكلين عليك، ومن الداعين بدعوتك والسالكين صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

اللهم لك الحمد حمدا يوافي نعمك، ويليق بكمالك، ونسألك اللهم أن تصلي وتسلم على خير أحبابك، وخاصة أنبيائك، عبدك ونبيك، وخيرتك من خلقك ورسولك، سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسلته بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.

فكان صلوات الله عليه، للعالمين رحمة، وبالمؤمنين رؤوفا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به وعزروه، ونصره واتبعوا النور الذي أنزل معه، فسلكوا طريقه، وكرعوا من بحر شريعته وحقيقته، حتى صاروا بصفائهم وخوفهم من مولاهم في أمن وسلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

فـ (الحمد لله الذي خلع على أوليائه خلع إنعامه فهم بذلك له حامدون، واختصهم بمحبته، وأقامهم في خدمته، فهم على صلاتهم يحافظون، ودعاهم إلى حضرته، وأظهر فيها مراتبهم، فالسابقون السابقون، أولئك المقربون، وفتح لهم أبواب حضرته، ورفع عن قلوبهم حجاب بعده فهم بين يديه متأدبون. ولاطفهم بوده، وأمنهم من إعراضه وصده، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ونور بصائرهم بفضله، وطهر سرائرهم، وأطلعهم على السر المصون. وصانهم عن الأغيار، وسترهم عن أعين الفجار، لأنهم عرائس ولا يرى العرائس المجرمون. فإذا مر عليهم ولي من أولياء الله ينسبونه إلى الزندقة والجنون وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون. فمنهم المنكر لكراماتهم، ومن المنقص لمقاماتهم، ومنهم الثالب لأعراضهم، ومنهم المعترضون يعترضون على أحوالهم، ويخوضون بجهلهم في مقالهم، وبهم يستهزئون، {الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون}. فسبحان من قرب أقواما، واصطفاهم لخدمته، فهم على بابه لا يبرحون. وسبحان من جعلهم نجوما في سماء الولاية، وجعل أهل الأرض بهم يهتدون. وسبحان من أباحهم حضرة قربه، والمنكرون عليهم عنها مبعدون. فالأولياء في جنة القرب متنعمون، والمنكرون في نار الطرد والبعد معذبون، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون.

وأشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة شهد بها المؤمنون. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، عبده ورسوله النور المخزون، والسر المصون. اللهم فصل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وصحبهم أجمعين.


وبعد: فيقول صلوات الله وسلامه عليه، فيما رواه البخاري ومسلم:

(ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

ويقول أيضا فيما رواه البخاري:

(الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا اله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).

ويقول الفقيه العالم ابن عابدين في حاشيته:

“إن علم الإخلاص والحب، والحسد، والرياء، فرض عين، ومثلها غيرها من آفات النفوس، كالكبر، والشح، والحقد، والغش، والغضب، والعداوة، والبغضاء، والطمع، والبخل، والبطر، والخيلاء، والخيانة، والمداهنة، والاستكبار عن الحق، والمكر، والمخادعة، والقسوة، وطول الأمل، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من الإحياء، قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجا إليه”. ويقول صاحب الهداية العلائية أيضا: “وقد تظاهرت نصوص الشرع والإجماع على تحريم الحسد واحتقار المسلمين، وإرادة المكروه بهم، والكبر، والعجب، والرياء والنفاق، وجملة الخبائث، من أعمال القلوب، بل السمع والبصر والفؤاد، كل ذلك: كان عنه مسئولا مما يدخل تحت الاختبار”.

↑↑

أما صاحب مراقي الفلاح فانه يقول:

“لا تنفع الطهارة الظاهرة إلا مع الطهارة الباطنة بالإخلاص والنزاهة عن الغل والغش والحقد والحسد وتطهير القلب عما سوى الله من الكونين، فيعبده لذاته لا لعلة، مفتقرا إليه وهو يتفضل بالمن لقضاء حوائجه المضطر بها عطفا عليه، فتكون عبدا فردا للمالك الأحد الفرد، لا يسترقك شيء من الأشياء سواه، ولا يستملك هواك عن خدمتك إياه”.

هاهي نصوص وآثار، تبين بحق أن صلاح القلب للجسد، وفساد القلب فساد للجسد، وأن ذكر الله تعالى ـ يعني قوله لا اله إلا الله أعلا شعب الإيمان، وأن العجب، والحسد، والرياء، والكبر، والشح، والحقد، والغش، والغضب، والعداوة.. الخ من الخصال الممقوتة، والخبائث المحرمة، التي نهى الله عنها، وأمرنا باجتنابها، وجهاد النفس من أجلها، وتنقية القلب من أوضارها.

بيد أن الطهارة الظاهرة لا تنفع إلا مع الطهارة الباطنة، وأن الطهارة الباطنة لا تكون إلا بالإخلاص والنزاهة عن الغل والغش، والحقد والحسد، وتطهير القلب عما سوى الله تعالى. ذلك: أن الإجماع، ونصوص الشرع الحكيم، تظاهرت على تحريم الحسد، واحتقار المسلمين… الخ.

↑↑

ولما كان علم التصوف هو العلم الذي اختص بمعالجة هذه الأمراض القلبية، وتزكية النفس والتخلص منها. لما كان علم التصوف كذلك، بل لما كان علم التصوف هو الذي اهتم بهذا الجانب القلبي، فضلا عما يقابله من العبادات البدنية والمالية الأخرى، أثرنا أن يكون عملنا الذي نبتغي به وجه الحق سبحانه، إبراز أحد كنز علم من أعلام التصوف الذي يعالج ذلك كله.

↑↑

هذا الكنز الذي جمع بين علمي الشريعة والحقيقة، والذي يعد بحق: دليلا واضحا للحائرين، ومنهجا  قويما للسالكين، ودربا واسعا يسير فيه العارفون بالله رب العالمين هو كتاب: “التنوير في إسقاط التدبير” الذي يقول الشيخ ابن عباد في وصفه، وفي وصف الحكم العطائية: “… وهما أخوان من أب واحد، وأم واحدة”، والذي قال عنه ابن عجيبة حينما أراد أن يتحدث عن ابن عطاء الله، وعدم تدبيره: (… وقد ألف الشيخ رضي الله عنه فيه كتابا سماه: “التنوير في إسقاط التدبير” أحسن فيه وأجاد.

وكتاب التنوير الذي بين أيدينا، انفرد بهذا الإعجاب حتى افتتن به الكثير من رجال القلوب والبصائر، وأسلموا قيادهم لله سبحانه، بسبب ما كشف لهم فيه من غوامض سر عدم تدبيرهم، وسقوط اختيارهم، وذلك لما اشتمل عليه من فوائد مفيدة، في التوجيه والإرشاد إلى التسليم، وعدم منازعة المقادير،  والتزام الخلق بإسقاط التدبير مع الخالق.

↑↑

من هذه الفوائد المفيدة التي أوضحت مفهوم التدبير الذي قصد إليه الكتاب، والذي نؤيده عن إقناع: “اعلم أن الأشياء إنما تذم وتمدح بما تؤدي إليه، فالتدبير المذموم: ما شغلك عن الله، وعطلك عن القيام بخدمة الله، وصدك عن معاملة الله. والتدبير المحمود: هو الذي يؤديك إلى القرب من الله، ويوصلك إلى مرضاته.”

ولم يقف ابن عطاء الله عند هذا الحد، بل انه استفاض في وضوح: التباين بين التوكل والتواكل، فعاب على التواكل وحذر منه، ورغب في العمل وحث عليه، انظر إليه وهو يشرح قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الدنيا)، يقول: “أي التي توصلكم إلى طاعة الله، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم (فنعمت مطية الدنيا)”.

فمدحها من حيث كونها مطية، لا من حيث أنها دار اغترار. وإذ قد علمت هذا فقد فهمت إن إسقاط التدبير ليس هو الخروج عن الأسباب حتى يعود الإنسان ضيعة فيكون كلاً على الناس، فيجهل حكمة الله في إثبات الأسباب وارتباط الوسائط، وقد جاء عن عيسى عليه السلام، أنه مر بمتعبد فقال له: من أين تأكل؟

فقال أخي يطعمني. فقال: أخوك أعبد منك.

أي أخوك وإن كان في سوقه، أعبد منك، لأنه هو الذي أعانك على الطاعة وفرغك لها.

وكيف يمكن أن ينكر الدخول في الأسباب بعد أن جاء قوله تعالى:

{وأحل الله البيع وحرم الربا}.

وقوله: {واشهدوا إذا تبايعتم}

وقوله عليه الصلاة والسلام:

(أحل ما أكل المرء من كسب يمينه وإن داود نبي الله كان يأكل من كسب يمينه).

وقوله عليه الصلاة والسلام:

(أفضل الكسب عمل الصانع بيده إذا نصح).

وقال صلى الله عليه وسلم:

(التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة).

↑↑

فكيف يمكن أحد بعد هذا أن يذم الأسباب؟

لكن المذموم منها ما شغلك عن الله وصدك عن معاملته.

هذا وقد اتسع حرص صاحب التنوير على الأخذ بالأسباب والحث على العمل فقال: (إن في الأسباب صيانة للوجوه عن الابتذال بالسؤال وحفظا لبهجة الإيمان أن تزول بالطلب من الخلق، فما يعطيك الله من الأسباب فلا منة فيه لمخلوق عليك، إذ لا يمن عليك أحد إن اشترى منك أو استأجرك على عمل شيء، فانه في حظ نفسه سعى، ونفع نفسه قصد، فالسبب أخذ منه بغير منة).

وقبل أن أنهي القول أقول:

إن معنى التدبير الذي عناه صاحب التنوير هو تدبير الدنيا للدنيا، ومعنى ذلك: أن يدبر الإنسان في أسباب جمعها افتخارا بها واستكثارا، وكلما ازداد فيها شيئا ازداد غفلة واغترارا.

أما تدبير الدنيا للآخرة: كأن يدبر الإنسان المتاجر والمكاسب والغراسات، ليأكل منها حلالا ولينعم بها على ذوي الفاقة أفضالا وليصون بها وجهه عن الناس إجمالا فذلك هو التدبير المحمود الذي يحبه الله ورسوله، وحث عليه ابن عطاء الله في كتابه الذي نحن بصدده.

ومهما يكن من شيء، فحسب ما جاء من كتاب التنوير في إسقاط التدبير تأييدا قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه:

(إن الله جعل الروح والراحة في الرضا واليقين).

وقول أحمد بن مسروق:

“من ترك التدبير فهو في راحة”.

وقول سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه:

“لا تختر من أمرك شيئا، واختر أن لا تختار، وفر من ذلك المختار ومن فرارك ومن كل شيء، إلى الله تعالى، وربك يخلق ما يشاء ويختار”.

وقول سهل بن عبد الله:

“ذروا التدبير والاختيار فإنهما يكدران على الناس عيشهم”.

أما الشيخ أبو محمد عبد العزيز المهدوي رضي الله عنه، فله في هذا المعنى كلام نفيس أيضا يقول فيه:

“من لم يكن في دعائه تاركا لاختياره، راضيا باختيار الحق تعالى له، فهو مستدرج وهو ممن قيل فيه:(اقضوا حاجته فإني أكره أن أسمع صوته)”. فإن كان مع اختيار الله  تعالى، لا مع اختياره لنفسه كان مجابا وإن لم يعط، والأعمال بخواتيهما.

↑↑

ها هو كتاب (التنوير في إسقاط التدبير) الذي اخترنا إبرازه في صورة واضحة، لما له من أهمية يعجز الوصف عن توضيحها، ذلك لما احتوى عليه من تنوير الأذهان، وتهذيب النفوس، وتوطين القلوب على الإذعان لله، والتسليم لأحكامه، وإسقاط التدبير في أي شيء معه سبحانه، وعدم منازعة مقاديره تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}.

أما العلم العامل، الولي الزاهد العارف، القطب الشهير الواصل، الذي عرف ربه فهرول إليه، ورغب الحق سبحانه وتعالى، فأعرض عن كل شيء دونه انه العلم التقي الصافي، الذي عرف مولاه فجد وشد المئزر  في خدمته سبحانه، لا لشيء سوى مشاهدته، حتى فني من أجله في ذاته لا عن ذاته، وشاهد بعين البصيرة جلاله سبحانه. وذلك العلم الوضاء، والقبس المضيء في سماء الولاية، هو:

الشيخ الإمام تاج الدين، وترجمان العارفين، أبو الفضل احمد بن محمد بن عبد الكريم، بن عبد الرحمن، بن عبد الله بن احمد بن عيسى بن الحسين، بن عطاء الله، الجذامي نسبا، المالكي مذهبا، الإسكندري دارا، القاهري مزارا، الصوفي حقيقة الشاذلي طريقة. أعجوبة زمانه، ونخبة عصره وأوانه، المتوفى في جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة.

↑↑

مكانته العلمية:

أما مكانة مؤلف “التنوير في إسقاط التدبير” العلمية، فإن صاحب الديباج المذهب يقول: “كان جامعا لأنواع العلوم من تفسير، وحديث، وفقه، ونحو وأصول، وغير ذلك. كان رحمه الله متكلما على طريق أهل التصوف، واعظا انتفع به خلق كثير، وسلكوا طريقه”.

ومما يؤيد مكانة ابن عطاء الله السكندري، العلمية على نحو ما ذكر صاحب الديباج، أن شيخه أبا العباس المرسي رضي الله عنهما، شهد له بالتقديم، كما ذكر في كتاب “لطائف المنن” قائلا:

قال لي الشيخ: “الزم فو الله لئن لزمت لتكونن مفتيا في المذهبين، يريد مذهب أهل الشريعة أهل العلم الظاهر، ومذهب أهل الحقيقة أهل العلم الباطن”. وقال فيه أيضا: “والله لا يموت هذا الشاب حتى يكون داعيا يدعو إلى الله”. وقال فيه كذلك: “والله ليكونن لك شأن عظيم، والله ليكونن لك شأن عظيم، قال: فكان بحمد الله ما لا أنكره”.

وازدادت مكانة ابن عطاء الله العلمية، وقوي شأنه فيها، حتى ألف من الكتاب ما يعد قمة في التصوف ومرجعا لمن قصد الأخذ منه والاستدلال به. وله في هذا الفن مؤلفات مشهورة، حازت السبق في ميدان العلماء والتقدير الفائق من المحققين، والإعجاب الفذ من الأدباء.

↑↑

مع التنوير في إسقاط التدبير:

حينما عقدنا العزم، وصممنا الإرادة على تحقيق هذا الكتاب النفيس، وإبرازه في صورة طيبة، ووضوح واضح لأصحاب الحال والقال خاصة، وللشغوفين بأعمال القلوب والجوارح عامة، حينما اعتزمنا ذلك. أخلصنا النية، ووجهنا القلب إلى العلي الأعلى، أن يهبنا التوفيق والسداد، وأن يمنحنا النجاح والرشاد، وأن يتم علينا نعمته الكبرى، ويبسط يده ليأخذ بأيدينا في إنجاز هذا العمل الجاد الذي لن يتحقق إلا لمن ذاق فعرف، وشاهد فوصل.

والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فقد قمنا بالبحث والتنقيب في دور الكتب والمكتبات، نبحث عن الأصول المخطوطة، وننقب عن النسخ الدقيقة، وبعد جهد وزمن وصلنا، بفضل الله تعالى ـ إلى ما أحببنا أن نصبوا إليه، فوجدنا  مخطوطات عدة: بدار الكتب بالقاهرة ومكتبة الأزهر، ومكتبة سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه.

وبعد: فإننا نقدم هذا الكنز الثمين ونحن نضرع إلى الله العلي القدير، أن يجعله عملا خالصا ابتغاء وجهه سبحانه، وأن ينفع به، وأن يقدر له الخير والعمل به، وأن يجازي مؤلفه الجزاء المشكور عنده، إنه سميع مجيب، وهو حسبنا عليه توكلنا، وإليه أنبنا، واليه المصير.

موسى محمد علي ↑↑

مقدمة المؤلف

↑↑
قال الشيخ الإمام العارف القدوة المحقق تاج العارفين لسان المتكلمين إمام وقته وأوحد عصره حجة السلف وإمام الخلف قدوة السالكين وحجة المتقين تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري رضي الله عنه وأرضاه ونفعنا به ونفع به كافة المسلمين إنه سميع قريب مجيب:

 

الحمد لله المنفرد بالخلق والتدبير، الواحد في الحكم والتقدير، الملك الذي {ليس كمثله شيء وهو السميع

البصير}. ليس له في ملكه وزير. المالك الذي لا يخرج عن ملكه كبير ولا صغير. المقدس في كمال وصفه عن الشبيه والنظير. المنزه في كمال ذاته عن التمثيل والتصوير. العليم الذي لا يخفى عليه ما في الضمير.

{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}.

العالم: الذي أحاط علمه بمباديء الأمور ونهاياتها.

السميع: الذي لا فضل في سمعه بين جهر الأصوات وإخفاتها.

الرزاق: وهو المنعم على الخليقة بإيصال أقواتها.

القيوم: وهو المتكفل بها في جميع حالاتها.

الوهاب: وهو الذي منّ على النفوس بوجود حياتها.

القدير: وهو المعيد لها بعد وجود وفاتها.

الحسيب وهو المجازي لها يوم قدومها عليه بحسناتها وسيئاتها.

↑↑
فسبحانه من إله منّ على العباد بالجود قبل الوجود، وقام لهم بأرزاقهم مع كلتا حالتيهم من إقرار وجحود. وأمد كل موجود بوجود عطائه، وحفظ وجوده ووجود العالم بإمداد بقائه، وظهر بحكمته في أرضه، وبقدرته في سمائه. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة عبد مفوّض لقضائه، مستسلم له في حكمه وإمضائه. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، المفضَّل على جميع أنبياءه، المخصوص بجزيل فضله وعطائه، الفاتح الخاتم، وليس ذلك لسِوائه، الشافع في كل العباد حتى يجمعهم الحق لفصل قضائه، صلى الله عليه وعلى سائر أنبيائه، وعلى آله وصحبه المستمسكين بولائه، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد..

اعلم يا أخي جعلك الله من أهل حبه، وأتحفك بوجود قربه، وأذاقك من شراب أهل وده، وأمنك بدوام وصله من إعراضه وصده، ووصلك بعباده الذين خصّهم بمراسلاته، وجبر كسر قلوبهم لمّا علموا أنه لا تدركه الأبصار بأنوار تجلياته، وفتح رياض القرب وأهب منها على قلوبهم واردات نفحاته، وأشهدهم سابق تدبيره فيهم، فسلموا إليه القياد، وكشف لهم عن خفي لطفه في صنعه، فخرجوا عن المنازعة والعناد. فهم مستسلمون إليه، ومتوكلون في كل الأمور عليه، علما منهم أنه لا يصل عبدٌ إلى الرضا إلا بالرضا، ولا يبلغ إلى صريح العبودية إلا بالاستسلام إلى القضا، فلم تطرقهم الأغيار، ولم ترد عليهم الأكدار.. كما قال قائلهم:

لا تهتدي نُوَبُ الزمان إليهمُ *** ولهم على الخطب الشديد لجامُ

↑↑

تجري عليهم أحكامه وهم لجلاله خامدون، ولحكمه مستسلمون.

كما قال:

تجري عليك صروفه *** وهموم سِرِّكَ مُطرِقة

وإن من طلب الوصول إلى الله تعالى، فحقيق عليه أن يأتي الأمر من بابه، وأن يتوصل إليه بوجود أسبابه. وأهم ما ينبغي تركه والخروج عنه والتطهر منه: وجود التدبير ومنازعة المقادير. فصنّفتُ هذا الكتاب مبيّنا لذلك، ومُظهرا لما هنالك. وسميته: “التنوير في إسقاط التدبير” ليكون اسمه موافقا لمسماه ولفظه مطابقا لمعناه. والله أسأل أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبله بفضله العميم، وأن ينفع به الخاص والعام، بمحمد عليه الصلاة والسلام، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.  ↑↑

التسليم وعدم التدبير

↑↑

قال الله سبحانه وتعالى:

{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.

 وقال تعالى:

{أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى}.

وقال صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا).

وقال صلى الله عليه وسلم: (أعبد الله بالرضا، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير).

إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على ترك التدبير ومنازعة المقادير، إما نصا صريحا، وإما إشارة وتلويحا.

وقد قال أهل المعرفة: “من لم يُدبِّر دُبِّرَ له”.

وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: “إن كان ولا بد من التدبير، فدبروا أن لا تدبروا”.

وقال أيضا: “لا تختر من أمرك شيئا، واختر أن لا تختار، وفرّ من ذلك المختار، ومن فرارك، ومن كل شيء إلى الله تعالى، وربك يخلق ما يشاء ويختار”. فقوله تعالى في الآية الأولى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، فيه دلالة على أن الإيمان الحقيقي لا يحصل إلا لمن حكّم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  على نفسه، قولا وفعلا، وأخذا وتركا، وحبا وبغضا، ويشمل ذلك حكم التكليف، وحكم التصريف والتسليم، والانقياد واجب على كل مؤمن في كليهما. فأحكام التكليف: الأوامر والنواهي المتعلقة باكتساب العباد. وأحكام التصريف: هو ما أورده عليك من قهر المراد. فتبين من هذا أنه لا يحصل لك حقيقة الإيمان إلا بأمرين: بالامتثال لأمره، والاستسلام لقهره.

↑↑
ثم إنه سبحانه وتعالى، لم يكتف بنفي الإيمان عمن لم يحكّم، أو حكّم ووجد الحرج في نفسه على ما قضى، حتى أقسم على ذلك بالربوبية الخاصة برسوله صلى الله عليه وسلم، رأفة وعناية، وتخصيصا ورعاية، لأنه لم يقل: {فلا والرب}، وإنما قال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم}.

ففي ذلك تأكيد بالقسم، وتأكيد في المقسم عليه. علما منه سبحانه بما النفوس منطوية عليه من حب الغلبة ووجود النصرة، سواء كان الحق عليها أو لها. وفي ذلك إظهار لعنايته برسوله صلى الله عليه وسلم، إذ جعل حُكمه حُكمه، وقضاءه قضاءه، فأوجب على العباد الاستسلام لحكمه، والانقياد لأمره؛ ولم يقبل منهم الإيمان بإلهيته حتى يذعنوا لأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم. لأنه كما وصفه ربه: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى}. فحُكمه حُكم الله، وقضاؤه قضاء الله. كما قال: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}. وأكد ذلك بقوله: {يد الله فوق أيديهم}.

وفي الآية إشارة أخرى لعظيم قدره، وتفخيم أمره صلى الله عليه وسلم، وهي قوله تعالى:

{فلا وربك}. فأضاف نفسه تعالى إليه، كما قال في الآية الأخرى: {كهيعص. ذكر رحمة ربك عبده زكريا}. فأضاف الحق سبحانه اسمه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأضاف زكريا إليه، ليعلم العباد فرق ما بين المنزلتين، وتفاوت ما بين الرتبتين. ثم إنه لم يكتف بالتحكيم الظاهر فيكونوا به مؤمنين، بل اشترط فقدان الحرج، وهو الضيق في نفوسهم من أحكامه صلى الله عليه وسلم، سواء كان الحكم بما يوافق أهوائهم أو يخالفها. وإنما تضيق النفوس لفقدان الأنوار، ووجود الأغيار، فمنه يكون الحرج وهو الضيق، والمؤمنون ليسوا كذلك، إذ نور الإيمان ملأ قلوبهم، فاتسعت وانشرحت، فكانت واسعة بنور الواسع العليم، ممدودة بوجود فضله العظيم، مهيأة لواردات أحكامه، مفوضة إليه في نقضه وإبرامه. ↑↑

تقوية الحق لعبده فيما يورده عليه

↑↑
فائدة: اعلم أن الحق سبحانه، إذا أراد أن يقوّي عبدا على ما يريد أن يورده عليه من وجود حكمه، ألبسه من أنوار وصفه، وكساه من وجود نعته، فتنزلت الأقدار وقد سبقت إليها الأنوار، فكان بربه لا بنفسه، فقوي لأعبائها، وصبر للأوائها.

وإنما يعينهم على حمل الأقدار، ورود الأنوار. وإن شئت قلت: وإنما يعينهم على حمل الأحكام، فتح باب الأفهام. وإن شئت قلت: وإنما يعينهم على حمل البلايا، واردات العطايا. وإن شئت قلت: وإنما يقويهم على حمل أقداره، شهود حسن اختياره. وإن شئت قلت: وإنما يصبّرهم على وجود حكمه، علمهم بوجود علمه. وإن شئت قلت: وإنما صبّرهم على ما جرى، علمهم بأنه يرى. وإن شئت قلت: وإنما يصبّرهم على أفعاله، ظهوره عليهم بوجود جماله. وإن شئت قلت: وإنما صبّرهم على القضا، علمهم بأن الصبر يورث الرضا. وإن شئت قلت: وإنما صبّرهم على الأقدار، كشف الحجب والأسفار. وإن شئت قلت: وإنما قواهم على حمل أثقال التكليف، ورود أسرار التصريف. وإن شئت قلت: وإنما صبّرهم على أقداره، علمهم بما أودع فيها من لطفه وإبراره. ↑↑

فهذه عشرة أسباب توجب صبر العبد وثبوته لأحكام سيده، وقوته عند ورودها. وهو المعطي لكل ذلك بفضله، والمانّ بذلك على ذوي العناية من أهله. ولنتكلم الآن على كل قسم منها لتكمل الفائدة وتحصل الجدوى والفائدة.

فأما الأول وهو: “إنما يعينهم على حمل الأقدار، ورود الأنوار”:

وذلك أن الأنوار إذا وردت كشفت للعبد عن قرب الحق سبحانه وتعالى منه، وأن هذه الأحكام لم تكن إلا عنه، فكان علمه بأن الأحكام إنما هي من سيده سلوة له، وسبب لوجود صبره. ألم تسمع لما قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {واصبر لحكم ربك، فإنك بأعيننا}. أي: ليس هو حكم غيره فيشق عليك، بل هو حكم سيدك القائم بإحسانه إليك، ولنا في هذا المعنى:

وخفف عني ما ألاقي من العنا *** بأنك أنت المبتلي والمقدر

وما لأمري عما قضى الله معدل *** وليس له منه الذي يتخير

ومثال ذلك: لو أن إنسانا في بيت مظلم، فضُرب بشيء ولا يدري من الضارب له، فلما أدخل عليه مصباح: نظر فإذا هو شيخه أو أبوه أو أميره. فإن علمه بذلك مما يوجب صبره على ما هنالك.

↑↑
الثاني: وهو قوله: “إنما يعينهم على حمل الأحكام، فتح باب الإفهام”:

إذا أورد الله تعالى على عبده حُكما، وفتح له باب الفهم عنه في ذلك الحكم فاعلم أنه أراد سبحانه أن يحمله عنه، وذلك أن الفهم يرجعك إلى الله، ويحثك إليه، ويجعلك متوكلا عليه، وقد قال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}. أي كافيه وواقيه، وناصره على الأغيار وراعيه، لأن الفهم عن الله يكشف لك عن سر العبودية فيك، وقد قال سبحانه وتعالى: {أليس الله بكاف عبده}. وكل هذه الوجوه العشرة ترجع إلى الفهم عنه، وإنما هي أنواع فيه.

↑↑
الثالث: وهو قوله: “إنما يعينهم على حمل البلايا، واردات العطايا”:

وذلك أن واردات العطايا السابقة من الله إليك، تذَكُرك لها مما يعينك على حمل أحكام الله، إذ كما قضى لك بما تحب، اصبر له على ما يحب فيك. ألم تسمع قوله تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها}. فسلاهم الحق فيما أصيبوا بما أصابوا؛ وهذا من العطايا السابقة. وقد يقترن بالبلايا في حين ورودها، ما يخففها على العباد المقربين، من ذلك أن يكشف لهم عن عظيم الأجر الذي ادخره لهم في تلك البلية. ومنها ما ينزل على قلوبهم من التثبيت والسكينة. ومنها ما يورده عليهم من دقائق اللطف وتنزلات المنن، حتى كان بعض الصحابة رضي الله عنهم يقول في بعض مرضه: “أشدد خنقك”.

وحتى قال بعض العارفين: لقد مرضت مرضة، فأحببت أن لا تزول، لما ورد علي فيها من أمداد الله تعالى، وانكشف فيها من وجود غيبته” أه. وللكلام في سبب ذلك موضع غير هذا.

↑↑

الرابع، وهو: “إنما يقويهم على حمل أقداره، شهود حسن اختياره”:

وذلك أن العبد إذا شهد حسن اختيار الله تعالى له، علم أن الحق سبحانه لا يقصد ألم عبده لأنه به رحيم {وكان بالمؤمنين رحيما}. وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة معها ولدها فقال: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: الله أرحم بعبده المؤمن من هذه بولدها). غير أنه سبحانه يقضي عليك بالآلام لما يترتب عليه من الفضل والإنعام، ألم تسمع قوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.

ولو وكل الحق سبحانه العباد إلى اختيارهم لحرموا وجود منته، ومنعوا الدخول إلى جنته، فله الحمد على حسن الاختيار. ألم تسمع قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم}. وإن الأب المشفق يسوق لابنه الحجام لا بقصد الإيلام. وكالطبيب الناصح، يعانيك بالمراهم الحادة، وإن كانت مؤلمة لك، ولو طاوع اختيارَك لبَعُد الشفاء عليك.  ومن مُنع وعَلِم أن المنع إنما هو إشفاق عليه، فهذا المنع في حقه عطاء. وكالأم المشفقة تمنع ولدها كثرة المأكل خشية التخمة.

ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى:

“اعلم أن الحق سبحانه وتعالى إذا منعك لم يمنعك عن بخل، وإنما يمنعك رحمة لك، فمنع الله لك عطاء، ولكن لا يفهم العطاء في المنع إلا صديق”. وفي كلام أثبتناه في غيره هذا الكتاب: إنه ليخفف عنك ألم البلايا، علمك بأنه سبحانه وتعالى المبتلي، لك فالذي واجهتك من الأقدار، هو الذي له فيك حسن الاختيار.

↑↑

الخامس: وهو قوله: “إنما صبرهم على وجود حكمه: علمهم بوجود علمه”:

وذلك: أن علم العبد بأن الحق سبحانه مطلع عليه فيما ابتلاه يخفف عنه أعباء البلايا، ألم تسمع قوله تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}. أي ما تلقاه يا محمد من كفار قريش من المعاندة والتكذيب فليس بخاف علينا. والحكاية المشهورة: أن إنسانا ضرب تسعة وتسعين سوطا ولم يتأوه، فلما ضرب السوط الذي هو تمام المائة تأوه، فقيل له في ذلك؟ قال: كان الذي ضربت من أجله في الحلقة في التسعة والتسعين فلما ولى عني أحسست بالألم).

 

السادس: وهو “إنما صبرهم على أفعاله، ظهوره عليهم بوجود جماله”:

وذلك: أن الحق سبحانه وتعالى، إذا تجلى على عبده في حين ملاقاته، لمر غلبة البلايا، حمل حرارتها عنه لما أذاقه من حلاوة التجلي، فربما غيبهم ذلك على الإحساس بالألم، ويكفيك في ذلك قوله تعالى: (فلما رأينه أكبرنه، وقطعن أيديهن).

↑↑

السابع: وهو “إنما صبرهم على القضا علمهم بأن الصبر يورث الرضا”:

وذلك: أن من صبر على أحكام الله، أورثه ذلك الرضا من الله، فتحملوا حرارتها طلبا لرضاه، كما يتحسى الدواء المر لما يرجى فيه من عاقبة الشفاء.

الثامن: وهو “إنما صبرهم على الأقدار: كشف الحجب والأستار“:

وذلك: أن الحق سبحانه وتعالى، إذا أراد إن يحمل عن عبد ما يورده عليه، كشف الحجاب عن بصيرة قلبه فأراه قربه منه، فغيبه أنس القرب عن إدراك المؤلمات. ولو أن الحق سبحانه وتعالى تجلى لأهل النار بجماله وكماله لغيبهم ذلك عن إدراك العذاب، كما انه لو احتجب عن أهل الجنة لما طاب لهم النعيم. فالعذاب إنما هو: وجود الحجاب، وأنواع العذاب مظاهره، والنعيم إنما هو: بالظهور والتجلي، وأنواع النعيم مظاهره.

التاسع: وهو “إنما قواهم على حمل أثقال التكاليف، ورود أسرار التصريف”:

وذلك: لأن التكاليف شاقة على العباد، ويدخل في ذلك امتثال الأوامر، والانكفاف عن الزواجر، والصبر على الأحكام، والشكر عند وجود الأنعام. فهي إذن أربعة: طاعة، ومعصية، ونعمة، وبلية. وهي أربع لا خامس لها: والله عليك في كل واحدة من هذه الأربع عبودية يقتضيها منك بحكم الربوبية.

فحقه عليك في الطاعة: شهود المنة منه عليك فيها.

وحقه عليك في المعصية: الاستغفار لما ضيعت فيها.

وحقه عليك في البلية: الصبر معه عليها.

وحقه عليك في النعمة: وجود الشكر منك فيها.

ويحمل عنك أعباء ذلك كله: الفهم. وإذا فهمت أن الطاعة راجعة إليك وعائدة بالجدوى عليك، صبرك ذلك على القيام بها. وإذا علمت أن الإصرار على المعصية والدخول فيها، يوجب العقوبة من الله آجلا، وانكشاف نور الإيمان عاجلا، كان ذلك سببا للترك منك لها.

وإذا علمت إن الصبر تعود عليك ثمرته، وتنعطف عليه بركته، سارعت إليه، وعولت عليه.

وإذا علمت أن الشكر يتضمن المزيد من الله لقوله تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم}، كان ذلك سببا لمثابرتك عليه، ونهوضك إليه.

وسنبسط الكلام على هذه الأربع في آخر الكتاب، ونفرد لها فصلا إن شاء الله تعالى.

↑↑

العاشر: وهو “إنما صبرهم على أقداره، علمهم بما أودع فيها من لطفه وإبراره”:

وذلك أن المكاره أودع الحق تعالى فيها وجود الألطاف. ألم تسمع قوله تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}. وقوله عليه الصلاة والسلام: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وفي البلايا والأسقام والفاقات من أسرار الألطاف ما لا يفهمه إلا أولوا البصائر. ألم تر أن البلايا تخمد النفس وتذلها، وتدهشها عن طلب حظوظها ويقع من البلايا وجود الذلة، ومع الذلة تكون النصرة: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة). وبسط القول في ذلك، يخرجنا عن قصد الكتاب.

فقدان الحرج ووجود التسليم

↑↑

انعطاف: لنرجع الآن إلى الآية، وهي قوله سبحانه وتعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}.

اعلم أن الأحوال ثلاثة:

قبل التحكم، وفيه، وبعده.

فأما قبل التحكيم: فعبوديتهم التحكيم، وأما في الحكم، وبعده فعبوديتهم: عدم وجدان الحرج في أمورهم.

فان قلت: إن ذلك لازم من قوله تعالى: {حتى يحكموك}. قيل: ليس كل من حكم فقد الحرج عنه، إذ قد يحكم ظاهرا والكراهة عنده موجودة فلا بد إن ينضم إلى التحكيم، فقدان الحرج ووجود التسليم.

فإن قال القائل: إذا لم يجدوا الحرج فقد سلموا تسليما، فما فائدة الإتيان بقوله: {ويسلموا تسليما} بعد نفي الحرج المستلزم لقبول التسليم، الذي من صفته وجود التأكيد؟

فالجواب عنه: أن قوله تعالى: {ويسلموا تسليما} أي في جميع أمورهم فان قلت: إن ذلك لازم من قوله: {حتى يحكموك؟}. فالجواب: أن التحكيم ما أطلقه بل قيده بقوله تعالى: {فيما شجر بينهم} فصارت الآية تتضمن ثلاثة أمور:

أحدها: التحكيم فيما اختلفوا فيه.

الثاني: عدم وجدان الحرج في التحكيم.

والثالث: وجود التسليم المطلق، فيما شجر بينهم، وفيما نزل في أنفسهم، فهو عام بعد خاص فافهم.

الآية الثانية، وهي قوله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة سبحانه الله وتعالى عما يشركون} تتضمن فوائد: ↑↑

الفائدة الأولى: قوله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} يتضمن ذلك الإلزام للعبد بترك التدبير مع الله، لأنه إذا كان يخلق ما يشاء فهو يدبر، ما يشاء، فمن لا خلق له لا تدبير له: {أفمن يخلق كمن لا يخلق، أفلا تذكرون}.

ويتضمن قوله: ويختار، انفراده بالاختيار وأن أفعاله ليست على الإلجاء والاضطرار، بل هو على نعت الإرادة والاختيار، وفي ذلك إلزام للعبد بإسقاط التدبير والاختيار مع الله تعالى، إذ ما هو له لا ينبغي أن يكون لك.

وقوله: (ما كان لهم الخيرة) يحتمل الوجهين:

أحدهما: لا ينبغي أن تكون الخيرة لهم، وأن يكونوا أولى بها منه سبحانه وتعالى.

وثانيهما: ما كان الخيرة أي ما أعطيناهم ذلك، ولا جعلناهم أولى بما هنالك.

وقوله: (سبحان الله وتعالى عما يشركون) أي تنزيها لله أن يكون لهم الخيرة معه. وبينت الآية: أن من ادعى الاختيار مع الله، فهو مشرك مدعي للربوبية بلسان حاله، وإن تبرأ من ذلك بما قاله.

الآية الثالثة: وهي قوله تعالى: {أم للإنسان ما تمنى، فلله الآخرة والأولى} فيها دلالة على إسقاط التدبير مع الله

بقوله أم للإنسان ما تمنى.(أي لا يكون ولا ينبغي له لانا ما جعلناه له)، وأكد  ذلك بقوله: {فلله الآخرة والأولى}.

ففي ذلك أيضا إلزام العبد، ترك التدبير مع الله. أي إذا كان لله الآخرة والأولى فليس فيهما للإنسان شيء فلا ينبغي له التدبير في ملك غيره، وإنما ينبغي أن يدبر في الدارين من هو مالكهما وهو الله سبحانه وتعالى.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا..) فيه دليل على أن من لم يكن كذلك، لا يجد حلاوة الإيمان، ولا يدرك مذاقه، وإنما يكون إيمانه صورة لا روح فيها وظاهرا لا باطن له، ومرتسما لا حقيقة تحته.

↑↑

وفيه إشارة: إلى إن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تتنعم بملذات المعاني كما تنعم النفوس بملذوذات الأطعمة. وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، لأنه لما رضي بالله ربا، استسلم له وانقاد لحكمه، وألقى قياده إليه خارجا عن تدبيره واختياره، إلى حسن تدبير الله واختياره، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض.

ولما رضي بالله ربا، كان له الرضا من الله، كما قال تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه).

وإذا كان له الرضا من الله: أوجده الله حلاوة ذلك، ليعلم ما من به عليه، وليعلم إحسان الله إليه. ولا يكون الرضا بالله: إلا مع الفهم. ولا يكون الفهم: إلا مع النور. ولا يكون النور: إلا مع الدنو. ولا يكون الدنو: إلا مع العناية.

فلما سبقت لهذا العبد العناية، خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد الله وأنواره عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته، لصحة إدراكه ولسلامة ذوقه. ولو سقم قلبه بالغفلة عن الله لم يدرك ذلك، لأن المحموم ربما وجد طعم السكر مرا، وليس هو في نفس الأمر كذلك.

فإذا زالت أسقام القلوب، وأدرك الأشياء على ما هي عليه، فتدرك حلاوة الإيمان ولذاذ الطاعة، ومرارة القطيعة والمخالفة. فيوجب إدراكها لحلاوة الإيمان اغتباطها به، وشهود المنة من الله عليها فيه، وتطلب الأسباب الحافظة للإيمان والجالبة له. ويوجب إدراك لذاذة الطاعة: المداومة عليها، وشهود المنة من الله فيها. ويوجب إدراكها لمرارة الكفران والمخالفة، الترك لهما، والنفور عنهما، وعدم الميل إليهما، فيحمل على الترك للذنب وعدم التطلع إليه، وليس كل متطلع تاركا، ولا كل تارك غير متطلع. وإنما كان كذلك، لأن نور البصيرة  دال على أن المخالفة لله، والغفلة عنه، سم للقلوب مهلك، فنفرة قلوب المؤمنين عن مخالفة الله تعالى كنفرتك عن الطعام المسموم.

↑↑

وقوله صلى الله عليه وسلم: (وبالإسلام دينا) لأنه من رضي بالإسلام دينا، فقد رضي بما رضي به المولى واختاره لقوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}. وقوله تعالى: {ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه}.  ولقوله تعالى: {إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}. وإذا رضي بالإسلام دينا، فمن لازم ذلك: امتثال الأوامر والانكفاف عن وجود الزواجر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والغيرة إذا رأى ملحدا  يجادل أن يدخل فيه ما ليس منه، فيدمغه ببرهانه، ويقمعه بتبيانه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (وبمحمد نبيا)، فلازم من رضي بمحمد نبيا، أن يكون له وليا، وأن يتأدب بآدابه، وأن يتخلق بأخلاقه زهدا في الدنيا، وخروجا عنها، وصفحا عن الجناية، وعفوا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقق المتابعة، قولا وفعلا، وأخذا وتركا وحبا وبغضا وظاهرا وباطنا. فمن رضي بالله: استسلم له، ومن رضي بالإسلام: عمل لهو ومن رضي بمحمد صلى الله عليه وسلم: تابعه. ولا تكون واحدة منها إلا بكلها. إذ محال أن يرضى بالله ربا، ولا يرضى بالإسلام دينا، أو يرضى بالإسلام دينا ولا يرضى بمحمد نبيا، وتلازم ذلك بين لا خفاء فيه.

مقامات اليقين

↑↑

وإذ قد تبين هذا فاعلم أن مقامات اليقين تسعة وهي:

التوبة، والزهد، والصبر، والشكر، والخوف، والرضا، والرجاء، والتوكل، والمحبة.

ولا تصح كل واحدة، من هذه المقامات إلا بإسقاط التدبير مع الله، والاختيار، وذلك: أن التائب كما يجب عليه أن يتوب من ذنبه، كذا يجب عليه أن يتوب عن التدبير مع ربه.

لأن التدبير والاختيار من كبائر القلوب والأسرار والتوبة هي الرجوع إلى الله تعالى: (من كل ما لا يرضاه لك) لأنه شرك بالربوبية، وكفر لنعمة العقل، ولا يرضى لعباده الكفر. وكيف تصح توبة عبد مهموم بتدبير دنياه. غافل من حسن رعاياه؟

وكذلك لا يصح الزهد: إلا بالخروج عن التدبير، لأن مما أنت مخاطب بالخروج عنه، والزهد فيه: تدبيرك.

إذ الزهد زهدان: زهد ظاهر جلي، وزهد باطن خفي.

فالظاهر الجلي: الزهد في فضول الحلال، من المأكولات والملبوسات وغير ذلك.

والزهد الخفي: الزهد في الرياسة، وحب الظهور، ومنه الزهد في التدبير مع الله.

وكذلك لا يصح صبر ولا شكر، إلا بإسقاط التدبير، وذلك: لأن الصابر من صبر عما لا يحبه الله، ومما لا يحبه الله تعالى التدبير معه والاختيار لأن الصبر على أقسام:

صبر عن المحرمات.

وصبر عن الواجبات.

وصبر عن التدبيرات والاختيارات.

وان شئت قلت: صبر عن الحظوظ البشرية، وصبر على لوازم العبودية، ومن لوازم العبودية، إسقاط التدبير مع الله تعالى.

وكذلك لا يصح الشكر إلا لعبد ترك التدبير مع الله، لأن الشكر – فيما قال الجنيد رحمه الله تعالى:

“الشكر أن لا تعصي الله بنعمه.”

ولولا العقل الذي ميزك الله به على أشكاله، وجعله سببا لكمالك لم تكن من المدبرين معه، إذ الجمادات والحيوانات لا تدبير لها مع الله، لفقدان العقل الذي من شأنه النظر إلى العواقب والاهتمام بها.

ويناقض أيضا مقام الخوف والرجاء: إذ الخوف إذا توجهت سطواته إلى القلوب منعها أن تستروح إلى وجود التدبير، والرجاء أيضا كذلك: إذ الراجي قد امتلأ قلبه فرحا بالله، ووقته مشغول بمعاملة الله تعالى، فأي وقت يسعه التدبير مع الله تعالى؟ ↑↑

ويناقض أيضا مقام التوكل: وذلك أن المتوكل على الله من ألقى قياده إليه، واعتمد في كل أموره عليه، فمن لازم ذلك: عدم التدبير والاستسلام لجريان المقادير.

وتعلق إسقاط التدبير بمقام التوكل والرضا، أبين من تعلقه بسائر المقامات.

ويناقض أيضا مقام المحبة: إذ المحب مستغرق في حب محبوبه، وترك الإرادة معه هي عين مطلوبه، وليس يتسع وقت المحب للتدبير مع الله أنه قد (شغله عن ذلك حبه لله) ولذلك قال بعضهم: (من ذاق شيئا من خالص محبة الله، ألهاه ذلك عما سواه).

ويناقض

أيضا مقام الرضا: وهو بين لا إشكال فيه، وذلك: أن الراضي قد اكتفى بسابق تدبير الله فيه، فكيف يكون مدبرا معه وهو قد رضي بتدبيره؟ ألم تعلم أن نور الرضا يغسل من القلوب غثاء التدبير.

فالراضي عن الله، بسطه نور الرضا لأحكامه، فليس له تدبير مع اللهو وكفى بالعبد حسن اختيار سيده له. فافهم.

من أسباب إسقاط التدبير

↑↑

فصل: اعلم إن الذي يحملك على إسقاط التدبير مع الله والاختيار أمور.

الأول: علمك بسابق تدبير الله فيك: وذلك أن تعلم إن الله كان لك قبل أن تكون لنفسك، فكما كان لك مدبرا قبل أن تكون ولا شيء من تدبيرك معه، كذلك هو سبحانه وتعالى مدبر لك بعد وجودك.

فكن له كما كنت له، يكن لك كما كان لك.

ولذلك قال الحسين الحلاج: (كن لي كما كنت لي، في حين لم أكن).

فسأل من الله أن يكون له بالتدبير بعد وجوده: كما كان له بالتدبير قبل وجوده، لأنه قبل وجود العبد كان العبد مدبرا بعلم الله، وليس هناك للعبد وجود فتقع الدعوى منه لتدبير نفسه، فيقع الخذلان لأجل ذلك.

فإن قلت: فإنه في حين لم يكن عدم، فكيف يتعلق التدبير؟

فاعلم أن للأشياء وجودا في علم الله، وان لم يكن لها وجود في أعيانها، فالحق سبحانه وتعالى يتولى تدبيرها من حيث أنها موجودة في علمه، وفي هذه المسألة غور عظيم ليس هذا الموضوع محلا لبسطه.

بيان وإعلام

↑↑

اعلم أن الحق سبحانه وتعالى تولاك بتدبيره على جميع أطوارك وقام لك في كل ذلك بوجود إبرازك، فقام لك بحسن التدبير يوم المقادير، يوم: {ألست بربكم؟ قالوا بلى}.

ومن حسن تدبيره لك حينئذ، أن عرفك به فعرفته، وتجلى لك فشهدته، واستنطقك وألهمك الإقرار بربوبيته فوحدته، ثم انه جعلك نطفة مستودعة في الأصلاب، وتولاك بتدبيره هنا لك، حافظا لك، وحافظا لما أنت فيه. مواصلا لك المدد بواسطة من أنت فيه من الآباء إلى أبيك آدم، ثم قذفك في رحم الأم، فتولاك بحسن التدبير حينئذ وجعل الرحم قابلة أرضا يكون فيها نباتك ومستودعا يعطى فيها حياتك، يم جمع بين النطفتين، وألف بينهما فكنت عنهما، لما بنيت عليه الحكمة الإلهية من أن الوجود كله مبني على سر الازدواج، ثم جعلك بعد النطفة علقة مهيأة لما يريد سبحانه وتعالى، إن ينقلها إليه، ثم بعد العلقة مضغة، ثم فتق سبحانه وتعالى في المضغة صورتك، وأقام بنيتك، ثم نفخ فيك الروح بعد ذلك، ثم غذاك بدم الحيض في رحم الأم حتى قويت أعضاؤك، واشتدت أركانك ليهيئك إلى البروز إلى ما قسم لك أو عليك، وليبرزك إلى دار يتعرف فيها بفضله وعدله إليك.

ثم لما أنزلك إلى الأرض علم سبحانه وتعالى أنك لا تستطيع تناول خشونات المطاعم، وليس لك أسنان ولا أرحاء تستعين بها على ما أنت طاعم، فأجرى الثديين بغذاء لطيف، ووكل بهما مستحث الرحمة في قلب الأم كلما وقف اللبن عن البروز استحثته الرحمة التي جعلها لك في الأم مستحثا لا يفتر، ومستنهضا لا يقصر، ثم انه شغل الأب والأم بتحصيل مصالحك، والرأفة عليك والنظر بعين المودة منهما إليك، وما هي إلا رأفة ساقها إليك، والى العباد في مظاهر الآباء والأمهات، تعريفا بالوداد، وفي حقيقة الأمر ما كفاك إلا ربوبيته، وما حضنك إلا ألهيته.

ثم ألزم الأب القيام بك إلى حين البلوغ، وأوجب عليك ذلك رأفة منه بك، ثم رفع قلم التكليف عنك إلى أوان تكمل الأفهام، وذلك عند الاحتلام، ثم إلى إن صرت كهلا لم يقطع عنك نوالا ولا فضلا، ثم إذا انتهت إلى الشيخوخة، ثم إذا قدمت عليه، ثم إذا حشرت إليه، ثم إذا اقامك بين يديه ثم إذا أسلمك من عقابه، ثم إذا أدخله دار ثوابه، ثم إذا كشف عنك وجود حجابه وأجلسك مجلس أوليائه وأحبابه، قال سبحانه وتعالى: {إن المتقين في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر}. ↑↑

فلأي إحسانه تشكر، وأي آلائه وأياديه تذكر؟ واسمع قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله}. تعلم أنك لم تخرج، ولن تخرج عن إحسانه (ولن يعدوك وجود فضله وامتنانه}. وان أردت البيان في نقليات أطوارك فاسمع ما قاله سبحانه:

{ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم أنشأناه خلقا آخر، فتباك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}. تبدو لك بوارقها وتبسط عليك شوارقها، وفي ذلك ما يلزمك أيها العبد: الاستسلام إليه، والتوكل عليه، ويضطرك إلى إسقاط التدبير وعدم منازعة المقادير، والله الموفق.

الثاني: أن تعلم أن التدبير منك لنفسك جهل منك بحسن النظر لها، فإن المؤمن قد علم أنه إذا ترك التدبير مع الله، كان له بحسن التدبير منه، لقوله تعالى:

{ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.

فصار التدبير في إسقاط التدبير، والنظر للنفس ترك النظر لها فافهم ها هنا قوله تعالى:

{وأتوا البيوت من أبوابها}.

فباب التدبير من الله لك، هو إسقاط التدبير منك لنفسك.

الثالث: علمك بأن القدر لا يجري على حسب تدبيرك، بل أكثر ما يكون ما لا تدبر، وأقل ما يكون ما أنت له مدبر والعاقل لا يبني بناء على غير قرار فمتى تتم مبانيك والأقدار تهدمها؟

وعن التمام قصدها شعرا:

متى يبلغ البنيان يوما تمامه *** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

↑↑

وإذا كان التدبير منك والقدر يجري على خلاف ما تدبر، فما فائدة تدبيره لا تنصره الأقدار؟ وإنما ينبغي أن يكون التدبير لمن بيده أزمة المقادير، ولذلك قيل شعر:

ولما رأيت القضا جاريا *** بلا شك فيه ولا مرية

توكلت حقا على خالفي *** وألقيت نفسي مع الجرية

الرابع: علمك بان الله تعالى هو المتولي لتدبير مملكته، علوها وسفلها، غيبها وشهادتها.

وكما سلمت له تدبيره في عرشه وكرسيه، وسمواته وأرضه، فسلم له تدبيره في وجودك (إلى هذه العوالم) فان نسبة وجودك إلى هذه العوالم نسبة توجب تلاشيك، كما أن نسبة السماوات السبع، والأرضين السبع، بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، والكرسي والسموات السبع والأرضون السبع، بالنسبة إلى العرش كالحلقة الملقاة في فلاة من الأرض، فماذا عسى أن تكون أنت في مملكته؟ فاهتمامك بأمر نفسك وتدبيرك لها منك جهل بالله، بل الأمر كما قال سبحانه:

{وما قدروا الله حق قدره}.

فلو أن العبد عرف ربه، لاستحى أن يدبر معه، ولا قذف بك في بحر التدبير إلا حجبتك عن الله، لأن الموقنين لما كشف عن بصائر قلوبهم، شهدوا أنفسهم مدبرين لا متدبرين، ومصرفين لا متصرفين، ومحركين لا متحركين.

وكذلك عمار الصفيح الأعلى، مشاهدون لظهور القدرة، ونفوذ الإرادة.

↑↑

وتعلق القدرة بمقدورها، والإرادة بمرادها، والأسباب معزولة في مشهدهم، فلذلك طهروا من الدعوة لما هم عليه من  وجود المعاينة، وثبوت المواجهة، فلذلك قال سبحانه:

{إنا نحن نرث الأرض ومن عليها، وإلينا يرجعون}.

ففي هذا تزكية للملائكة، وإشارة إلى أنهم لم يكونوا مع الله مدعين لما خولهم ولا منتسبين لما نسب إليهم، إذ لو كان كذلك لقال: {إنا نحن نرث الأرض والسماء}.

بل نسبتهم إليه، وهيبتهم له، وولههم من عظمته، منعهم أن يركنوا لشيء دونه.

فكما سلمت لله تدبيره في سمائه وأرضه، فسلم له تدبيره في وجودك: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس}.

الخامس: علمك بأنك ملك لله، وليس لك تدبير ما هو لغيرك فما ليس لك ملكه، ليس لك تدبيره. وإذا كنت أيها العبد لا تنازع فيما تملك، ولا ملك لك إلا بتمليكه إياك، وليس لك ملك حقيقي، وإنما هي نسبة شرعية، أوجبت الملك لك من غير شيء قائم بوصفك تستوجب به أن تكون مالكا، فأن  لا تنازع الله فيما يملكه أولى وأحرى.

لا سيما وقد قال سبحانه وتعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة}.

فلا ينبغي لعبد بعد المبايعة، تدبير ولا منازعة، لأن ما بعته وجب عليك تسليمه، وعدم المنازعة فيه، فالتدبير فيه نقض لعقد المبايعة.

↑↑

ودخلت على الشيخ أبي العباس المرسي رحمه الله يوما، فشكوت إليه بعض أمري فقال:

إن كانت نفسك لك فاصنع بها ما شئت، ولن تستطيع ذلك أبدا، وان كانت لبارئها فسلمها له يصنع بها ما شاء) ثم قال: (الراحة في الاستسلام إلى الله، وترك التدبير معه، وهو العبودية).

قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: نمت ليلة عن وردي فاستيقظت فندمت، فنمت بعد ذلك ثلاثة أيام عن الفرائض، فلما استيقظت سمعت هاتفا يقول شعرا:

كل شيء لك مغفور سوى الإعراض عنا *** قد غفرنا لك ما فات بقي ما فات منا

ثم قيل لي يا إبراهيم: كن عبدا، فكنت عبدا فاسترحت.

السادس: علمك بأنك في ضيافة الله، لأن الدنيا دار الله، وأنت نازل فيها عليه، ومن حق الضيف أن لا يعول هما مع رب المنزل.

قيل للشيخ أبي مدين رحمه الله: ما لنا نرى المشايخ يدخلون في الأسباب، وأنت لا تدخل فيها؟

فقال: يا أخي أنصفونا: الدنيا دار الله، ونحن ضيوفه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الضيافة ثلاثة أيام).

قلنا عند الله ثلاثة أيام ضيافة، وقد قال تعالى: {وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون}.

قلنا عند الله ثلاثة آلاف سنة ضيافة، مدة إقامتنا في الدنيا منها وهو مكمل ذلك بفضله في الدار الآخرة، وزائد على ذلك الخلود الدائم. ↑↑

السابع: (نظر العبد إلى قومية الله تعالى في كل شيء) ألم تسمع قوله تعالى: {الله لا اله إلا هو الحي القيوم}.

فهو سبحانه وتعالى قيوم الدنيا والآخرة، قيوم الدنيا بالرزق والعطاء، والآخرة بالأجر والجزاء.

فإذا علم العبد قيومية ربه به، وقيامه عليه، ألقى قياده إليه، وانطرح بالاستسلام بين يديه، فألقى نفسه بين يدي ربه مسلما، ناظرا لما يرد عليه من الله حكما.

الثامن: هو اشتغال العبد بوظائف العبودية التي هي مبتغاة بالعمر، لقوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}.

فإذا توجهت همته إلى رعاية عبوديته، شغله ذلك عن التدبير لنفسه والاهتمام لها قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى:

(اعلم أن لله تعالى عليك في كل وقت سهما في العبودية، يقتضيه الحق سبحانه وتعالى، وعن أنفاسه التي هي أمانة الحق عنده، فأين الفراغ لأولى البصائر عن حقوق الله حتى يمكنهم التدبير لأنفسهم، والنظر في مصالحها باعتبار حظوظها ومآربها، ولا يصل أحد إلى منة الله إلا بغيبته عن نفسه، وزهده فيها، مصروفة همته إلى محاب الله تعالى) متوفرة دواعيه على موافقته، دائبا على خدمته ومعاملته، فبحسب غيبتك عن نفسك، فناء عنها، يبقيك الله به، لذلك قال الشيخ أبو الحسن:

(أيها السابق إلى سبيل نجاته الشائق  إلى حضرة جنابه، أقلل النظر إلى ظاهرك إن أردت فتح باطنك لأسرار ملكوت ربك). ↑↑

التاسع: وهو أنك عبد مربوب، وحق العبد أن لا يعول هما مع سيده، مع اتصافه بالا فضال، وعدم الإهمال، فإن روح مقام العبودية: الثقة بالله والاستسلام إلى الله تعالى، وكل واحد منهما يناقض التدبير مع الله تعالى والاختيار معه، بل على العبد أن يقوم بخدمته، والسيد يقوم له بمنته، وعلى العبد القيام بالخدمة، والسيد يقوم له بوجود القسمة، فافهم قوله تعالى:

{وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، لا نسألك رزقا، نحن نرزقك}.

أي قم بخدمتنا، ونحن نقوم بإيصال قسمتنا. ↑↑

العاشر: عدم علمك بعواقب الأمور: فربما دبرت أمرا ظننت أنه لك، فكان عليك. وربما أتت الفوائد من وجود الشدائد، والشدائد من وجوه الفوائد، والأضرار من وجوه المسار والمسار من وجوه الإضرار، وربما كمنت المنن في المحن، والمحن في المنن. وربما انتفعت على أيدي الأعداء، وأرديت على أيدي الأحباب.

فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن عاقلا إن يدبر مع الله، ولا يدري المسار فيأتيها، ولا المضار فيتقيها؟

ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: (اللهم إنا قد عجزنا عن دفع الضر عن أنفسنا، من حيث نعلم بما نعلم، فكيف لا نعجز عن ذلك من حيث لا نعلم، بما لا نعلم). ↑↑

ويكفيك قوله تعالى:

{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى إن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.

وكم مرة أردت  أيها العبد أمرا فصرفه عنك فوجدت لذلك غما في قلبك وحرصا في نفسك حتى إذا كشف لك عن عاقبة ذلك علمت انه سبحانه نظر لك بحسن النظر من حيث لا تدري، وخار لك من حيث لا تعلم، وما أقبح مريدا لا فهم له، وعبيدا لا استسلم له، فكن كما قيل:

وكم رمت أمرا خرت لي في انصرامه *** فلا زلت بي مني أبر وأرحما

عزمت على أن أحس بخاطر *** على القلب إلا كنت أنت المقدما

وأن لا تراني عند ما قد نهيتني *** لكونك في قلبي كبيرا معظما

ويحكى: أن بعضهم كان إذا أصيب بشيء. أو ابتلى به يقول: خيرة، فاتفق ليلة أن جاء ذئب فأكل ديكا له، فقيل له به فقال: خيرة ثم ضرب في تلك الليلة كلبه فمات، فقيل له فقال: خيرة، ثم نهق حماره فمات، فقال: خيرة.

فضاق أهله بكلامه هذا ذرعا، فاتفق أن نزل في تلك الليلة عرب أغاروا عليهم، فقتلوا كل من بالمحلة، ولم يسلم غيره وأهل بيته. استدل العرب النازلون (على الناس بصياح الديك) ونباح الكلب، ونهيق الحمار، وهو قد مات له كل ذلك، فكان هلاك هذه الأشياء سببا لنجاته، فسبحان المدبر الحكيم.

وإن العبد لا يشهد حسن تدبير الله، إلا إذا انكشفت له العواقب، وليس هذا مقام أهل الخصوص في شيء لأن أهل الفهم عن الله، شهدوا حسن تدبير الله قبل أن تنكشف له العواقب وهم في ذلك على أقسام ومراتب:

فمنهم من حسن ظنه بالله، فاستسلم له لما عوده من جميل صنعه، ووجود لطفه.

ومنهم من حسن ظنه بالله علما منه، أن الاهتمام والتدبير والمنازعة،  لا تدفع عنه ما قدر عليه، ولا تجلب له ما لم يقسم له:

ومنهم من حسن الظن بالله تعالى، لقوله عليه السلام حاكيا عن ربه: (أنا عند ظن عبدي بي).

فكان متعاطيا بحسن الظن بالله وأسبابه، رجاء أن يعامل بمثل ذلك فيكون الله له عند ظنه ولقد يسر الله للمؤمنين سبيل المنن  إذ كان عند ظنونهم: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بك العسر}. ↑↑

وارفع من هذه المراتب كلها، الاستسلام إلى الله تعالى، والتفويض له، بما يستحق الحق من ذلك لا لأمر يعود على العبد، فان المراتب الأول لم تخرج العبد عن رق العلل، إذ من استسلم له بحسن عوائده استسلامه معلول بعوائد الألطاف السابقة.

 فلو لم تكن لم يكن استسلامه، والثاني أيضا كذلك لأن ترك التدبير مع الله لكونه لا يجدي شيئا ليس هو تركا لأجل الله، لأن هذا العبد، لو علم أن تدبيره يجدي شيئا فلعله كان غير تارك للتدبير وأما الذي استسلم إلى الله تعالى، وحسن ظنه به ليكون له عند ظنه، فهو إنما يسعى في حظ نفسه مشفقا عليها، أن يفوتها الفضل بعدوله عن الاستسلام (وحسن الظن بالله ومن استسلم إلى الله وحسن ظنه به) لما هو عليه من عظمة الألوهية ونعوت الربوبية فهذا هو العبد الذي دل على حقيقة الأمر، وجرى إن يكون هذا من الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: (إن لله عبادا التسبيحة الواحدة منهم مثل جبل أحد). ↑↑

ولقد عاهد الله سبحانه وتعالى العباد أجمع، على إسقاط التدبير معه، بقوله تعالى:

{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم؟ قالوا: بلى}

لأن إقرارهم بأنه ربهم، يستلزم ذلك إسقاط التدبير معه، فهذه معاقدة كانت قبل أن تكون النفس التي هي محل الاضطراب المدبرة مع الله تعالى، ولو بقي العبد على تلك الحالة الأولى التي هي كشف الغطاء ووجود الحضرة، لما أمكنه أن يدبر مع الله.

فلما أسدل الحجاب، وقع التدبير والاضطراب فلأجل ذلك أهل المعرفة بالله المشاهدون لأسرار الملكوت، لا تدبير لهم مع الله. إذ وجود المواجهة أبى لهم ذلك وفسخ عزائم تدبيرهم، وكيف يدبر مع الله عبد هو في حضرته ومشاهد لكبرياء عظمته. ↑↑

التدبير والاختيار

↑↑

فائدة: اعلم أن التدبير والاختيار، وباله عظيم، وخطره جسيم وذلك: أنا نظرنا فوجدنا أن آدم عليه السلام، إنما حمله على أكل الشجرة تدبيره لنفسه، وذلك أن الشيطان قال لآدم وحواء عليهما السلام، كما قال الله تعالى:

{وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}.

ففكر آدم عليه السلام في نفسه، فعلم أن الخلود في جوار الحبيب هو المطلوب الأسنى وانتقاله من الآدمية إلى وصف الملكية إما أن يكون لن وصف الملكية أفضل أو ظن آدم عليه السلام أن ذلك أفضل.

فلما دبر عليه السلام في نفسه هذا التدبير، أكل من الشجرة (فما أتى إلا من عين وجود التدبير)، وكان مراد الحق منه ذلك لينزله إلى الأرض ويستخلفه فيها، فكان هبوطا في الصورة، وترقيا في المعنى، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله:

(والله ما أنزل الله آدم إلى الأرض لينقصه، وإنما أنزله إلى الأرض ليكمله).

فلم يزل آدم عليه السلام راقيا إلى الله تعالى، تارة على معراج التقريب والتخصيص، وتارة على معراج الذلة والمسكنة، وهو في التحقيق أتم، ويجب على كل مؤمن إن يعتقد إن النبي ولرسول لا ينتقلان من حالة إلا إلى حالة أكمل منها. ↑↑

وافهم ههنا قوله سبحانه وتعالى: {وللآخرة خير لك من الأولى}.

قال ابن عطية: (وللحالة الثانية خير لك من الأولى).

وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن الحق سبحانه وتعالى له التدبير والمشيئة وكان قد سبق من تدبير مشيئته، أنه لا بد أن يعمر الأرض ببني آدم، وأن يكون منهم كما شاء.

(منهم محسن، وظالم لنفسه مبين).

وكان من تدبير حكمته: أن لا بد من تمام ذلك، وظهوره إلى عالم الشهادة، فأراد الحق سبحانه أن يكون تناول آدم للشجرة سببا لنزوله إلى الأرض، ونزوله إلى الأرض سببا لظهور مرتبة الخلافة التي من عليه بها، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه:

(أكرم بها معصية أورثت الخلافة وسنت التوبة لمن بعده إلى يوم القيامة).

وكان نزوله إلى الأرض بحكم قضاء الله تعالى، قبل أن يخلق السماوات والأرض.

قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه:

(والله لقد أنزل آدم إلى الأرض، قبل أن يخلقه، كما قال سبحانه: {إني جاعل في الأرض خليفة}.)

فمن حسن تدبير الله تعالى لآدم، أكله من الشجرة ونزوله الأرض وإكرام الله تعالى إياه بالخلافة والإمامة.

 وإذ قد انتهى بنا المقال إلى ها هنا، فلنتبع الفوائد والخصائص التي منحها آدم عليه السلام في هذه الواقعة، لنعلم أن لأهل الخصوص مع الله ليست لمن سواهم، ولله فيهم تدبير لا يتوجه به لما عداهم. ↑↑

ففي أكل آدم من الشجرة ونزوله إلى الأرض فوائد، منها: أن آدم وحواء عليهما السلام كانا في الجنة فتعرفا أليهما بالرزق والعطايا، والإحسان والنعماء، فأراد الحق سبحانه وتعالى، من خفي لطفه في تدبيره أن يأكلا من الشجرة ليتعرف لهما بالحلم والستر والمغفرة والتوبة والاجتبائية.

أما الحلم: فلأنه لم يعاجلهما بالعقوبة حين فعلا والحليم هو الذي لا يعاجل بالعقوبة على ما صنعت، بل يمهلك، إما إلى عفوه وإنعامه، وإما إلى سطوته وانتقامه.

الثاني: هو أن الله سبحانه وتعالى، تعرف لهما بالستر، وذلك أنهما لما كلا منها، وبدت لهما سوآتهما بزوال ملابس الجنة سترهما بورقها، كما قال الله تعالى:

{وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}.

فكان ذلك من وجود ستره. ↑↑

الثالث: هو انه أراد الحق سبحانه وتعالى، أن يعلمه باجتبائه له، وينشأ عن اجتبائه مقامان:

التوبة إليه، والهداية من عنده.

فأراد الحق سبحانه أن يعرف آدم عليه السلام باجتبائه له وسابق عنايته فيه، فقضى عليه بأكل الشجرة، ثم لم يجعل أكله إياها سبيلا لإعراضه عنه، ولا لقطع مدده منه، بل كان في ذلك إظهار لوده سبحانه وتعالى فيه، وعنايته به، كما قالوا:

(من سبقت له العناية لم تضره الجناية). ↑↑

ورب ود تقطعه المخالفة، والود الحقيقي: هو الذي يدوم لك من الواد لك موافقا كنت أو مخالفا، وليس في قوله تعالى: {ثم اجتباه ربه} دليل على حدوث اجتبائية الحق فيه بل كان قبل وجوده، وإنما الذي حدث بعد الذنب، ظهور أثر الاجتبائية من الله له، فهو الذي قال فيه الحق سبحانه وتعالى: {ثم اجتباه ربه}.

أي أظهر له أثر الاجتبائية فيه، والعناية به بتسييره للتوبة إليه، والهداية من عنده، فصار في قوله تعالى: {ثم اجتباه ربه، فتاب عليه وهدى} تعريفات ثلاث:

الاجتبائية، والتوبة التي هي نتيجتها والهدى الذي هو نتيجة التوبة فافهم.

ثم أنزله إلى الأرض فتعرف له بحكمته كما تعرف له في الجنة ببواهر قدرته، وذلك لأن الدنيا محل الوسائط والأسباب، فلما نزل آدم عليه السلام إلى الأرض علم الحراثة، والزراعة، وما يحتاج إليه من أسباب عيشته ليحققه الله تعالى بما أعلمه به من قبل أن ينزل بقوله: {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}. ↑↑

والمراد بقوله تعالى: {فتشقى} تعب الظواهر لا الشقاوة التي هي ضد السعادة والدليل على ذلك قوله تعالى: {فتشقى} ولم يقل فتشقيا. لأن المتاعب والكلف، إنما هي على الرجال دون النساء، كما قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله}.

ولو كان المراد شقاء بالقطيعة، أو وجود الحجبة لقال: (فتشقيا) فدل الإفراد على انه ليس الشقاء هنا بقطيعته ولا أبعاده مع انه لو ورد كذلك لحملناه على الظن الجميل وأرجعناه إلى المتاعب الظاهرة على التأويل.

أكل آدم لم يكن عنادا

↑↑

فائدة جليلة: اعلم أن أكله عليه السلام للشجرة لم يكن عنادا ولا خلافا، فإما أن يكون نسي الأمر فتعاطى الأكل وهو له غير ذاكر، وهو قول بعضهم، ويحمل عليه قوله تعالى:

{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما}. أو إن كان تناوله ذاكرا للأمر، فهو إنما تناوله لأنه قيل له: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}. فلحبه في الله، وشغفه به، أحب ما يؤديه إلى الخلود في جواره، والبقاء عنده، أو ما يؤديه إلى الملكية. لأن آدم صلى الله عليه وسلم عاين قرب الملكية من الله، فأحب أن يأكل من الشجرة لينال رتبة الملكية التي هي أفضل أو التي هي في ظنه كذلك على اختلاف أهل العلم وأهل المعرفة أيضا، أيهما أفضل؟ الملكية، أم النبوة لا سيما وقد قال سبحانه وتعالى: {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين}. قال آدم عليه السلام: (ما ظننت أن أحدا يحلف بالله كاذبا). فكان كما قال تعالى: {فدلاهما بغرور}.

↑↑

فائدة: اعلم أن آدم عليه السلام لم يكن لشيء مما كان يأكله أذى، بل كان رشحا كرشح المسك، كما يكون أهل الجنة في الجنة، إذا دخلوها، لكنه لما أكل من الشجرة المنهي عنها، أخذته بطنه، فقيل له: يا آدم أين؟ على الأسرة أم الحجال، أم على شاطىء الأنهار؟ انزل إلى الأرض التي يمكن ذلك فيها فإذا كان ما به المعصية، وصلت إليه آثارها، فكيف لا تؤثر المعصية في الفاعل بها فافهم.

تنبيــه واعتبار

↑↑

اعلم أن كل شيء نهى عنه، فهو شجرة، والجنة هي حضرة الله، فيقال لآدم قلبك، ولحواء نفسك، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. لكن آدم عليه السلام محفوف بالعناية لما أكل من الشجرة أنزل إلى الأرض للخلافة، وأنت إذا أكلت من شجرة النهي أنزلت إلى الأرض القطيعة فافهم. فان تناولت شجرة النهي، أخرجت من جنة الموافقة، إلى وجود أرض القطعية، فيشقى قلبك، وإنما يلاقي الشقاء وقت القطيعة القلب لا النفس، لأن وقت القطيعة يكون فيه ملائمات النفوس من ملذوذاتها وشهواتها، وانهماكها في غفلاتها.

ترتيب وبيان

↑↑

اعلم أن الله تعالى تعرف لآدم عليه السلام، بالإيجاد فناداه يا قدير ثم تعرف له بتخصيص الإرادة فناداه يا مريد.

ثم تعرف له بحكمه في نهيه عن أكل الشجرة، فناداه يا حاكم ثم قضى بأكلها، فناداه يا قاهر.

ثم يعاجله بالعقوبة إذا أكلها، فناداه يا حليم.

ثم لم يفضحه في ذلك فناداه يا ستار.

ثم تاب عليه بعد ذلك فناداه يا تواب.

ثم أشهده أن أكله من الشجرة لم يقطع عنه وده فيه، فناداه يا ودود.

ثم أنزله إلى الأرض، ويسر له أسباب المعيشة، فناداه يا لطيف.

ثم قواه على ما اقتضاه منه، فناداه يا معين.

ثم أشهده سر الأكل والنهي والنزول فناداه يا حكيم.

ثم نصره على العدو، والمكائد لهو فناداه يا نصير.

ثم ساعده على أعباء تكاليف العبودية، فناداه يا ظهير.

فما أنزله إلى الأرض إلا ليكمل له وجود التصريف ويقيمه بوظائف التكليف، فتكلمت في آدم عليه السلام العبوديتان. عبودية التصريف، وعبودية التكليف، فعظمت منة الله عليه، وتوفر إحسانه إليه، فافهم.

مقام العبودية

↑↑

انعطاف: اعلم أن أجل مقام أقيم العبد فيه: مقام، قول الله سبحانه وتعالى:

{سبحان الذي أسرى بعبده ليلا}.

{وما أنزلنا على عبدنا}.

{كهيعص، ذكر رحمة ربك عبده زكريا}.

{وانه لما قام عبد الله يدعوه}.

ولما خير رسول صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا، اختار العبودية لله تعالى، ففي ذلك أدل دليل أنها من أفضل المقامات، وأعظم القربات.

وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا عبد لا آكل متكئا، إنما أنا عبد الله، آكل كما يأكل العبيد).

وقال صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر).

سمعت شيخنا أبا العباس رحمه الله يقول:

(ولا فخر، أي لا أفتخر بالسيادة، إنما الفخر لي بالعبودية لله تعالى ولأجلها كان الإيجاد).

وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.

والعبادة ظاهر العبودية، والعبودية روحها:

وإذ قد فهمت هذا فروح العبودية وسرها إنما هو ترك الاختيار وعدم منازعة الأقدار، فتبين من هذا إن العبودية ترك التدبير والاختيار مع الربوبية. فإذا كان لا يتم مقام العبودية الذي هو أشرف المقامات إلا بترك التدبير، فحقيق على العبد أن يكون له تاركا، وللتسليم لله تعالى وللتفويض له سالكا، ليصل إلى مقام الأكمل، والمنهج الأفضل.

وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه يقرأ ويخفض صوته وعمر رضي الله عنه يقرأ ويرفع صوته فقال لأبي بكر: لم خفضت صوتك، فقال: قد أسمعت من ناجيت.

وقال لعمر: لم رفعت صوتك؟ فقال: أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان. ↑↑

فقال لأبي بكر: ارفع قليلا وقال لعمر: اخفض قليلا.

فكان شيخنا أبو العباس رحمه الله تعالى يقول: ها هنا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج كل واحد منهما عن مراده لنفسه لمراده صلى الله عليه وسلم.

تنبيه: تفطن رحمك الله لهذا الحديث، تعلم منه أن الخروج عن الإرادة هي أفضل العبادة: لأن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كل واحد منهما قد أبان لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صحة قصدهما، وبعد ذلك أخرجهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أراد لأنفسهما مع صحة قصده إلى اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بنو إسرائيل والتيه

↑↑

فائدة: اعلم أن بني إسرائيل لما دخلوا التيه، ورزقوا المن والسلوى، واختار الله تعالى لهم ذلك رزقا رزقهم إياه، يبرز من عين المنة من غير تعب منهم ولا نصب، فرجعت نفوسهم الكثيفة لوجود إلف العبادة والغيبة عن شهود تدبير الله تعالى إلى طلب ما كانوا يعتادونه، فقالوا:

{ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها، وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم، وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله}.

وذلك لأنهم تركوا ما اختار الله لهم مما يليق لما اختاروه لأنفسهم فقيل لهم على طريق التوبيخ لهم:

{أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا مصرا}. فظاهر التفسير: أتستبدلون الثوم والبصل والعدس بالمن والسلوى وليس النوعان سواء في اللذة ولا في سقوط المشقة؟ وسر الاعتبار: أتستبدلون مرادكم لأنفسكم بمراد الله لكم؟ ↑↑

أتستبدلون الذي هو أدنى، وهو ما أردتموه، بالذي هو خير، وهو ما أراد الله لكم؟

اهبطوا مصر فإن ما أنتم اشتهيتموه لا يليق أن يكون إلا في الأمصار.

وفي سر الاعتبار: اهبطوا عن سماء التفويض، وحسن الاختيار والتدبير منا لكم إلى أرض التدبير والاختيار منكم لأنفسكم موصوفين بالذلة والمسكنة لاختياركم مع الله وتدبيركم لأنفسكم مع تدبير الله.

ولو أن هذه الأمة هي الكائنة في التيه، لما قالت مقال بني إسرائيل لشفوف أنوارهم ونفوذ أسرارهم.

ألا ترى أن بني إسرائيل في ابتداء الأمر قالوا لموسى عليه السلام، وهو كان سبب  التيه لهم:

{اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون}.

وقالوا في آخره: {ادع لنا ربك}.

فأبوا في الأول عن امتثال أمر الله، وفي الآخرة، اختاروا لأنفسهم غير ما اختار الله  بهم، وكثيرا ما تكرر منهم ما يدل على بعدهم عن مصدر الحقيقة. ↑↑

وسواء الطريقة في قولهم: {أرنا الله جهرة} وفي قولهم لموسى عليه السلام بعد، ولم ينشف بلل البحر عن أقدامهم حين فرق لهم لما عبروا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة}.

فكانوا كما قال موسى عليه السلام: {قال إنكم قوم تجهلون}.

وكذلك قوله تعالى: {وإذ نتفنا الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه وقع بهم، خذوا ما أتيناكم بقوة}.

وهذه الأمة نتق فوق قلوبها جبال الهيبة والعظمة، فأخذوا الكتاب بقوة الإيمان، فثبتوا لذلك وأيدوا لما هنالك، وحفظوا من عبادة العجل وغير ذلك، لأن الله تعالى اختار هذه الأمة واختار لها وأثنى عليها بقول:

{كنتم خير أمة أخرجت للناس}. وقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}. أي عدولا خيارا.

أفضل الكرامات وأجل القربات

↑↑

فقد تبين لك من هذا أن التدبير والاختيار، من أشد الذنوب والأوزار.

فإذا أردت أن يكون لك من الله اختيار فاسقط معه الاختبار، وان أردت أن يكون لك حسن التدبير فلا تدع معه وجود التدبير وان أردت الوصول إلى المراد، فذلك بأن لا يكون معه مراد ولذلك لما قيل لأبي يزيد ما تريد؟ قال: (أريد أن لا أريد).

فلم تكن أمنيته من الله، ولا طلبته منه إلا سقوط الإرادة معه، لعلمه أنها أفضل الكرامات وأجل القربات.

وقد يتفق للمخصص الكرامات الظاهرة، وبقايا التدبير كامنة فيه.

فالكرامة الكامنة الكاملة الحقيقية، إنما هي: ترك التدبير مع الله، والتعويض لحكم الله.

ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إنما هما كرامتان جامعتان محيطتان.

كرامة الإيمان لمريد الإيقان، وشهود العيان، وكرامة العمل على الاقتداء والمتابعة ومجانبة الدعاوى والمخادعة.

فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إلى غيرهما فهو عبد مفتر كذاب وخطأ بالعلم والعمل بالصواب وكل كرامة لا يصحبها الرضا من الله تعالى وعن الله فصاحبها مستدرج مغرور، أو ناقص، أو هالك مثبور.

فاعلم أن الكرامة لا تكون كرامة حتى يصحبها الرضا عن الله، ومن لازم الرضا عن الله، ترك التدبير معه، وإسقاط الاختيار بين يديه. ↑↑

واعلم أنه قد قال بعضهم: (إن أبا يزيد رحمه الله، لما أراد أن لا يريد، فقد أراد).

وهذا قول من لا معرفة عنده، وذلك: لأن أبا يزيد إنما أراد أن لا يريد. لأن الله تعالى اختار له وللعبد أجمع، عدم الإرادة معه، فهو في إرادته أن لا يريد، موافق لإرادة الله تعالى، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: (وكل مختارات الشرع وترتيباته، ليس لك منها شيء واسمع وأطع.

وهذا موضع الفقه الرباني والعلم اللدني، وهو أرض لتنزل علم الحقيقة المأخوذ عن الله لمن استوى.

فأفاد الشيخ بهذا الكلام: أن كل مختار للشرع ولا يناقض اختياره مقام العبودية المبني على ترك الاختيار، لئلا  ينخدع عقل قاصر عن درك الحقيقة بذلك، فيظن أن الوظائف والأوراد، ورواتب السنن، وإدارتها، ويخرج بها العبد عن صريح العبودية، لأنه قد اختار. ↑↑

فبين الشيخ رحمه الله تعالى، أن كل مختارات الشرع، وترتيباته ليس لك منها شيء، وإنما أنت مخاطب أن تخرج عن تدبيرك لنفسك، واختيارك لها، لا عن تدبير الله ورسوله لك، فافهم.

فقد علمت إذا أن أبا يزيد ما أراد أن لا يريد إلا لأن الله تعالى أراد منه ذلك. فلم تخرجه هذه الإرادة، عن العبودية المقتضاة منه، فقد علمت أن الطريق الموصلة إلى الله تعالى هي محور الإرادة ورفض المشيئة حتى قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى:

(لن يصل الولي إلى الله، ومعه تدبير من تدبيراته، واختيار من اختياراته).

وسمعت شيخنا أبا العباس رحمه الله تعالى يقول:

(ولن يصل العبد إلى الله تعالى، حتى تنقطع عنه شهوة الوصول إلى الله تعالى).؟

يريد والله أعلم: أن تنقطع عنه انقطاع أدب، لا انقطاع ملل. ↑↑

أو لأنه يشهد إذا قرب إبان وصوله، عدم استحقاقه لذلك، واستحقاره لنفسه أن يكون  أهلا لما هنالك، فتنقطع عنه شهوة الوصول لذلك، لا مللا، ولا سلوا، ولا اشتغالا عن الله تعالى بشيء دونه.

فإذا أردت الإشراق والتنوير فعليك بإسقاط التدبير، واسلك إلى الله كما سلكوا، تدرك ما أدركوا.

أسلك مسالكهم وانهج مناهجهم وألق عصاك فهذا جانب الوادي

ولنا في هذا المعنى في ابتداء العمر، ما كتبت به لبعض أخواني:

أيا صاح هذا الركب قد سار مسرعا *** ونحن قعود ما الذي أنت صانع

أترضى بأن تبقى المخلف بعدهم *** صريع الأماني والغرام منازع

وهذا لسان الكون ينطق جهرة *** بأن جميع الكائنات قواطع

وأن لا يرى السبيل سوى امرئ ** رمى بالسوء لم تختدعه المطامع

ومن أبصر الأشياء والحق قبلها *** فغيب مصنوعا بمن هو صانع

بواده أنوار لمن كان ذاهبا *** وتحقيق أسرار لمن هو راجع

فقم وانظر الأكوان والنور عمها *** ففجر التداني نحوك اليوم طالع

وكن عبده والق القياد لحكمه *** وإياك تدبيرا فما هو نافع

أتُحْكِم تدبيرا وغيرُك حاكمٌ *** أأنت لأحكام الإله تنازع

فمحو إرادة وكل مشيئة *** هو الغرض الأقصى فهل أنت سامع

كذلك سار الأولون فأدركوا *** على إثرهم فليسر من هو تابع

على نفسه فليبك من كان طالبا *** وما لمعت ممن يحب لوامع

على نفسه فلبيك من كان باكيا *** أيذهب وقت وهو باللهو ضائع

↑↑

الموقنون العابدون

↑↑

أعلم وفقك الله أن لله عبادا خرجوا عن التدبير مع الله بتأديبه الذي أدبهم، وبتعليمه لذي علمهم، ففسخت الأنوار عزائم تدبيرهم، ودت المعارف والأسرار جبال اختيارهم فنزلوا منزل الرضا، فوجدوا نعيم المقام، فاستغاثوا بالله، واستصرخوا به، خشية أن يشغلهم حلاوة الرضا فيميلوا إليها بمساكنة، أو يجنحوا لها بمراكنة.

قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى:

كنت في ابتداء أمري، أدبر مع أصنع من الطاعات وأنواع الموافقات، فتارة أقول: ألزم البراري والقفار وتارة أقول: ارجع إلى المدائن والديار لصحبة العلماء والأخيار.

فوصف لي ولي من أولياء الله بأرض المغرب بجبل هنالك، فطلعت إليه، فوصلت إليه ليلا، فكرهت أن أدخل عليه حينئذ، فسمعته يقول: (اللهم إن قوما سألوك أن تسخر لهم خلقك فأعطيتهم ذلك، فرضوا منك بذلك.

اللهم وإني أسألك اعوجاج الخلق علي حتى لا يكون ملجئ إلا إليك.

فقلت: يا نفس انظري من أي بحر يغترف هذا الشيخ؟

فأقمت حتى إذا كان الصباح دخلت عليه، فسلمت عليه، ثم قلت: يا سيدي كيف حالك؟ فقال:

أشكو إلى الله من برد الرضا والتسليم، كما تشكوا أنت من حر التدبير والاختيار.

فقلت: يا سيدي أما شكواي من حر التدبير والاختيار، فقد ذقته، وأنا الآن فيه وأما شكواك من برد الرضا والتسليم، فلم أفهمه. ↑↑

فقال: (أخاف أن تشغلني حلاوتهما عن الله).

فقلت: يا سيدي سمعتك البارحة تقول: اللهم إن قوما سألوك أن تسخر لهم خلقك فأعطيتهم ذلك فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك اعوجاج الخلق حتى لا يكون ملجئ إلا إليك.

فتبسم ثم قال: يا بني، عوض ما تقول: سخر لي خلقك، قل: يا رب كن لي، أترى إذا كانوا لك، أيغنوك بشيء؟ فما هذا الجبن.

فائدة: اعلم إن هلاك ابن نوح عليه السلام إنما كان لأجل رجوعه إلى تدبير نفسه، وعدم رضاه بتدبيره الله، الذي اختاره لنوح عليه السلام، ومن كان معه في السفينة، فقال له نوح عليه السلام: {يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين. ↑↑

قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء.

قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}.

فآوي في المعنى إلى جبل عقله، ثم كان الجبل الذي اعتصم به صورة ذلك في المعنى القائم به، فكان كما قال الله تعالى:

{وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}.

في الظاهر بالطوفان، وفي الباطن بالحرمان، فاعتبر أيها العبد بذلك.

فإذا تلاطمت عليك أمواج الأقدار، فلا ترجع إلى جبل عقلك الباطل لئلا تكون من المغرقين في بحر القطيعة ولكن ارجع إلى سفينة الاعتصام بالله، والتوكل عليه.

{ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم}.

{ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.

فإنك إذا فعلت ذلك استوت بك سفينة النجاة على جودي الأمن، ثم تهبط بسلامة القربة، وبركات الوصلة عليك، وعلى أمم ممن معك وهو عوالم وجودك، فافهم ذلك ولا تكن من الغافلين، واعبد ربك ولا تكن من الجاهلين.

فقد علمت أن إسقاط التدبير والاختيار، أهم ما يلتزمه الموقنون، ويطلبه العابدون، وأشرف ما يتحلى به العارفون.

سألت بعض العارفين ونحن تجاه الكعبة، فقلت له: من أي الناحيتين يكون رجوعك؟ فقال:

(لي مع الله عادة أن لا تجاوز إرادتي قدمي).

وقال بعض المشايخ: (لو دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وبقيت أنا ولم يقع عندي تمييز في أي الدارين يكون قراري). ↑↑

فهذا حال عبد محيت اختياراته وإرادته، فلم يبق له مع الله مراد إلا ما أراد كما قال السلف.

(أصبحت وهواي في موقع قدر الله).

قال أبو حفص الحداد رحمه الله تعالى: (لي منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته ولا نقلني إلى غيره فسخطته).

وقال بعضهم: (لي منذ أربعين سنة أشتهي، أن لا أشتهي لأترك ما أشتهي فلا أجد ما أشتهي).

فهذه قلوب تولى الله رعايتها، وأوجب حمايتها، ألم تسمع قوله تعالى:

{إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}.

لأن تحققهم بمقام العبودية أبى لهم الاختيار مع الربوبية، وأن يقارفوا ذنبا، وأن يلابسوا عيبا.

وقال سبحانه وتعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}.

فقلوب ليس للشيطان عليها سلطان، من أين يطرقها وساوس التدبير؟ أو يرد عليها وجود التكدير؟

وفي الآية بيان أن من صحح الإيمان بالله، والتوكل على الله، فلا سلطان للشيطان عليه، لأن الشيطان إنما يأتيك من أحد وجهين:

إما بتشكيك في الاعتقاد، وإما بركون إلى الخلق والاعتماد فأما التشكيك في الاعتقاد: فالإيمان ينفيه وأما السكون إلى الخلق والاعتماد عليهم فالتوكل عليه ينقيه.

ولاية الله للمؤمنين

↑↑

تنبيه: اعلم أن المؤمن قد ترد عليه خواطر التدبير، ولكن الله تعالى لا يدعه لذلك، ولا يتركه لما هنالك، ألم تسمع قوله تعالى:  {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}.

فالحق سبحانه وتعالى، يخرج المؤمنين من ظلمات التدبير إلى إشراق نور التفويض، ويقذف بحق تثبيته على باطل اضطرابهم، فيزلزل أركان هو ويهدم بنيانه، كما قال الله تعالى:

{بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق}.

والمؤمن وإن وردت عليه خواطر الاضطراب والتدبير فهي عابرة لا تثبت لها، ومضمحلة لا وجود لها، لأن نور الإيمان قد استقر في قلوب المؤمنين، وأخمدت أنواره نفوسهم، وملأ إشراقه قلوبهم، وشرح ضياؤه صدورهم، فأبى الإيمان المستقر في قلوبهم، أن يسكن معه غيره، وإنما هي سنه وردت على القلوب أمكن فيها ورود طيف التدبير، ثم تتيقظ القلوب فيزول الطيف الذي لا يكون إلا مناما، قال الله تعالى:

{إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.

وفي هذه الآية فوائد:

الفائدة الأولى: قوله سبحانه وتعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} دل ذلك على أن أصل أمرهم على وجود السلامة منه، وإن عرض ذلك الطيف، ففي بعض الأحيان تعريفا بما أودع فيهم من ودائع الإيمان.

الفائدة الثانية: قوله تعالى: {إذا مسهم طائف} ولم يقل: إذا أمسكهم، أو أخذهم؟ لأن المس ملامسة من غير تمكن، فأفادت هذه العبارة، أن طيف الهوى لا يتمكن من قلوبهم، بل يماسها مماسة، ولا يتمكن منها إمساكا ولا أخذا كما يصنع بالكافرين، لأن الشيطان يستحوذ على الكافرين، ويختلس اختلاسا من قلوب المؤمنين، حتى تنام العقول الحارسة للقلوب.

فإذا استيقظوا انبعثت من قلوبهم جيوش الاستغفار والذلة والافتقار إلى الله تعالى، فاسترجعوا من الشيطان ما اختلسه، وأخذوا منه ما افترسه. ↑↑

الفائدة الثالثة: قوله تعالى {إذا مسهم طائف من الشيطان} فالإشارة ها هنا بالطيف إلى أن الشيطان لا يمكنه أن يأتي إلى القلوب الدائمة اليقظة، لأنه إنما يورد طيف الغفلة والهوى على القلوب في حين منامها بوجود غفلتها، ومن لا نوم له فلا طيف يرد عليه.

الفائدة الرابعة: قوله تعالى: {إذا مسهم طيف} ولم يقل إذا مسهم وارد من الشيطان، أو نحوه، لأن الطيف لا ثبت له ولا وجود له، إنما هو صورة مثالية، ليس لها حقيقة وجودية، فأخبر سبحانه وتعالى بذلك، أن ذلك غير ضار بالمتقين، لأن ما يورده الشيطان على قلوبهم بمثابة الطيف الذي تراه في منامك، فإذا استيقظت فلا وجود له.

الفائدة الخامسة: قوله تعالى {إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} ولم يقل ذكروا، إشارة إلى أن الغفلة لا يطردها الذكر مع غفلة القلب، إنما يطردها التذكر والاعتبار، وإن لم تكن الأذكار، لأن الذكر ميدانه اللسان، والتذكر ميدانه القلب. وطيف الهوى لما ورد إنما ورد على القلوب لا على الألسنة، فالذي ينفيه، إنما هو التذكر الذي يحل محله، ويمحق فعله. ↑↑

الفائدة السادسة: قوله تعالى: {تذكروا} حذف متعلقة ولم يقل تذكروا الجنة، أو النار أو العقوبة، أو غير ذلك.

وإنما حذف متعلق تذكروا لفائدة جليلة، ولذلك: أن التذكر الماحي لطيف الهوى من قلوب المتقين، على حسب مراتب اليقين ومرتبة التقوى، يدخل فيها الأنبياء والرسل والأولياء والصديقون والصالحون والمسلمون.

فتقوى كل أحد (على حسب حاله ومقامه، وكذلك أيضا تذكر كل أحد) على حسب مقامه، فلو ذكر قسما من أقسام التذكر، لم يدخل فيه إلا أهل ذلك القسم. فلو قال تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا العقوبة فإذا هم مبصرون، خرج عنه الذين تذكروا التوبة}. ولو قال: تذكروا سابق الإحسان لخرج منه الذين تذكروا لواحق الامتنان إلى غير ذلك، فأراد الحق سبحانه وتعالى، أن لا يذكر متعلق التذكير ليشمل المراتب كلها فافهم. ↑↑

الفائدة السابعة: أنه قال سبحانه: {مبصرون} ولم يقل: تذكروا فأبصروا، أو تذكروا ثم أبصروا، أو تذكروا وأبصروا فأما ترك التعبير بالواو: فلأنه كان لا يفيد أن البصرى كانت عن التذكر، والمراد أنها كانت مسببة عنه، ترغيبا للعباد فيها. وأما عدوله عن ثم لأن فيها ما في الواو، من عدم الدلالة على السببية، وفيها أنها كانت تقتضي عكس المضي لما فيها من المهلة. ومراد الحق سبحانه: أن هؤلاء العباد لا تتأخر أبصارهم عن تذكرهم ولم يعبر بالفاء لاقتضائها التعقيب، بل عبر الحق سبحانه بقوله: {تذكروا فإذا هم مبصرون} كأنهم لم يزالوا على ذلك البصرى، ثناء منه سبحانه عليهم وإظهار لوفور المنة إليه لديهم، كما نقول: تذكر زيد المسألة، فإذا هي صحيحة، أي أنها لم تزل صحيحة، وإنها الآن صحيحة، كما رفع العلم بها. كذلك المتقون، ما زالوا مبصرين، ولكن حين ورد طيف الهوى عليهم، غطى على بصيرتهم الثابت نورها فيهم، فلما استيقظوا ذهبت سحابة الغفلة، فأشرقت شمس البصيرة.

↑↑

الفائدة الثامنة: في هذه الآية ونظائرها توسعة على المتقين، ولطف بالمؤمنين، لأنه لو قال: إن الذين اتقوا لا يمسهم طائف من الشيطان، لخرج من ذلك كل أحد إلا أهل العصمة، فأراد سبحانه وتعالى، أن يوسع دوائر رحمته فقال: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف} ليعلمك أن ورود الطيف عليهم، لا يخرجهم عن ثبوت حكم التقوى لهم، وجريان اسمه عليهم، إذا كانوا كما وصفهم مسرعين بالتذكر راجعين إلى الله بالتبصر.

ومثل هذه الآية، في بسط رجاء العباد والتوسعة عليهم، قوله تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}.

ولم يقل: يحب الذين لا يذنبون لأنه لو قال ذلك لم يدخل فيه إلا القليل، فعلم الحق سبحانه، ما العباد مركبون عليه من وجود الغفلة، وما تقتضيه النشأة الأولى الإنسانية لكونها ركبت من أمشاج من نوع المخالفة، وقد قال سبحانه وتعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفا}.

قال بعض أهل العلم: يعني لا يتمالك عند قيام الشهوة به.

قال تعالى: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة}. فلأجل ما علم من إن الخطأ غالب على الإنسان، فتح له باب التوبة ودله عليها، ودعاء إليها، وودعه القبول إذا تاب، والإقبال عليه، إذا رجع إليه وآب.

وقال صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون}. فأعلمك صلى الله عليه وسلم، أن الخطأ لازم وجودك، بل عين وجودك. ↑↑

وقال تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}. ولم يقل: {والذين لا يعملون الفاحشة}.

وقال سبحانه وتعال: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون}. ولم يقل: والذين لا يغضبون.

وقال سبحانه وتعالى: والكاظمين الغيظ، ولم يقل: والذين لا غيظ لهم، فافهم ذلك رحمك الله فهذه أسرار بينة، وأمور متعينة. ↑↑

الفائدة التاسعة: تبين مراتب المتذكرين من المتقين.

اعلم أن أهل التقوى، إذا مسهم طيف من الشيطان، لا تدعهم تقواهم للإصرار على معصية مولاهم، بل يرجعهم إليه تذكرهم، وتذكرهم على أقسام:

متذكر يتذكر الثواب.

ومتذكر يتذكر العقاب.

ومتذكر يتذكر الوقوف للحساب.

ومتذكر يتذكر  ما في ترك المعصية من جزيل الثواب.

ومتذكر يتذكر سابق الإحسان فيستحي من وجود العصيان.

ومتذكر يتذكر لواحق الامتنان فيستحي أن يقابل ذلك بالكفران.

ومتذكر يتذكر قرب الله تعالى منه.

ومتذكر يتذكر إحاطة الحق سبحانه.

ومتذكر يتذكر نظر الحق إليه.

ومتذكر يتذكر معاهدة الله له.

ومتذكر يتذكر فناء لذته وبقاء مطالبته.

ومتذكر يتذكر وبال المخالفة وذلها، فيكون لها تاركا،

ومتذكر يتذكر فوائد الموافقة وعزها فيكون لها سالكا.

ومتذكر يتذكر قيومية الحق به.

ومتذكر يتذكر عظمة الحق وسلطانه.

إلى غير ذلك من تعلقات التذكر، وهي: لا حصر لها، وإنما ذكرنا منها ما ذكرنا تأنيسا بأحوال المتقين، وتنبيها على بعض مقامات المتبصرين، فافهم. ↑↑

الفائدة العاشرة: يمكن أن يكون قوله سبحانه وتعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف} أن يكون المراد الطائف ها هنا طائف الهاجس أو الخاطر الوارد من وجود النفس بإلقاء الشيطان.

وسمي طيفا لأنه يطيف بالقلب، وتفسره القراءة الأخرى: {إذا مسهم طائف من الشيطان}.

فتكون إحدى القراءتين مفسرة للأخرى، والهاجس يطيف بالقلب، فان وجد له مسلكا بثلمه، يجدها في سور مقام اليقين. دخل وإلا ذهب.

رعاية الله لمن وجهوا هممهم إليه

↑↑

ومثل مقامات اليقين، ونور القين، الجامع لها كالأسوار المحيطة بالبلدة وقلاعها، فالأسوار هي الأنوار، وقلاعها هي مقامات اليقين التي هي دائرة بمدينة القلب، فمن أحاط بقلبه سور يقينه، وصحح مقاماته التي هي أسوار الأنوار، كالقلاع، فليس للشيطان إليه سبيل، ولا له في داره مقيل.

 ألم تسمع قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}. أي لأنهم قد صححوا العبودية لي، فلا هم لحكمي منازعون، ولا في تدبيري متعرضون، بل علي متوكلون، والي مستسلمون، فلذلك قام لهم الحق سبحانه بالرعاية والنصر والحماية، ووجهوا هممهم إليه، فكفاهم من دونه.

قيل لبعض العارفين كيف مجاهدتك للشيطان؟ ↑↑

قال وما الشيطان؟ نحن قوم تصرفنا إلى الله تعالى، فكفانا من دونه. وسمعت شيخنا أبا العباس رحمه الله تعالى يقول: (لما قال الحق تعالى: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، فقوم فهموا من هذا الخطاب: أن الله طالبهم بعداوة الشيطان فصرفوا هممهم إلى عداوته، فشغلهم ذلك عن محبة الحبيب.

وقوم فهموا من ذلك: {إن الشيطان لكم عدو} أي وأنا لكم حبيب، فاشتغلوا بمحبة الله فكفاهم من دونه، ثم ذكر الحكاية المتقدمة. فإن استعاذوا من الشيطان، فلأجل أن الله تعالى أمرهم بذلك، لا لأنهم يشهدون أن لغير الله من الحكم شيئا معه، وكيف يشهدون لغيره حكما معه، وهم يسمعونه يقول:

{إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه}.

وقال سبحانه وتعالى: {إن كيد الشيطان كان ضعيفا}.

وقال عز وجل: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}.

وقال سبحانه وتعالى: {انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}.

وقال تعالى: {من يتوكل على الله فهو حسبه}.

وقال الله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}.

وقال: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}.

فهذه الآيات ونظائرها قوت قلوب المؤمنين ونصرتهم النصر المبين فان استعاذوا من الشيطان فبأمره، وان استولوا بنور الإيمان عليه فبوجود نصره، وان سلموا من كيده لهم فبتأييده وبره. ↑↑

قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى:

(اجتمعت برجل في سياحتي فأوصاني، فقال لي: ليس شيء في الأقوال أعون على الأفعال من لا حول ولا قوة إلا بالله، وليس في الأفعال أعون من الفرار إلى الله والاعتصام بالله.

ثم قال: بسم الله، فررت إلى الله، واعتصمت بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن يغفر الذنوب إلا الله.

بسم الله: قول باللسان، صدر عن القلب.

ففروا إلى الله، وصف الروح والسر.

واعتصمت بالله، وصف العقل والنفس.

ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلف الملك والأمر.

ومن يغفر الذنوب إلا الله.

رب أعوذ بك من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين.

ثم يقول للشيطان هذا علم الله فيك، وبالله آمنت، وعليه توكلت، وأعوذ بالله منك، ولولا ما أمرني ما استعذت منك، ومن أنت حتى أستعيذ بالله منك.

فقد فهمت رحمك الله أن الشيطان أحقر في قلوبهم من أن يضيفوا إليه قدرة، أو ينسبوا له إرادة.

وسر الحكمة في إيجاد الشيطان، أن يكون مظهرا ينسب إليه سباب العصيان، ووجود الكفران والغفلة والنسيان ألم تسمع قوله: {وما أنسانيه إلا الشيطان}. و {هذا من عمل الشيطان}. ↑↑

فكان سر إيجاده ليمسح فيه أوساخ النسب، ولذلك قال بعض العارفين: (الشيطان منديل هذه الدار، يمسح به وسخ المعاصي، وكل قبيح وخبيث، إن الله تعالى لو شاء أن لا يعصى لما خلق إبليس.

وقال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الشيطان كالذكر والنفس كالأنثى، وحدوث الذنب بينهما كحدوث الولد بين الأب والأم لا أنها أوجداه، ولكن عنهما كان ظهوره.

ومعنى كلام الشيخ هذا، أنه كما لا يشك عاقل أن الولد ليس من خلق الأب والأم ولا من إيجادهما ونسب إليهما لظهوره عنهما كذلك لا يشك مؤمن، أن المعصية ليست من خلق الشيطان والنفس بل كانت عنهما لا منهما، فلظهورها عنهما نسبت إليهما. ↑↑

فنسبة المعصية إلى الشيطان والنفس نسبة إضافية وإسناد، ونسبتها إلى الله نسبة خلق وإيجاد، كما أنه خالق الطاعة بفضله، كذلك هو خالق المعصية بعدله.

{قل كل من عند الله، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا}.

وقال الله تعالى: {والله خالق كل شيء}.

وقال سبحانه وتعالى: {هل من خالق غير الله}.

وقال سبحانه وتعالى: {أفمن يخلق، كمن لا يخلق، أفلا تذكرون}.

والآية القاصمة للمبتدعة المدعين، أن الله لا يخلق الطاعة، ولا يخلق المعصية قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون}.

فإن قالوا: قد قال الله تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء}.

الجواب فالأمر غير القضاء. ↑↑

فإن قالوا: قد قال الله تعالى: {وما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك}.

الجواب: فهو على هذا التفصيل، تعليم للعباد التأدب معه، فأمرنا أن نضيف المحاسن إليه، لأنها اللائقة بوجوده، والمساوئ إلينا، لأنها اللائقة بوجودنا، قياما بحسن الأدب كما قال الخضر عليه السلام: {فأردت أن أعيبها}.

وقال: {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما}.

وقال إبراهيم عليه السلام: {وإذا مرضت فهو يشفين}.

ولم يقل الخضر: (فأراد ربك أن يعبها، كما قال فأراد ربك أن يبلغا أشدهما).

فأضاف العيب إلى نفسه، والمحاسن إلى سيده، وكذلك إبراهيم عليه السلام لم يقل: فإذا أمرضني فهو يشفيني، بل قال: إذا مرضت فهو يشفين. ↑↑

فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، مع إن الله تعالى هو فاعل ذلك حقيقة وخالقه.

فقوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله} أي خلقا وإيجادا.

{وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي إضافة وإسنادا.

كما قال عليه السلام (الخير بيديك، والشر ليس إليك).

فقد علم عليه السلام، أن الله خالق للخير والشر، والنفع والضر ولكن التزم أدب التعبير فقال:

(الخير بيديك والشر ليس إليك) على ما بيناه فافهم.

فإن قالوا: إن الحق سبحانه وتعالى، منزه عن أن يخلق المعصية؟

(الجواب) قلنا: تعالى الله أن يكون في ملكه ما لا يريد فافهم هدانا الله وإياك إلى الصراط المستقيم، وأقامنا على الدين القويم بفضله.

قواعد التدبير ومنازعة المقادير

↑↑

قال الله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وانه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين}.

وقال: {إن الدين عند الله الإسلام}.

وقال تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} وقال تعالى: {فله أسلموا}.

وقال تعالى: {فان حاجوك فقل، أسلمت وجهي لله ومن اتبعني}.

وقال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين}.

وقال: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن، فقد استمسك بالعروة الوثقى}.

وقال: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين}.

وقال: {وأنا أول المسلمين}.

إلى غير ذلك، فاعلم أن هذا التكرار لذكر الإسلامي تنويه لقدره وتفخيم لأمره.

والإسلام له ظاهر، والاستسلام باطن ذلك الظاهر. ↑↑

فالمسلم من أسلم نفسه إلى الله، فكان ظاهرا بامتثال أمره، وباطنا بالاستسلام إلى قهره، وتحقيق مقام الاستسلام بعد المنازعة في أحكامه والتقويض له في نقضه وإبرامه. فمن ادعى الإسلام طولب بالاستسلام. {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}. ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام، لما قال له ربه أسلم، قال: {أسلمت لرب العالمين}. فلما زج به في المنجنيق استغاثت الملائكة قائلة: يا ربنا هذا خليلك قد نزل به ما أنت أعلم، فقال الحق سبحانه وتعالى: (اذهب إليه يا جبريل، فإن استغاث بك فأغثه، وإلا فاتركني وخليلي). فلما جاءه جبرائيل عليه السلام في أفق الهواء قال: ألك حاجة؟ ↑↑

قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله، فبلى.

قال: فاسأله، قال: (حسبي من سؤالي علمه بحالي).

فلم يستنصر بغير الله، ولا حنجت همته بغير الله، بل استسلم لحكم الله مكتفيا بتدبير الله له، عن تدبيره لنفسه، وبرعاية الحق له، عن رعايته لها، وبعلم الحق سبحانه، عن سؤاله علما منه، أن الحق به لطيف في جميع أحواله، فأثنى الله تعالى عليه بقوله:

{وإبراهيم الذي وفى}. ونجاه من النار فقال تعالى: {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}. قال أهل العلم: لو لم يقل الحق سبحانه: {وسلاما} لأهلكه بردها، فخمدت تلك النار. وقال أهل العلم بإخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يبق ذلك الوقت نار بمشارق الأرض ولا بمغاربها إلا خمدت ظانة أنها المعنية بالخطاب. فقيل: إنه لم تحرق النار منه إلا قيده.

إظهار الفاقة إليه تعالى

↑↑

فائدة جليلة: أنظر إلى قول إبراهيم عليه السلام لما قال له جبرائيل عليه السلام ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا ولم يقل ليس لي حاجة، لأن مقام الرسالة والخلة، يقتضي القيام بصريح العبودية، ومن لازم مقام العبودية: إظهار الحاجة إلى الله تعالى، والقيام بين يديه بوصف الفاقة، إليه، ورفع الهمة عما سواه، فناسب ذلك أن يقول: أما إليك فلا.

أي أنا محتاج إلى الله، وأما إليك فلا.

فجمع في كلامه هذا إظهار الفاقة إلى الله، ورفع الهمة عما سواه، لا كما قال بعضهم: (لا يكون الصوفي صوفيا، حتى لا يكون له إلى الله حاجة).

وهذا كلام لا يليق بأهل الاقتداء المكملين. مع أنه مؤول لقائله بأن مراده، أن الصوفي قد تحقق بأن الله قد قضى حوائجه من قبل أن يخلقه (فليس له إلى الله حاجة) إلا وهي مقضية في الأزل، ولا يلزم من نفي الحاجة نفي الاحتياج.

والتأويل الثاني، إنما قال: لا يكون له إلى الله حاجة، أي أنه إنما يطلبه وليس همته الطلب منه، وشتان بين طالب الله، وطالب من الله.

وقد يكون مراده بقوله حتى لا يكون له إلى الله حاجة، أنه مفوض إلى الله، مستسلم له، فليس له مع الله مراد إلا ما أراد.

سر قول إبراهيم عليه السلام حسبي من سؤالي علمه بحالي

↑↑

فائدة جليلة أيضا: وذلك أن جبريل عليه السلام، لما قال لإبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى. قيل: علم جبريل عليه السلام، أنه لا يستغيث به، وأن قلبه لا يشهد إلا الله عز وجل وحده، فقال له حينئذ: سله؟ أي إن لم تستغث بي التزاما منك عدم التمسك بالوسائط، فسل ربك، فانه أقرب إليك مني.

فقال إبراهيم عليه السلام مجيبا له: حسبي من سؤالي علمه بحالي. أي أني نظرت فرأيته أقرب إلي من سؤالي، ورأيت سؤالي من الوسائط، وأنا لا أريد أن أتمسك بشيء دونه، ولأني علمت أن الحق سبحانه وتعالى عالم، فلا يحتاج أن يذكر بسؤال، ولا يجوز عليه الإهمال، فاكتفيت بعلم الله عن السؤال، وعلمت أنه لا يدعني من لطفه في كل حال، وهذا هو الاكتفاء بالله تعالى والقيام بحقوق حسبي الله.

وكان شيخنا أبو العباس رضي الله عنه، يقول في قوله تعالى: {وإبراهيم الذي وفى} قال: (وفى بمقتضى قوله حسبي الله) وقال بعضهم: (سلم طعامه للضيفان، وولده للقربان، وجسده للنيران، فأثنى الحق عليه بقوله: {وإبراهيم الذي وفى}.

إظهار رتبة الخليل عند الملائكة

↑↑

فائدة جليلة: (اعلم أن الملائكة لما قال لهم الحق سبحانه وتعالى {أني جاعل في الأرض خليفة} يعني آدم وذريته قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال أني اعلم ما لا تعلمون}.

فكان عدم استغاثة إبراهيم عليه السلام بجبرائيل عليه السلام في ذلك الموطن احتجاجا من الله عليهم، كأنه يقول: كيف رأيتهم عبدي هذا يا من قال {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} فظهر بذلك قوله سبحانه وتعالى {أني اعلم ما لا تعلمون}.

جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون.

قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: كأن الحق سبحانه وتعالى يقول لهم: يا من قال{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} كيف تركتم عبادي؟

فكان مراد الحق سبحانه وتعالى (بإرسال جبرائيل عليه السلام إظهار رتبة الخليل عند ملائكته، وتبيينا لشرف قدره، وفخامة أمره، وكيف يمكن إبراهيم عليه السلام أن يستغيث بشيء دونه وهو لا يرى إلا إياه، ولا يشهد بسواه. وإنما سمي الخليل خليلا، لأنه تخلل سره بمحبة الله وعظمته وأحديته، فلم يبق فيه متسع لغيره كما قيل:

قد تخللت مسلك للروح مني *** وبذا سمي الخليل خليلا

فإذا ما نطقت كنت كلامي *** وإذا ما صمت كنت الغليلا

تنبيه وإعلام

↑↑

اعلم إن الحق سبحانه وتعالى بسط إبراهيم عليه السلام بنور الرضا وأعطاه روح الاستسلام، وصان قلبه عن النظر إلى الأنام فما كانت النار عليه بردا وسلاما، إلا لما كان قلبه مفوضا إلى الله استسلاما، فمن الاستسلام كان عليه السلام، وعن تصحيح باطن المقام كان ما ظهر عليه من الإجلال والإعظام.

فافهم من ذلك أيها المؤمن: أن من استسلم إلى الله في واردات الامتحان أعاد الله عليه شوكها ريحانا، وخوفا أمانا.

فإذا قذفك الشيطان في منجنيق الامتحان، فعرضت لك الأكوان قائلة ألك حاجة؟ فقل: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى.

فان قالت لك: سله؟ فقل: حسبي من سؤالي علمه بحالي. فان الله يعيد عليك نار الدنيا بردا وسلاما، ويعطيك منة وإكراما. لأن الله سبحانه وتعالى  فتح بالأنبياء والرسل سبيل الهدى، فسلك وراءهم المقتدون، والتزم اتباعهم المؤمنون، كما قال سبحانه وتعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}.

وقال في شأن يونس عليه السلام:

{فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}.

أي كذلك ننجي المؤمنين المتبعين لأنواره الطالبين من الله بالذلة والافتقار، واللابسين شعار المسكنة والانكسار.

عبرة وهداية

↑↑

انعطاف: في قصة إبراهيم عليه السلام، هذه بيان للمعتبرين، وهداية للمتبصرين، وهو أن من خرج عن تدبيره لنفسه، كان الله سبحانه وتعالى هو المتولي بحسن التدبير له.

ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام لما لم يدبر لنفسه ولا اهتم بها بل ألقاها إلى الله تعالى وأسلمها إليه، وتوكل في كل شأنه عليه فلما كان كذلك كان عاقبة استسلامه وجود السلامة والإكرام، وبقاء الثناء عليه على ممر الأيام وقد أمرنا الله تعالى أن لا نخرج عن ملته، وأن نرعى حق تسميته بقوله تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل}.

فحق على كل من كان إبراهيميا، أن يكون عن تدبيره لنفسه بربا، ومن منازعة الله خليا، ومن اعتراضه عريا:

{ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}.

وملته لازمها التفويض إلى تعالى، والاستسلام في واردات الأحكام واعلم أن المراد، هو أن لا يكون لك مع الله مراد، ولنا في هذا المعنى شعر.

مرادي منك نسيان المراد *** إذا رمت السبيل إلى الرشاد

وأن تدع الوجود فلا تراها  *** وتصبح ماسكا حبل اعتماد

إلى كم غفلة عني وأني  *** على حفظ الرعاية والوداد

إلى كم أنت تنظر مبدعاتي  *** وتصبح هائما في كل وادي

وتترك أن تميل إلى جنابي  *** لعمرك قد عدلت عن السداد

وودي فيك لو تدري قديم  *** ويوم ألست يشهد بانفرادي

فهل رب سواي فترتجيه  *** غدا ينجيك من كرب شداد

فوصف العجز عم الكون طرا  *** فمفتقر بمفتقر ينادي

فبي قد قامت الأكوان طرا  *** وأظهرت المظاهر من مرادي

أفي داري وفي ملكي وملكي  *** توجه للسوى وجه اعتمادي

فحدق أعين الإيمان وانظر  *** ترى الأكوان تؤذن بالنفاد

فمن عدم إلى عدم مصير  *** وأنت إلى الفنا لا شك غاد

وها خلعي عليك فلا تزلها  *** وصن وجه الرجاء عن العباد

ببابي أوقف الآمال طرا  *** ولا تأتي لحضرتنا بزاد

ووصفك فالزمنه وكن ذليلا  *** ترى مني المنى طوع القياد

وكن عبدا لنا والعبد يرضى  *** بما تقضي الموالي من مراد

أأستر وصفك الأدنى بوصفي  *** فتجزى ذاك جهلا بالعناد

وهل شاركتني في الملك حتى  *** غدوت منازعي والرشد باد

فان رمت الوصول إلى جنابي  *** فهذي النفس فاحذرها وعاد

وخض بحر الفناء عسى ترانا  *** وأعددنا إلى يوم المعاد

وكن مستمطرا منا لتلقى  *** جميل الصنع من مولى جواد

ولا تستهد يوما من سوانا  *** فما أحد سوانا اليوم هاد

أقسام التدبير

↑↑

تنبيه وإعلام: اعلم أن التدبير على قسمين:

تدبير محمود، وتدبير مذموم.

فالتدبير المذموم: هو كل تدبير ينعطف على نفسك بوجود حظها، لا لله قياما بحقه، كالتدبير في تحصيل معصية، أو في حظ بوجود غفلة، أو طاعة بوجود رياء وسمعة، ونحو ذلك، وهذا كل مذموم لأنه إما أن يوجب عقابا، أو يوجب حجابا.

ومن عرف نعمة العقل: استحى من الله أن يصرف عقله إلى تدبير ما لا يوصله إلى قربه، ولا يكون سببا لوجود حبه، والعقل أفضل ما من الله به على عباده، لأنه سبحانه وتعالى، خلق الموجودات وتفل عليها بالإيجاد، وبدوام الإمداد.

فهما نعمتان ما خرج موجود عنهما، ولا بدل لكل مكون منهما نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، وربما يفهم من ها هنا قوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء}.

لكن لما اشتركت الموجودات في إيجاد أمداده، أراد الحق تعالى أن يميز بعضها على بعض، ليظهر سعة تعلقات إرادته، واتساع مشيئته فميز بعض الموجودات بالنمو كالنبات والحيوان البهيمي والآدمي، فظهرت القدرة فيه ظهورا أجلى من ظهورها في الموجودات غير النامية، فلما اشتركت هذه الثلاثة في النمو أفرد الحيوان الآدمي، وغير الآدمي بوجود الحياة فشارك الآدمي في ذلك الحيوان البهيمي، فظهر بقدرته فيه ظهورا أجلى من ظهوره في الناميات، فأراد أن يميز الآدمي عنه فأعطاه العقل وفضله لذلك على الحيوان، وكمل به نعمته على الإنسان، وبالعقل ووفوره وإشراقه ونوره، تتم مصالح الدنيا والآخرة.

فصرف نعمة العقل إلى تدبير الدنيا التي لا قدر لها عند الله، كفر لنعمة العقل. ↑↑

وتوجهه إلى الاهتمام بإصلاح شأنه في معاده قياما بوجود شكر المحسن إليه، والمفيض من نوره عليه أحق به وأحرى وأفضل له وأولى فلا تصرف عقلك الذي من به عليك في تدبير الدنيا التي هي كما أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الدنيا جيفة قذرة).

وكما قال صلى الله عليه وسلم للضحاك: ما طعامك؟

قال: اللحم واللبن يا رسول الله، قال: ثم يعود إلى ماذا؟ قال: ما علمت يا رسول الله، قال: فان الله جعل ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا.

وقال صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء).

ومثل من صرف عقله في تدبير الدنيا التي هذه الصفات صفاتها كمثل من أعطاه الملك سيفا عظيما قدره، مفخما أمره، لم يسمح لكثير من رعاياه بمثله، ليقتل به أعداءه، ويتزين بحمله، فعمد آخذ هذا السيف إلى الجيف، فجعل يضربها حتى تفلل ظباه، وكل شباه، وتغير حسنه وسناه، فجدير إذا اطلع الملك على هذه الحالة منه أن يأخذ السيف منه ويعظم عقوبته، على سوء فعاله، وأن يمنعه من وجود إقباله.

فقد تبين من هذا إن التدبير على قسمين: تدبير محمود، وتدبير مذموم. ↑↑

فالتدبير المحمود: هو ما كان تدبيرا بما يقربك من الله، كالتدبير في براءة الذمم من حقوق المخلوقين، إما وفاء، وإما استحلالا، وتصحيح التوبة إلى رب العالمين، والفكرة فيما يؤدى إلى قمع الهوى المردي، والشيطان المغوي، وكل ذلك محمود لا شك فيه، ولأجل ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فكرة ساعة خير من عبادة سبعين سنة).

والتدبير للدنيا على قسمين: تدبير الدنيا للدنيا، وتدبير الدنيا للآخرة.

فتدبير الدنيا للدنيا: هو أن يدبر في أسباب جمعها افتخارا بها واستكثارا؟ وكلما زيد فيها شيئا ازداد غفلة واغترارا، وأمارة ذلك أن يشغله عن الموافقة ويؤديه إلى المخالفة.

وتدبير الدنيا للآخرة: كمن يدبر المتاجر والمكاسب والغرامة ليأكل منها حلالا، ولينعم بها على ذوي الفاقة أفضالا، وليصون بها وجهه عن الناس إجمالا.

وأمارة من طلب الدنيا لله تعالى، عدم الاستكثار والادخار والإسعاف منها، والإيثار.

وللزاهد في الدنيا علامتان: علامة في فقدها، وعلامة في وجدها، فالعلامة التي في وجدها الإيثار منها، والعلامة التي في فقدها وجود الراحة منها.

فالإيثار شكر لنعمة الوجدان، ووجود الراحة منها شكر لنعمة الفقدان، وذلك ثمرة الفهم عن الله والعرفان، لأن الحق تعالى كما قد ينعم عليك بوجودها كذلك قد ينعم بصرفها، بل نعمته في صرفها أتم.

قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى:

(لنعمة الله فيما زوى عن الدنيا، أتم من نعمته علي فيما أعطاني عنها). وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه: (رأيت الصديق رضي الله عنه في المنام فقال لي: أتدري ما علامة خروج حب الدنيا من القلب؟ قلت: لا ادري. قال علامة خروج حب الدنيا من القلب، بذلها عند الوجود، ووجود الراحة منها عند الفقد.

فقد تبين من هذا: أن ليس كل طالب للدنيا مذموما، بل المذموم من طلبها لنفسه لا لربه، ولدنياه لا لآخرته.

الناس على قسمين

↑↑

فالناس إذن على قسمين: عبد طلب الدنيا للدنيا، وعبد طلب الدنيا للآخرة.

وسمعت شيخنا أبا العباس رحمه الله يقول:

(العارف لا دنيا له، لأن دنياه لآخرته، وآخرته لربه).

وعلى ذلك تحمل أحوال الصحابة، والسلف الصالحين رضي الله فكل ما دخلوا فيه من أسباب الدنيا، فهم بذلك إلى الله متقربون والى رضاه مسببون لا قاصدون بذلك الدنيا وزينتها، ووجود لذتها وبذلك وصفهم الحق سبحانه وتعالى بقوله:  {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار، رحماء بينهم، تراهم ركعا سجدا، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود}.

وقال في الآية الأخرى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والإبصار}.

وبقوله تعالى: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}.

ونظائر هذه الآيات، وما ظنك بقوم اختارهم الله لصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولمواجهة خطابه في تنزيله، فما أحد من المؤمنين إلى يوم القيامة إلا وللصحابة في عنقه منن لا تحصى، وأياد لا تنسى لأنهم الذين حملوا إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحكمة والأحكام، وبينوا الحلال والحرام، وفهموا الخاص والعام، وفتحوا الأقاليم والبلاد، وقهروا أهل الشرك والعناد.

وبحق ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).

وقد وصفهم في الآية الأولى بأوصاف إلى أن قال: (يبتغون فضلا من الله ورضوانا).

فقد أخبر سبحانه وهو المطلع على أسرارهم، العالم بهم في سرهم واجهاهم، أنهم ما ابتغوا بما حاولوه الدنيا، ولم يقصدوا بذلك إلا وجه الله الكريم، وفضله العميم، وقد قال سبحانه وتعالى فيهم: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}. ↑↑

فقد أخبر سبحانه أنهم لا يريدون سواه ولا يقصدون إلا إياه وقال في الآية الأخرى: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}.

إشارة إلى انه قد طهر أسرارهم، وكمل أنوارهم، فلذلك لا تأخذ الدنيا قلوبهم، ولا تخدش وجه إيمانهم وكيف تأخذ الدنيا من قلوب ملأها بحبه، وأشرق فيها أنوار قربه، وقد قال سبحانه وتعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}.

فلو كان للدنيا على قلوبهم سلطان لكان الشيطان على قلوبهم أيضا، إذ لا يمكن الشيطان أن يصل إلى قلوب أشرقت فيها أنوار الزهد، وكنست من أوساخ الرغبة.

فقوله سبحانه وتعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} أي ليس لك ولا لشيء من الأكوان على قلوبهم سلطان لأن سلطان عظمتي في قلوبهم يمنعهم أن يكون على قلوبهم سلطان لشيء دوني.

فأثبت الحق سبحانه وتعالى لهم في هذه الآية: أنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ولم ينف عنهم أنهم لا يتجرون ولا يبيعون، بل في الآية ما يدل على جواز البيع والتجارة، من فحوى الخطاب إذا تدبرته، تدبر أولي الألباب. ألم تسمع قوله تعالى: {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة}. ↑↑

فلو نهاهم عن الغني، لنهاهم عن التسبب المؤدى إليه وهو التجارة والبيع، إلا ترى انه قال: {وإيتاء الزكاة}.

فإيجابه الزكاة عليهم دليلا على أن هؤلاء الرجال التي هذه الأوصاف أوصافهم، قد يكون منهم أغنياء ولا يخرجهم عن المدحة غناهم، إذا قاموا فيه بحقوق مولاهم.

قال عبد الله بن عتبة كان لعثمان بن عفان رضي الله عنه يوم قتل عند خازنه مائة ألف وخمسون ألف دينار، وألف ألف درهم، وخلف ضياعا بين أريس وخيبر، ووادي القرى، قيمته مائتا ألف دينار.

وبلغ ثمن مال الزبير رضي الله عنه خمسين ألف دينار، وترك ألف فرس وألف مملوك.

وخلف عمر بن العاص رضي الله عنه ثلاثمائة ألف دينار.

وغنى  عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أشهر من أن يذكر.

وكانت الدنيا في أكفهم لا في قلوبهم، صبروا عنها حين فقدت وشكروا الله حين وجدت.

وإنما ابتلاهم الحق سبحانه وتعالى بالفاقة في أول أمرهم حتى تكملت أنوارهم، وتطهرت أسرارهم، فبذلها لأنهم لو أعطوها  قبل ذلك، فلعلها كانت آخذة منهم، فإذا أعطوها بعد التمكين والرسوخ في اليقين تصرفوا فيها تصرف الخازن الأمين، وامتثلوا قوله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}. ↑↑

ومن ها هنا يفهم منعهم عن الجهاد في أول الأمر بقوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}.

لأنه لو أبيح لهم الجهاد في أول الإسلام، فعل الذي هو حديث عهد بالإسلام لو أطلق لهم الجهاد أن يكون انتصاره لنفسه من حيث لا يشعر، حتى كان علي رضي الله عنه، إذا ضرب أمهل، حتى تبرد تلك الضربة، ثم يضرب ذلك خشية أن يضرب عقبها، فيكون في ذلك مشاركة من حظه، وذلك لمعرفته رضي الله عنه دسائس النفوس وكمائنها وعظيم حراستهم لقلوبهم، وتخليص أعمالهم وإشفاقهم أن يكون في عملهم شيء لم يرد به وجه الله تعالى.

فكانت الدنيا في أيدي الصحابة رضي الله عنهم، لا في قلوبهم ويدل على ذلك خروجهم عنها، وإيثارهم بها وهم الذين قال الحق فيهم: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}.

حتى أنهم أهدى لإنسان منهم رأس شاة فقال: (فلان أحق بها مني) ثم قال الآخذ لها كذلك، فما زالوا يتهادونها إلى أن عادت إلى الذي أهداها أولا بعد أن طافت على سبعة أو نحوهم.

ويكفيك في ذلك: خروج عمر رضي الله عنه، عن نصف ماله، وخروج أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن ماله كله، وخروج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه عن سبعمائة بعير موقرة الأحمال، وتجهيز عثمان رضي الله عنه جيش العسرة إلى غير ذلك من حسن أفعالهم، وسني أحوالهم. ↑↑

وتضمنت الآية الأخرى وهي قوله سبحانه وتعالى: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا}. الأخبار عنهم بسر الصدق الذي لا يطلع عليه أحد إلا الحق سبحانه وتعالى، وذلك ثناء عظيم وفخر جسيم، لأن ظواهر الأفعال قد تلبس فيها الأحوال فيما يرجع إلى علم العباد.

فتضمنت الآيات، التزكية لظواهرهم وسرائرهم، وإثبات محامدهم ومفاخرهم، فقد تبين من هذا: أن تدبير الدنيا على قسمين:

تدبير الدنيا للدنيا، كما هو حال أهل القطيعة الغافلين.

وتدبير الدنيا للآخرة، كحال الصحابة المكرمين، والسلف الصالحين.

ويدلك على ذلك قول عمر رضي الله عنه: إني لأجهز الجيش وأنا في صلاتي.

لأن تدبير عمر رضي الله عنه على المعاينة والمواجهة فهو إذا تدبير لله فلذلك لم يكن قاطعا صلاته ولا منقصا من كمالها.

فإن قلت: قد زعمت أن ليس منهم من يريد الدنيا وأنزل الحق سبحانه وتعالى في شأنهم يوم واحد: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}، حتى قال بعض الصحابة رضي الله عنهم:

(ما كنا نظن أن أحد منا يريد الدنيا حتى نزل قوله تعالى: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}.

فاعلم وفقك الله للفهم عنه، وجعلك من أهل الاستماع منه، أنه يجب على كل مؤمن، أن يظن بالصحابة الظن الجميل، وأن يعتقد فيهم الاعتقاد الفضيل، وأن يلتمس لهم أحسن المخارج في أقوالهم وأفعالهم، وجميع أحوالهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته، لأن الحق سبحانه وتعالى لما زكاهم تزكية مطلقة لم يقيدها بزمن دون زمن، وكذلك تزكية رسول الله عليه الصلاة والسلام لهم بقوله: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).

↑↑

وعن هذه الآية جوابان: أحدهما:

منكم من يريد الدنيا للآخرة، كالذين أرادوا الغنيمة ليعاملوا الله  بما يأخذونه منها، بذلا وإيثارا ومنكم من لم يكن ذلك مراده إنما كان مراده تحصيل فضل الجهاد لا غير، فلم يلو على الغنائم، ولم يعط يلتفت إليها.

فمنهم الفاضل، ومنهم الأفضل، ومنهم الكامل، ومنهم الأكمل.

الجواب الثاني: أن السيد يقول لعبده ما شاء وعلينا أن نتأدب مع عبده لثبوت نسبته منه، فليس كلما خاطب السيد به عبده ينبغي أن ننسبه للعبد، ولو أن تخاطبه به، إذ للسيد أن يقول لعبده ما شاء تحريضا لعبده، وتنشيطا لهمته وقصده، وعلينا أن نلزم حدود الأدب معه. وإن تصفحت الكتاب العزيز وجدت فيه كثيرا، منها: سورة عبس، حتى قالت عائشة رضي الله عنها:

(لو كان رسول الله عليه الصلاة والسلام، كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه السورة).

فقد تقرر من هذا أنه ليس إسقاط التدبير الممدوح: ترك الدخول في أسباب الدنيا، والفكرة في مصالحها ليستعين بذلك على طاعة مولاه والعمل لأخراه، وإنما التدبير المنهي عنه، هو التدبير فيها لها. وعلامة ذلك: أن يعصي الله تعالى من أجلها، وأن يأخذها كيف كان من حلها، أو غير حلها.

ذم الأشياء ومدحها

↑↑

فائدة: اعلم أن الأشياء إنما تذم وتمدح بما تؤدي إليه، فالتدبير المذموم: ما شغلك عن الله، وعطلك عن القيام بخدمة الله، وصدك عن معاملة الله.

والتدبير المحمود: هو ما ليس كذلك، مما يؤديك إلى القرب من الله تعالى ويوصلك إلى مرضاة الله.

وكذلك الدنيا: ليس تذم بلسان الإطلاق، ولا تمدح كذلك وإنما المذموم منها ما شغلك عن مولاك، ومنعك الاستعداد لأخراك. كما قال بعض العارفين:

(كل ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم).

والممدوح ما أعانك على طاعته، وأنهضك إلى خدمته.

وبالجملة ما وقع المدح به، فهو ممدوح في نفسه، وما وقع الذم به فهو مذموم في نفسه، وقد جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (الدنيا جيفة قذرة مذرة).

وقال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم أو متعلم).

وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله جعل ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا).

فهذه الأحاديث تقتضي ذمها، وتنفير العباد عنها، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم:

(لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجر من الشر). ↑↑

فالدنيا التي لعنها رسول الله عليه الصلاة والسلام  هي الدنيا الشاغلة عن الله تعالى. ولذلك استثنى في الحديث فقال: (إلا ذكر الله، وما والاه، وعالم أو متعلم) فبين عليه الصلاة والسلام: أن هذا ليس من الدنيا.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا الدنيا) أي التي توصلكم إلى طاعة الله، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (فنعمت مطية المؤمن).

فمدحها من حيث كونها مطية، لا من حيث أنها دار اغترار ووجود أوزار، وإذ علمت هذا فقد فهمت أن إسقاط التدبير ليس هو الخروج عن الأسباب حتى يعود الإنسان ضيعة فيكون كلا على الناس، فيجعل حكمة الله في إثبات الأسباب، وارتباط الوسائط.

وقد جاء عن عيسى عليه السلام: أنه مر بمتعبد فقال له: من أين نأكل؟ فقال: أخي يطعمني.

فقال أخوك: أعبد منك.

أي أخوك وإن كان في سوقه، أعبد منك، لأنه هو الذي أعانك على الطاعة، وفرغك لها.

وكيف يمكن أن ينكر الدخول في الأسباب بعد أن جاء قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا}.

وقوله: وأشهدوا إذا تبايعتم. ↑↑

وقوله عليه الصلاة والسلام  أحل ما أكل المرء من كسب يمينه، وإن داود نبي الله كان يأكل من كسب يمينه.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (أفضل الكسب عمل الصانع بيده إذا نصح) وقال صلى الله عليه وسلم: (التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة).

فكيف يمكن أحد بعد هذا أن يذم الأسباب؟

لكن المذموم منها ما شغلك عن الله، وصدك عن معاملته، ولو تركت هذه الأسباب، وغفلت عن الله وبالتجريد كنت مذموما أيضا. ↑↑

وليست الآفات داخلة على المتسببين فحسب، بل قد تدخل على المتجردين، كما تدخل على المتسببين.

{لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}.

بل قد يكون دخولها على المتجردين أشد، إذ الآفات الداخلة على المتسببين دخول يفي الدنيا مع عدم الدعوى منهم، ظاهرهم كباطنهم، مع اعترافهم بالتقصير، ومعرفتهم بفضل المتفرغين لطاعة الله عليهم وآفات المتجردين ربما كانت عجبا، أو كبرا أو رياء أو تصنعا، أو تزينا للخلق بطاعة الله استجلابا لما في أيديهم.

وقد تكون الآفات اعتمادا، واستنادا إلى الخلق، وأمارة ذلك: ذمه للناس، إذا لم يكرموه، وعتبه عليهم إذا لم يخدموه، فالمنغمس في الأسباب مع الغفلة، أحسن حالا من هذا بكثير، أحسن الله منا النيات وطهر نفوسنا من الآفات بفضله وكرمه.

الموازنة بين المتجرد والمتسبب

↑↑

فصل:

لعلك تفهم من هذا الكلام أن المتجر والمتسبب في رتبة واحدة، وليس الأمر كذلك ولن يجعل الله من تفرغ لعبادته، وشغل أوقاته بهو كالداخل في الأسباب، ولو كان فيها متقنا.

فالمتسبب والمتجرد، إذا استوى مقامهما من حيث المعرفة بالله، فالمتجرد أفضل، وما هو فيه أعلى وأكمل ولذلك قال العارفين:

(مثل المتسبب والمتجرد كعبدين للملك، قال لأحدهما اعمل وكل من كسب يدك.

وقال للآخر: الزم أنت حضرتي وخدمتي وأنا أقوم لك بما تريد.

فهذا قدره عند السيد أجل، وصنعه به ذلك على العناية به أدل.

ثم انه قلما تسلم من المخالفة، أو تصفو لك الطاعات مع الدخول في الأسباب، لاستلزامها لمعاشرة الأضداد ومخالطة أهل الغفلة والعناد.

وأشد ما يعينك على الطاعات رؤية المطيعين، وأشد ما يدخل في الذنب رؤية المذنبين، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).

قال الشاعر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي

فان كان ذا شرف فجانبه سرعة *** وان كان ذا خير فقارنه تهتدي

↑↑

والنفس  من شأنها التشبه والمحاكاة، والتزين بصفات من قارنها والمضاهاة.

فصحبتك للغافلين معونة لها على وجود الغفلة، إذ الغفلة ملائمة لها من أصل الوضع، فكيف إذا انضم إلى ذلك

سبب مخالطة الغافلين.

وقد تجد من نفسك أيها الأخ وفقك الله، أنه لا يستوي حالة خروجك من منزلك، وعودك إليه، وأنت في حين خروجك تغلب عليك الأنوار، وشرح الصدر والعزم على الطاعة والزهد في الدنيا، فتجدك إذا رجعت لست كذلك، ولا فيما هنالك، وما ذاك إلا لدنس المخالطة وانغماس القلوب في ظلمة الأسباب، ولو كانت الأسباب والمعاصي إذا ذهبت أثرها لم تعوق القلوب من المسير إلى الله تعالى بعد انفصالها ووجود زوالها، وإنما ذلك كالنار، فربما انقضى الإيقاد وبقي السواد.

ويحتاج المتسبب إلى شيئين: علم وتقوى، فالعلم يعلم به الحلال والحرام، والتقوى تصده عن ارتكاب الآثام، فأما حاجته إلى العلم: فانه يحتاج إلى الأحكام المتعلقة بالمعاملة، بيعا وسلما وصرفا، وما يتعلق بذلك مع ما يحتاج إليه من أحكام الواجبات والفروض المعينات.

ما ينبغي للمتسببين

↑↑

تنبيه وإعلام: أمور ينبغي للمتسببين أن يلتزموها:

الأول: ربط العزم مع الله تعالى قبل الخروج من المنزل على العفو عن المسيئين إليه، إذ الأسواق محل المخاصمة والمقاولة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من بيته قال: (اللهم إني تصدقت بعرضي على المسلمين).

الثاني: ينبغي له أن يتوضأ ويصلي قبل خروجه، ويسأل الله السلامة في مخرجه ذلك، فانه لا يدري ماذا يقضى عليه، فان الخارج إلى السوق كالخارج إلى المصاف.

فينبغي للمؤمن أن يلبس من الاعتصام بالله تعالى، والتوكل عليه دروعا صائنة تقيه سهام الأعداء.

{ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم}.

{ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.

الثالث: ينبغي له إذا خرج من منزله أن يستودع الله أهله ومسكنه، وما فيه، فانه حري أن يحفظ ذلك عليه، وليذكر قوله تعالى:

{فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين}.

وليذكر قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والولد والمال).

فانه إذا استودعهم الله، فحري أن يرجع فيجدهم كما يحب ويحبون.

سافر بعضهم وكانت زوجته حاملا، فحين سافر قال:

(اللهم أني استودعتك ما في بطنها).

فتوفيت زوجته في غيبته، فلما قدم من سفره، سأل عنها فقيل له: توفيت وهي حامل.

فلما كان الليل، رأي نورا في المقابر فتبعه، فإذا هو في قبرها، وإذا بالصبي يرضع من ثديها، فهتف به هاتف، يا هذا: إنك استودعتنا الولد فوجدته، أما لو استودعتهما لوجدتهما جميعا.

الرابع: يستحب له إذا خرج من منزله أن يقول:

(بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله) فان ذلك مؤيسا للشيطان منه.

الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليجعل ذلك شكرا لنعمة القوة والتقوى، اللذين وهبهما المولى له وليذكر قوله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}.

فمن أمكنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث لا يصل إليه أذى في نفسه أو عرضه أو ماله فهو ممن مكن في الأرض، والوجوب متعلق به، وان كان لا يصل إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالأذى قبل ذلك أو يغلب على ظنه وقوع ذلك بعده سقط عنه الوجوب، والإنكار حينئذ جائز. ↑↑

السادس: أن يكون مشيه بالسكينة والوقار لقوله تعالى:

{وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}.

وليس ذلك خاصا بالمشي بل المطلوب منك أن تكون أفعالك كلها تقارنا بالسكينة، ويلازمها التثبيت.

السابع: أن يذكر الله تعالى في سوقه، فانه قد جاء عنه عليه الصلاة والسلام:

(ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل بين الغازين، ذاكر الله في السوق كالحي بين الموتى).

وكان بعض السلف يركب بغلته ويأتي إلى السوق فيذكر الله ثم يرجع لا يخرجه إلا ذلك.

الثامن: أن لا يشغله ما هو فيه من المبايعة والمعاش عن النهوض إلى الصلاة في أوقاتها جماعة. لأنه إذا ضيعها اشتغالا بسببه، استوجب المقت من ربه، ورفع البركة من كسبه، ويستحي إن يراه الحق مشغولا بحظوظ نفسه عن حقوق ربه:

وقد كان بعض السلف يكون في صنعته فربما رفع المطرقة فسمع المؤذن فرماها من خلفه لئلا يكون ذلك شغلا بعد إن دعي إلى طاعة ربه وليذكر إذا سمع المؤذن قوله تعالى:

{يا قومنا أجيبوا داعي الله} وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول، إذا دعاكم لما يحييكم}.

وقوله تعالى: {استجيبوا لربكم}. ↑↑

وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول صلى الله عليه وسلم يكون في بيته يخصف النعل ويعين الخادم، فإذا نودي للصلاة قام كأنه لا يعرفنا.

التاسع: ترك الحلف والإطراء لسلعته، وقد جاء في ذلك الوعيد الشديد وقد قال عليه الصلاة والسلام: (التجار هم الفجار إلا من بر وصدق).

العاشر: كف لسانه عن الغيبة والنميمة، وليذكر قوله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه}.

وليعلم إن السامع للغيبة أحد المغتابين فان اغتيب أحد بحضرته فلينكر عليه فان لم يسمع منه فيقيم ولا يمنعه الحياء من الخلق من القيام بحق الملك الحق، فالله أولى أن يستحي منه وأن يرضى الله ورسوله أحق من أن يرضى الناس {والله ورسوله أحق أن يرضوه} وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام:

(إن الغيبة أشد من ستة وثلاثين زنية في الإسلام). ↑↑

وقال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: (أربعة آداب إذا خلا الفقير المتسبب منها فلا تعبأن به، وإن كان أعلم البرية).

مجانبة الظلمة ـ وإيثار أهل الآخرة ـ ومواساة ذوي الفاقة ـ وملازمة الخمس الصلوات في الجماعة.

وصدق رضي الله عنه: فإن بمجانبة الظلمة تقع السلامة في الدين، لأن صحبة الظلمة تكشف نور الإيمان، ومجانبتهم أيضا تكون سببا  للنجاة من عقوبة الله تعالى، لقوله تعالى:

{ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}.

وقوله: (وإيثار أهل الآخرة، أن يكون الفقير، والمتسبب الغالب عليه التردد إلى أولياء الله، والاقتباس منهم، ليتقوى بذلك على كدرة الأسباب لتنفح عليه نفحاتهم، وتظهر عليه بركاتهم وربما وصلت إليه في سببه إمدادهم، وحفظه من المعصية ودهم واعتقادهم.

وقوله رضي الله عنه: (ومواساة ذوي الفاقة) وذلك لأنه يجب على العبد أن يشكر نعمة الله عنده، فإذا فتح لك في الأسباب فاذكر من أغلقت عليه أبوابها.

واعلم أن الله سبحانه وتعالى، اختبر الأغنياء بوجدان أهل الفاقة كما اختبر أهل الفاقة بوجدان الأغنياء.

وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتبصرون وكان ربك بصيرا.

ووجود أهل الفاقة من نعمة الله على ذوي الغنى إذ وجدوا من يحمل عنهم أزو ادهم إلى الدار الآخرة، وإذ وجدوا من إذا أخذ منهم أخذ الله منهم {والله هو الغني الحميد}.

فلو لم يخلق الفقير فكيف كان تقبل منهم صدقاتهم؟ وأين كانوا يجدون من يأخذها منهم؟ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله تعالى إلا طيبا، كان كأنما يضعها في كف الرحمن يربيها له، كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله حتى إن اللقمة لتعود مثل جبل أحد).

ولذلك كان منا أشراط الساعة: أن لا يجد الرجل من يقبل صدقته.

وقوله رضي الله عنه: وملازمته الخمس في جماعة.

وذلك أن الفقير المتسبب لما فاته التخلي والتجرد لعبادة الله تعالى، فيدخل مدخل الخصوص بدوام الخدمة، وملازمة الموافقة.↑↑

فينبغي أن لا تفوته ملازمة الخمس في جماعة، لتكون ملازمته لها سببا لتجديد الأنوار، وموجبا لوجود الاستبصار، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة).

وفي الحديث الآخر: (بسبع وعشرين جزء).

ولو شرع للعباد أن يصلي كل إنسان في حانوته وداره، لتعطلت المساجد التي قال فيها الحق سبحانه وتعالى:

{في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}.

ولأن في ملازمة الصلاة، جماعة اجتماع القلوب، وتناصرها، والتئامها ورؤية المؤمنين واجتماعهم وقال صلى الله عليه وسلم: (يد الله مع الجماعة).

ولأن الجماعة إذا اجتمعت انبسطت بركات قلوبهم على من حضرهم، وامتدت أنوارهم لمن شهدهم، وكان اجتماعهم وتضامهم كالجيش إذا اجتمع وتضام كان ذلك سببا في وجود نصرته، وهو أحد التأولين في قوله تعالى:

{إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}.

من غض بصره فتح الله بصيرته

↑↑

استلحاق: عليك أيها المؤمن بغض طرفك من حين خروجك إلى سبيلك، إلى حين ترجع، ولتذكر قول الله تعالى:

{قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم}.

وليعلم أن بصره نعمة من الله عليه فلا يكن لنعم الله كفورا وأمانة من الله عنده فلا يكن لها خائنا، وليذكر قوله تعالى: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}.

وقوله تعالى: {ألم يعلم بأن الله يرى}.

وإذا أردت أن ترى فاعلم انه يرى، وليعلم أنه إذا غض بصره فتح الله بصيرته جزاء وفاقا، فمن ضيق على نفسه في دائرة الشهادة، وسع الله عليه في دائرة الغيب.

وقال بعضهم: (ما غض أحد بصره عن محارم الله إلا أوجده نورا في قلبه يجد حلاوة ذلك).

التدبير عند أولي البصائر

↑↑

انعطاف: اعلم أن التدبير مع الله عز وجل عند أولي البصائر إنما هو مخاصمة للربوبية، وذلك لأنه إذا نزل بك أمر تريد رفعه، أو رفع عنك أمر تريد وضعه، أو تهممت بأمر أنت عالم أنه متكفل بذلك، وقائم به إليك، كان ذلك منازعة للربوبية، وخروجا عن حقيقة العبودية واذكر ها هنا قوله سبحانه وتعالى:

{أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين}.

ففي هذه الآية توبيخ للإنسان لما غفل عن أصل نشأته، وخاصم منشئه وغفل عن سر بدايته، ونازع مبدأه وكيف يصلح لمن خلق من نطفة، أن ينازع الله في أحكامه، وأن يضادده في نقضه وإبرامه فاحذر رحمك الله التدبير مع الله.

واعلم أن التدبير من أشد حجب القلوب عن مطالعة الغيوب، وإنما التدبير للنفس ينبع من وجود المواددة لها ولو غبت عنها فناء، وكنت بالله لغيبك ذلك التدبير، عن نفسك أو بنفسك، وما أصبح عبدا جاهلا بأفعال الله غافلا عن حسن نظر الله، ألم تسمع قوله تعالى: {قل كفى بالله}.

فأين الاكتفاء بالله لعبد مدبر مع الله؟ ولو اكتفى بتدبير الله له لاقتطعه ذلك عن التدبير مع الله.

طريان التدبير

↑↑

تنبيه وإعلام: اعلم أن التدبير أكثر طريانه على العباد المتوجهين، وأهل السلوك من المريدين قبل الرسوخ في اليقين، ووجود القوة والتمكين، وذلك لأن أهل الغفلة والإساءة قد أجابوا الشيطان في الكبائر والمخالفات واتباع الشهوات، فليس للشيطان حاجة أن يدعوهم إلى التدبير، ولو دعاهم إليه لأجابوه بسرعة فليس هو أقوى أسبابه فيهم، إنما يدخل بذلك على أهل الطاعة والمتوجهين لعجزه عن أن يدخل من غير ذلك عليهم.

فرب صاحب ورد عطلة عن ورده أو عن الحضور مع الله تعالى فيه هم التدبير والفكرة في مصالح نفسه.

ورب ذي ورد استضعفه الشيطان فألقى إليه دسائس التدبير ليعكر عليه صفاء وقته، لأنه حاسد، والحاسد أشد ما يكون لك حسدا، إذا صفت لك الأوقات، وحسنت منك الحالات.

ثم إن وساوس التدبير ترد على كل أحد من حيث حاله:

فمن كان تدبيره في تحصيل كفاية يومه أو غده فعلاجه أن يعلم أن الله تعالى قد تكفل له برزقه لقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلاّ على الله رزقها}.

وسيأتي بسط القول في أمر الرزق، بعد هذا في باب منفرد إن شاء الله تعالى.

ومن كان تدبيره في دفع ضرر العدو الذي لا طاقة له به، فليعلم أن الذي يخافه ناصيته بيد الحق تعالى، وأنه لا يصنع إلا ما صنعه الحق فيه، وليذكر قوله تعالى:

{ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.

وقوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده، ويخوفونك بالذين من دونه}.

وقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم}. وأصغ بسمع قلبك إلى قوله تعالى:

{فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني}.

ولتعلم أن الحق تعالى أولى من استجير به فأجار، لقوله تعالى:

 {وهو يجير ولا يجار عليه}.

وأولى من استحفظ فحفظ لقوله تعالى: {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين}.

وإن كان التدبير من أجل ديون حلت لا وفاء لها ولا صبر لأربابها، فاعلم أن الذي يسري عليك بلطفه من أعطاك، هو الذي ييسر بلطفه الوفاء عنك:

{هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}.

(وأف لعبد يسكن لما في يده، ولا يسكن لما في يد الحق تعالى له، وإن كان التدبير من أجل عائلة تركتهم وراء ظهرك لا شيء يقوم بهم فاعلم أن الذي يقوم بهم بعد مماتك هو الذي يقوم بهم في حضورك وغيبتك في حياتك، واسمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل).

فالذي ترجوه أمامك هو الذي يرجى لما وراءك، واسمع قول بعضهم:

إن الذي وجهت وجهي له *** هو الذي خلفت في أهلي

لم يخف عنه حالهم ساعة *** وفضله أوسع من فضلي

وأن الله أرحم بهم منك، فلا تهتم بمن هو في كفالة غيرك. وان كان تدبيرك واهتمام من اجل مرض نزل بك تخاف أن تتطاول ساعات وتمتد أوقاته، فاعلم أن للبلايا والأسقام أعمارا، فكما لا يموت حيوان إلا عند انقضاء عمره، كذلك لا تنقضي بلية حتى ينقضي ميقاتها، واذكر قوله تعالى:

{فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون}.

وكان ولد لبعض المشايخ فتوفي أبوه وبقي الولد بعده فامتسكت عليه أمداد الوقت، وكان لأبيه أصحاب قد تفرقوا بالعراق، فتفكر أي أصحاب أبيه بقصد؟

ثم أجمع عزمه على أن يقصد أوجههم عند الناس، فلما قدم عليه أكرمه وأجل محله، ثم قال:

يا سيدي، وابن سيدي؟ ما الذي جاء بك؟ قال:

توقفت على أسباب الدنيا، فأريد أن تتحدث لي عند أمير البلدة، لعل أن يجعلني على جهة من جهاته فيكون فيها تمشية حالي، فاطرق الشيخ مليا، ثم رفع رأسه إليه، وقال:

ليس في قدرتي أن أجعل أول الليل سحرا، أين أنا منك إذا وليت حكم العراقين؟.

فخرج ولد ذلك الشيخ من عنده متغيظا، ولم يفهم ما قال له الرجل الصالح. ↑↑

فاتفق أن طلب الخليفة، من يعلم ولده، فدل عليه، وقيل له: ولد فلان فاحضر لتعليم ولد الخليفة، فمكث يعلم ولد الخليفة مدة التعليم ويجالسه بعد ذلك حتى تكملت أربعين عاما واستخلف ولده فتوفي الخليفة الذي كان هذا معلما له فولاه حكم العراقين.

وإن كانت الفكرة لأجل زوجة أو أمة فقدتها، كانت توافقك في أحوالك، وتقوم بمهمات أشغالك، فاعلم أن الذي يسرها لك لم ينفذ فضله، وإحسانه لم ينقطع، وهو قدير على أن يهبك من منته ما يزيد حسنا ومعرفة على ما فقدت، فلا تكن من الجاهلين.

ووجوه التدبير لا تتعدد عاجلاتها، فاستقصاء وجوهها  وعاجلاتها لا سبيل إليه لانتشارها، وعم انحصارها، ومتى أعطاك الله الفهم عرفك كيف تصنع.

تنبيه وإعلام

↑↑

اعلم أن التدبير إنما يكون من النفس لوجود الحجاب فيها، ولو سلم القلب من مجاورتها، وصين من محادثتها، لم تطرقه طوارق التدبير.

وسمعت شيخنا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول:

(إن الله سبحانه وتعالى، لما خلق الأرض على الماء، اضطربت فأرساها بالجبال، فقال: {والجبال أرساها}.

(كذلك لما خلق النفس اضطربت فأرساها بجبال العقل).

انتهى كلام الشيخ أبي العباس رضي الله عنه.

فأي عبد توفر عقله، واتسع نوره تنزلت  عليه السكينة من ربه، فسكنت في نفسه عن الاضطراب، ووثقت بولي الأسباب فكانت مطمئنة، أي خامدة ساكنة لأحكام الله، ثابتة لأقداره، ممدودة بتأييده وأنواره، خارجة عن التدبير والمنازعة، مسلمة لمولاها بأنه يراها:

{أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}.

فاستحقت أنه يقال لها:

{يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}.

وفي هذه الآية خصائص عظيمة، ومناقب لهذه النفس المطمئنة جسمية منها: أن النفوس ثلاثة:

أمارة – ولوامة – ومطمئنة. ↑↑

فلم يواجه الحق سبحانه وتعالى واحدة، من الأنفس الثلاث إلا المطمئنة، فقال في الأمارة:

{إن النفس لأمارة بالسوء}.

وفي اللوامة: {ولا اقسم بالنفس اللوامة}.

واقبل على هذه بالخطاب فقال: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي}.

الثاني: تكنيته إياها، والتكنية في لغة العرب تجليل في الخطاب، وفخر عند أولى الألباب:

الثالث: مدحه إياها بالطمأنينة ثناء منه عليها بالاستسلام إليه، والتوكل عليه.

الرابع: وصفة هذه النفس بالطمأنينة، والمطمئن هو المنخفض من الأرض، فإذا انخفضت بتواضعها وانكسارها، أثنى عليها مولاها إظهارا لفخرها لقوله صلى الله عليه وسلم:

(من تواضع لله رفعه الله).

الخامس: قوله تعالى: {ارجعي إلى ربك راضية مرضية}.

فيه إشارة إلى انه لا يؤذن للنفس الأمارة، واللوامة بالرجوع إلى الله تعالى رجوع الكرامة، بل إنما ذلك للنفس المطمئنة لأجل ما هي عليه من الطمأنينة قيل لها:

{ارجعي إلى ربك راضية مرضية}. ↑↑

فقد أبحنا لك الدخول إلى حضرتنا، والخلود في جنتنا، فكان في ذلك تحريض للعبد على مقام الطمأنينة ولا يصل إليه أحد إلا بالاستسلام إلى الله تعالى، وعدم التدبير معه.

السادس قوله: {ارجعي إلى ربك}.

ولم يقل إلى الرب، ولا إلى الله، فيه إشارة إلى رجوعها إليه من حيث لطف ربوبيته، لا إلى قهر ألهيته، فكان ذلك تأنيسا لها وملاطفة وتكريما ومواددة.

السابع: قوله تعالى {راضية} أي عن الله في الدنيا بأحكامه، وفي الآخرة بجوده وإنعامه، فكان في ذلك تنبيه للعبد أنه لا يحصل له الرجعى إلى الله إلا مع الطمأنينة بالله، والرضا عن الله، وإلا فلا.

وفي ذلك إشارة إلى أنه لا يحصل أن يكون مرضيا عند الله في الآخرة، حتى يكون راضيا عنه في الدنيا.

فإن قلت هذه الآية تقتضي أن يكون الرضا من الله نتيجة الرضا من العبد، والآية الأخرى تدل على أن الرضا من العبد نتيجة الرضا من الله عنه؟

فاعلم أن لكل آية ما أثبتت، فلا خفاء في الجمع بين الآيتين، وذلك أن قوله تعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}.

يدل من وجود ترتيبه على أن الرضا من العبد نتيجة الرضا من الله والحقيقة تقتضي بذلك، لأنه لو لم يرض عنهم أولا، لم يرضوا عنه آخرا.

والآية الآخرة تدل: على أن من رضي عن الله في الدنيا، كان مرضيا عنه في الآخرة، وذلك بين لا إشكال فيه.

الثامن: قوله تعالى: {مرضية} وذلك مدحة عظيمة لهذه النفس المطمئنة، وهي أجل المدح والنعوت، ألم تسمع قوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر}.. بعد أن وصف نعيم أهل الجنة أي رضوان من الله عنهم فيها أكبر من النعيم الذي هم فيه.

التاسع: قوله تعالى {فادخلي في عبادي}.

فيه بشارة عظمى للنفس المطمئنة إذ نوديت ودعيت إلى أن تدخل في عباده، وأي عباد هؤلاء؟

هم عباد التخصيص والنصر، لا عباد الملك والقهر، هم العباد الذين قال الله فيهم:

{إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}. ↑↑

وقال تعالى: {إلا عباد منهم المخلصين}.

لا العباد الآخرون الذين قال فيهم:

{إن كل من السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا}.

فكان فرح النفس المطمئنة بقوله: {فادخلي في عبادي} أشد من فرحها بقوله تعالى: {وادخلي جنتي} لأن الإضافة الأولى إليه تعالى، والإضافة الثانية إلى جنته.

العاشر: قوله تعالى: {وادخلي جنتي} فيه إشارة إلى أن هذه الأوصاف التي اتصفت بها النفس المطمئنة، هي التي أدتها إلى أن تدعى أن تدخل في عباده، وإلى أن تدخل في جنته، جنة الطاعة في الدنيا، والجنة المعلومة في الآخرة. والله اعلم.

هدم قواعد التدبير

↑↑

فائدة: قد تضمنت الآية صفتين كل واحدة منهما تدل على هدم التدبير، وذلك انه سبحانه وتعالى وصف هذه النفس التي خصصها بهذه الخصائص التي ذكرناها بأوصاف منها: الطمأنينة والرضا.

وهما لا يكونان إلا مع إسقاط التدبير، إذ لا تكون النفس مطمئنة حتى تترك التدبير مع الله تعالى ثقة منها بحسن تدبيره لها لأنها إذا رضيت عن الله استسلمت له، وانقادت لحكمه، وأذعنت لأمره، فاطمأنت لربوبيته، وقرت بالاعتماد على ألهيته، فلا اضطراب إذ ما أعطاها من نور العقل، يثبتها فلا حركة لها، خامدة لأحكامه، مفوضة له في نقضه وإبرامه.

سر خلق التدبير والاختيار

↑↑

فائدة: اعلم أن سر خلق التدبير والاختيار، ظهور قهر القهار. وذلك أنه سبحانه أراد أن يتعرف إلى العباد بقهره، فخلق فيهم تدبيرا واختيارا، ثم فسح لهم بالحجة حتى أمكنهم ذلك، إذ كانوا في وجود المواجهة والمعاينة، لم يمكنهم التدبير والاختيار، كما لا يمكن الملأ الأعلى ذلك.

فلما دبر العباد واختاروا، توجه بقهره إلى تدبيرهم واختيارهم فزلزل أركانهم، وهدم بنيانهم فلما تعرف للعباد بقهر مراده علموا أنه القاهر فوق عباده.

فما خلق الإرادة فيك لتكون لك الإرادة، ولكن لتدحض إرادته إرادتك فتعلم أنه ليس لك إرادة.

كذلك لم يجعل التدبير فيك ليكون ذلك دائما فيك، وإنما جعله فيك لتدبر  ويدبر فيكون ما يدبر لا ما تدبر، ولذلك قيل لبعضهم بماذا عرفت الله؟ قال بنقض العزائم.

التدبير في شأن الرزق

↑↑

فصل: كنت قد وعدنا بأنا نفرد للتدبير في شأن الرزق بابا، وذلك: أن أكثر دخول التدبير على القلوب من جهته.

فاعلم أن سلامة القلوب من التدبير في شأن الرزق، منة عظمى لا يسلم منها إلا الموفقون الذين صدقوا الله في حسن الثقة، فاطمأنت قلوبهم إليه، وتحققوا بالتوكل عليه، حتى لقد بعض المشايخ: (احكموا إلى أمر الرزق ولا عليك من سائر المقامات).

وقال بعض المشايخ: (اشد الهموم هموم الاقتضاء).

وتبين ما قال هذا الشيخ: أن الله تعالى خلق هذا الآدمي محتاجا إلى مدد يمسك بنيته، ويمد قوته، لما كنت الحرارة الغريزية التي هي فيه تحلل أجزاء بدنه، كان هذا الغذاء تطبخه المعدة، فتأخذ خلاصته، فيعود جزء بدنه خلفا لما حللته الحرارة الغريزية منه، ولو شاء الحق تعالى لأغنى وجود الآدمي عن المدد الحسي، وتناول الأغذية، ولكن أراد سبحانه وتعالى أن يظهر حاجة الحيوان إلى وجود التغذية، واضطراره إلى ذلك وغناه سبحانه وتعالى عما هو الحيوان محتاج إليه فلذلك قال سبحانه وتعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم}.

فتمدح سبحانه وتعالى  بوصفين:

أحدهما: انه يطعم غيره لأن كل العباد آخذ من إحسانه، وآكل من رزقه وامتنانه.

والآخرة: أنه لا يطعم لأنه المقدس عن الاحتياج إلى التغذية بل هو الصمد، والصمد هو الذي لا يطعم.

وإنما خص الحق تعالى الحيوان بالافتقار إلى التغذية دون غره من الموجودات، لأنه سبحانه وتعالى  وهب الحيوان من صفاته ما لو تركه من غير فاقة لادعى أو ادعى فيه، فأراد الحق سبحانه وتعالى ـ وهو الحكيم الخبير ـ أن يحوجه إلى مأكل، ومشرب وملبس، وغير ذلك، ليكون تكرار الحاجة منه سببا لخمود الدعوى عنه أو فيه.

فائدة: اعلم أن الحق تعالى أراد أن يجعل الحاجة لهذا النوع، وهو الحيوان، من الآدمي وغيره، إما ليعرفه، أو ليعرف به، إلا ترى أن الحاجة باب إلى الله، وسبب يوصلك إليه، ألم تسمع قوله تعالى: {يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد}. ↑↑

فجعل الفقر إلى الله، سببا يؤدي إلى الوصول إليه، والدوام بين يديه.

ولعلك تفهم ها هنا قوله صلى الله عليه وسلم: (من عرف نفسه عرف ربه).

أي من عرف نفسه بحاجتها وافتقارها وذلتها وفاقتها ومسكنتها عرف ربه بعزه وسلطانه، ووجوده وإحسانه إلى غير ذلك من أوصاف الكمال، لا سيما هذا النوع من الآدمي، فإن الحق سبحانه وتعالى كرر فيه أسباب الحاجة وعدد فيه أنواع الفاقة لأنه محتاج إلى صلاح معاشه ومعاده، وافهم ها هنا قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}.

أي من أمر دنياه وأخراه، فلكرامته عند الله كرر أسباب الحاجة فيه:

ألم تر أن لأصناف الحيوان غنية بأصوافها وأوبارها وأشعارها، عن لباس دثارها؟ وغنية بمرابضها وأوكارها عن أن تتخذ بيتا لقرارها.

حكمة اختبار الله للإنسان

↑↑

فائدة أخرى: وهو أن الحق تعالى أراد أن يختبر هذا الآدمي فأحوجه لأمور شتى لينظر أيدخل في استجلابها بعقله وتدبيره، أو يرجع إلى الله في قسمته وتقديره.

فائدة أخرى: وهو انه سبحانه وتعالى  أراد أن يتحبب إلى هذا العبد، فلما أورد عليه أسباب  الفاقة ورفعها عنه، وجد العبد لذلك حلاوة في نفسه، وراحته في قلبه، فأوجب له ذلك تجديد الحب لربه، قال صلى الله عليه وسلم: (أحبوا الله لما يغذوكم به نعمه). فكلما تجددت النعم تجدد له من الحب بحسبها.

فائدة أخرى: وهو أنه سبحانه وتعالى، أراد أن يشكر، فلذلك أورد الفاقة على العباد، وتولى رفعها ليقوموا له بوجود شكره، وليعرفوه بإحسانه وبره، قال الله تعالى:

{كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور}.

فائدة أخرى: وذلك انه تعالى أراد أن يفتح للعباد باب المناجاة، فكلما احتاجوا إلى الأقوات والنعم، توجهوا إليه برفع الهمم، فشرفوا بمناجاته ومنحوا من هباته، ولو لم تسقهم الفاقة إلى المناجاة لم يفقهها عقول العموم من العباد. ولولا الحاجة لم يستفتح بابها إلا عقول أهل الوداد. ↑↑

فصار ورود الفاقة سببا للمناجاة والمناجاة شرف عظيم، ومنصب من الكرامة جسيم.

إلا ترى أن الحق سبحانه وتعالى أخبر عن موسى عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى:

{فسقى لهم ثم تولى إلى الظل، فقال، رب أني لما أنزلت إلي من خير فقير}.

قال علي رضي الله عنه والله ما طلب إلا خبزا يأكله، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله.

فانظر رحمك الله: كيف سأل من ربه ذلك لعلمه أنه لا يملك شيئا غيره، وكذلك ينبغي للمؤمن أن يكون كذلك، يسأل الله تعالى ما قل وجل حتى قال بعضهم:

{أني لأسأل الله في صلاتي حتى ملح عجيني}.

ولا يصدنك أيها المؤمن عن طلب ما تحتاج إليه من الله قلة ذلك فانه إن لم تسأله في القليل، لم تجد ربا يعطيك ذلك غيره والمطلب وان كان قليلا، فقد صار لفتح باب المناجاة جليلا، حتى قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله:

لا يكن همك في دعائك، الظفر بقضاء حاجتك فتكون محجوبا عن ربك، وليكن همك مناجاة مولاك، وفي هذه الآية فوائد:

الفائدة الأولى: وهو أن يكون المؤمن طالبا من ربه ما قل وجل، وقد ذكرناه آنفا.

الفائدة الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم نادى متعلقا باسم الربوبية لأنه المناسب في هذا المكان، لأن الرب من رباك بإحسانه، وغذاك بامتنانه، فكان في ذلك استعطاف لسيده إذ ناداه باسم الربوبية، التي ما قطع عنه موائدها، ولا حبس فوائدها.

الفائدة الثالثة: قوله: {إني لما أنزلت إلي من خير فقير، ولم يقل أني إلى الخير فقير، وفي ذلك من الفائدة: أنه لو قال: إني {إلى خيرك أو الخير فقير}، لم يتضمن أنه قد أنزل رزقه، ولم يهمك أمره.

فأتى بقوله: {أني لما أنزلت إلي من خير فقير، ليدل على أنه واثق بالله، عالم بالله لا ينساه، فكأنه يقول:

رب أني اعلم انك لا تهمل أمري، ولا أمر شيء، مما خلقت، وانك قد أنزلت رزقي، فسق لي ما أنزلت لي، كيف تشاء على ما تشاء محفوفا بإحسانك مقرونا بامتنانك، فكان في ذلك فائدتان:

فائدة الطلب، وفائدة الاعتراف بان الحق سبحانه وتعالى قد أنزل رزقه ولكنه أبهم وقته، وسببه، وواسطته، ليقع اضطرار العبد، ومع الاضطرار تكون الإجابة، لقوله تعالى:

{أمن يجيب المضطر إذا دعاه}.

ولو تعين السبب والوقت والوسائط، لم يقع للعباد الاضطرار الذي وجوده عند إبهامها، فسبحان الإله الحكيم، والقادر العليم. ↑↑

الفائدة الرابعة: تدل الآية على أن الطلب من الله تعالى، لا يناقض مقام العبودية وبعد ذلك طلب من الله، فدل على أن مقام العبودية لا يناقض الطلب.

فان قلت: إن كان مقام العبودية لا يناقض الطلب، فكيف لم يطلب إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم حين رمي به في المنجنيق وتعرض له جبريل عليه السلام، فقال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما الله فبلى.

قال: سله، قال: حسبني من سؤالي، علمه بحالي.

فاكتفى بعلم الله تعالى به عن إظهار الطلب منه.

فالجواب: أن الأنبياء صلوات الله عليهم يعاملون في كل موطن بما يفهمون عن الحق، أنه اللائق به.

ففهم إبراهيم عليه السلام أن المراد به في ذلك الموطن، عدم إظهار الطلب والاكتفاء بالعلم، فكان بما فهمه عن ربه، وكان هذا لأن الحق سبحانه أراد أن يظهر سره، وعنايته به للملأ الأعلى الذين لما قال لهم: {إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: أني اعلم ما لا تعلمون}. ↑↑

فأراد الحق تعالى، أن يظهر سر قوله: {إني أعلم ما لا تعلمون}.

يوم زج بإبراهيم عليه السلام في المنجنيق، كأنه يقول:

يا من قال: أتجعل فيها من يفسد فيها، فكيف رأيتم خليلي؟

نظرتهم إلى ما يكون في الأرض من صنع أهل الفساد، كنمرود ومن ضاهاه من أهل الفساد، وما نظرتم إلى ما يكون فيها من أهل الصلاح والرشاد، كما كان من إبراهيم عليه السلام ومن تابعه من أهل الوداد؟

وأما موسى صلوات الله عليه، فانه علم أن مراد الحق تعالى منه في ذلك الوقت إظهار الفاقة، وإبداء المسألة فقام بما يقتضيه وقته، ولكل وجهة هو موليها.

فكل على بينة وهداية، وتوفيق من الله ورعاية.

الفائدة الخامسة: انظر إلى طلب موسى عليه السلام من ربه، وجود الرزق، ولم يواجهه بالطلب، بل اعترف بين يدي الله بوصف الفقر والفاقة، وشهد له سبحانه وتعالى بالغنى لأنه إذا عرف نفسه بالفقر والفاقة عرف به بالغنى والملاءة وهذا من بسط المناجاة وهي كثيرة:

فتارة يجلسك على بساط الفاقة فتناديه: يا غني.

وتارة على بساط الذلة فتناديه يا عزيز.

وتارة على بساط العجز فتناديه: يا قوي.

وكذلك في بقية الأسماء. ↑↑

فاعترف موسى عليه السلام بالفقر والفاقة إلى الله تعالى، فكان في ذلك تعريض للطلب وان لم يطلب.

وقد يكون التعريض للتطلب بذكر أوصاف العبد من فقره إلى الله تعالى وحاجته.

وقد يكون التعريض بذكر أوصاف السيد من وجوده وأحديته كما جاء في الحديث:

(أفضل دعائي ودعاء الأنبياء من قبلي لا اله إلاّ الله، وحده لا شريك له).

فجعل الثناء على الله تعالى دعاء لأن في الثناء على السيد الغني بذكر أوصاف كماله تعريضا لفضله ونواله، كما قال الشاعر:

كريم لا يغيره صباح *** عن الخلق الكريم ولا مساء

إذا أثنى عليه المرء يوما *** كفاه من تعوضه الثناء

وقال الله تعالى حاكيا عن يونس عليه السلام:

{فنادى في الظلمات أن لا اله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}.

ثم قال سبحانه وتعالى مخبرا عن نفسه:

{فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين}.

ويونس عليه السلام لم يطلب صريحا ولكن لما أثنى على ربه عز وجل واعترف بين يديه فقد أظهر الفاقة إليه فجعل الحق تعالى ذلك طلبا. ↑↑

الفائدة السادسة: وكان من حقها أن تكون أولى: إن موسى عليه السلام فعل المعروف مع ابنتي شعيب عليه السلام، ولم يقصد منهما أجرا، ولا طلب منهما جزاء، بل لما سقي لهما اقبل على ربه، فطلب منه، ولم يطلب منهما، وإنما طلب من مولاه الذي مهما طلب منه أعطاه، والصوفي من يوفى من نفسه، ولا يستوفى لهاو ولنا في هذا المعنى شعر:

لا تشتغل بالعتب يوما للورى *** فيضيع وقتك والزمان قصير

وعلام تعتبهم وأنت مصدق *** إن الأمور جرى بها المقدور

هم لم يوفوا للإله بحقه *** أتريد توفيه وأنت حقير؟

فاشهد حقوقهم عليك وقم بها *** واستوف منك لهم وأنت صبور

وإذا فعلت فاشهد بعين من *** هو بالخفايا عالم وخبير

فموسى عليه السلام وفي من نفسه ولم يستوف لها، فكان له عند الله الجزاء الأكمل،  وعجل له سبحانه في الدنيا زائدا على ما ادخره له في الآخرة: أن زوجه إحدى الابنتين، وجعله صهرا لنبيه عليه السلام، وآنسه به حتى جاء أوان رسالته.

فلا تجعل معاملتك إلا مع الله تعالى، أيها العبد، تكن من الرابحين، ويكرمك بما أكرم به العباد المتقين.

الفائدة السابعة: انظر إلى قوله سبحانه وتعالى: {فسقى لهما تم ثم تولى إلى الظل}.

ففي ذلك دليل على انه يجوز للمؤمن أن يؤثر الظلال على الضواحي، وبارد الماء على سخنه، وأسهل الطريقين على أشقهما وأوعرهما ولا يخرجه ذلك عن مقام الزهد. ↑↑

ألا ترى أن الحق سبحانه وتعالى  أخبر عن موسى عليه السلام، انه تولى إلى الظل أي قصده وجاء إليه.

فان قلت قد جاء عن بعضهم: انه دخل عليه فوجد قد انبسطت الشمس على قلته التي يشرب منها، فقيل له في ذلك، فقال:

أني لما وضعتها لم يكن شمس، واني لأستحي أن امشي بحظ نفسي.

فاعلم رحمك الله: أن هذا حال عبد يتطلب الصدق من نفسه ويمنعها مناها ليشغلها بذلك عن الغفلة عن مولاها، ولو اكتمل مقامه لرفع الماء عن الشمس قاصدا بذلك قيامه بحق نفسه التي أمر الله تعالى أن يقوم بها لا استجلابا لحظه، ولكن ليقوم بحق ربه في نفسه، وقد قال سبحانه وتعالى:

{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.

وقال تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا}.

ولذلك كان عند الفقهاء: إذا نذر المشي إلى مكة شرفها الله حافيا جاز له أن ينتعل ولا يلزمه الحفاء، لأنه ليس للشرع في متاعب العباد قصد خاص، ولم تأت الشرائع بمنع الملاذ للعباد، وكيف وهي مخلوقة من أجلهم.

قال الربيع ابن زياد الحارثي لعلي رضي الله عنه: أسعدني على أخي عاصم، قال: ما باله؟ قال: لبس العباءة يريد النسك فقال علي رضي الله عنه: علي به.

فأتى مؤتزرا بعباءة مترديا بأخرى، شعث الرأس واللحية فعبس في وجهه وقال:

ويحك: أما استحيت من اهلك؟ أما رحمت ولدك؟

أترى أن الله تعالى أباح لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئا بل أنت أهون على الله.

أما سمعت من الله يقول في كتابه:

{والأرض وضعها للأنام.. إلى قوله يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان}.

أفترى من الله أباح هذا للعباد إلا ليبتذلوه، ويحمدوا الله عليه فيثيبهم؟ وان ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه المقال، قال عاصم: (فما بالك في خشونة مأكلك وخشونة ملبسك).

قال: ويحك أن الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس.

فقد تبين لك من علي رضي الله عنه، أن الحق تعالى لم يطالب العبد بعدم تنازل الملذوذات وإنما طالبهم بالشكر عليها إذ تناولوها فقال تعالى:

{كلوا من رزق ربكم واشكروا له}. ↑↑

وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات واعملوا صالحا}.

ولم يقل: لا تأكلوا، وإنما قال: كلوا واعملوا.

فان قلت: الطيبات في هاتين الآيتين: المراد بها الحلال،، إذ هو الطيب باعتبار نظر الشرع.

فاعلم انه يمكن أن يكون المراد بالطيبات الحلال، لأنه طيب باعتبار انه لم يتعلق به إثم ولا مذمة ولا حجبة.

ويمكن أن يكون المراد بالطيبات، الملذوذات من المطاعم، ويكون سر إباحتها، والأمر بأكلها ليجد متناولها لذاذتها فتنشط همته للشكر فيقوم بوجود الخدمة، ويرعى حق المحرمة.

قال لي الشيخ أبو الحسن رحمه الله: قال لي شيخ: يا بني، برد الماء، فان العبد إذا شرب الماء الساخن، قال: الحمد لله بكزازة،  وإذا شرب الماء البارد. فقال الحمد لله، استجاب كل عضو فيه بالحمد لله.

ثم قال: وأما الذي دخل عليه فوجد قد انبسطت الشمس على قلته، فقيل له: ألا ترفعها؟ فقال: حين وضعتها لم تكن شمس، واني لاستحي أن امشي لحظ نفسي، فانه صاحب حال لا يقتدى به.

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

↑↑

انعطاف: قد مضى قولنا في سر إحواج الحيوان، وهذا الآدمي خصوصا والى وجود تغذية ممدة له، فالآن نتحدث في تكفل الحق تعالى بهذه التغذية وقيامه بإيصالها.

فاعلم أن الحق تعالى كما أحوج الحيوان إلى مدد له، وتغذية يكون بها حفظ وجوده، وكان هذان الجنسان اللذان هما الإنس والجان، خلقا ليأمرهما بعبادته، ويطالبهما بطاعته وموافقته فقال تعالى:

{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرازق  ذو القوة المتين}.

فبين الله تعالى انه إنما خلق هذين الجنسين لعبادته، أي ليأمرهم بها، كما تقول لعبد: ما اشتريتك أيها العبد إلا لتخدمني أي لآمرك بالخدمة فتقوم بها.

وقد يكون العبد مخالفا متأبيا، ولم يكن شراؤك إياه لذلك: وإنما كان ليقوم بمهماتك ولقضاء حاجاتك.

وأهل الاعتزال يحملون الآية على ظاهرها فيقولون:

الحق خلفهم للطاعة، والكفر والمعصية، من قبل أنفسهم، وقد أبطلنا هذا المذهب قبل،

وفي تبيين سر الخلق والإيجاد، أعلام للعباد، وتنبيه: لماذا خلقوا؟ كي لا يجهلوا مراد الله تعالى فيهم، فيضلوا عن سبيل الهداية، ويهملوا وجود الرعاية. وقد جاء أن أربعة من الملائكة، يتجاوبون كل يوم، فيقول أحدهم: يا ليت هذا لم يخلقوا. ↑↑

ويقول الآخر: ويا ليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا؟

ويقول الآخر: ويا ليتهم إذا علموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا.

ويقول الرابع: ويا ليتهم إذا لم يعملوا  بما علموا أتابوا مما عملوا.

فبين الحق تعالى: انه ما خلق العباد لأنفسهم إنما خلقهم ليعبدون ويوحدوه.

فانك لا تشتري عبدا ليخدم نفسه، إنما تشتريه ليكون لك خادما.

فهذه الآية: حجة على كل عبد اشتغل بحظ نفسه عن حق ربه، وبهواه عن طاعة مولاه. ولذلك سمع إبراهيم بن ادهم ـ رحمه الله عليه، وهو كان سبب توبته لما خرج متصيدا، هاتفا يهتف به من قربوس سرجه يا إبراهيم.

ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت.

ثم سمع الثانية: يا إبراهيم. ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت، فالفقيه من فهم سر الإيجاد فعمل له، وهذا هو الفقه الحقيقي الذي من أعطيه فقد أعطى المنة العظمى.

وفيه قال مالك رحمه الله: ليس الفقه بكثرة الرواية، وإنما الفقه نور يضعه الله في القلب.

وسمعت شيخنا أبا العباس رحمه الله يقول: (الفقيه من انفقأ الحجاب عن عيني قلبه).

فمن فقه عن سر الإيجاد بأنه ما أوجده إلا لطاعته، وما خلقه إلا لخدمته، كان هذا الفقه منه سببا لزهده في الدنيا، وإقباله على الأخرى، وإهماله لحظوظ نفسه، واشتغاله بحقوق سيده، مفكرا في المعاد، قائما بالاستعداد حتى قال بعضهم: (لو قيل لي غدا تموت لم أجد مستزاد).

↑↑

وقال بعضهم: وقد قالت له أمه يا بني مالك لا تأكل الخبز؟ فقال: بين مضغ الخبز وأكل الفتيت قراءة خمسين آية.

فهؤلاء قوم أذهل عقولهم عن هذه الدار، ترقب هول المطلع، وأهوال القيامة، وملاقاة جبار السموات والأرض فغيبهم ذلك عن الاستيقاظ لملاذ هذه الدار، والميل إلى مسراتها، حتى قال بعض العارفين:

دخلت على بعض المشايخ بالمغرب في داره، فقمت لأملأ ماء للوضوء، فقام الشيخ ليملأ عني فأبيت فأبى إلا أن يملأ وأمسك طرف الحبل بيده، وفي الدار عنده بجانب البئر شجرة زيتون قد خيمت على الدار، فقلت: يا سيدي لم لا تربط طرف هذا الحبل بهذه الشجرة؟ فقال:

أو ها هنا شجرة؟ إن لي في هذه الدار ستين عاما، ما اعرف أن في هذه الدار شجرة.

فافتح رحمك الله سمعك لهذه الحكاية وأمثالها تعلم أن لله عبادا اشغلهم به عن كل شيء، ولم يشغلهم عنه شيء أذهل عقوهم عظمته، وأدهش نفوسهم هيبته، فاستقر في أسرارهم وده ومحبته.

جعلنا الله منهم، ولا أخرجنا عنهم.

ومثل هذه الحكاية: كان رجل بالصعيد من الأولياء بمسجد طلب منه أحد من يخدمه أن يأخذ جريدة من أجدى نخلتين كانتا في المسجد، فأذن له فقال: يا سيدي من أيهما آخذ؟ من الصفراء أو من الحمراء؟ فقال:

يا بني: أن لي بهذا المسجد أربعين عاما، لا اعرف الصفراء من الحمراء.

ويحكى عن بعضهم انه كان يعبر عليه أولاد في داره فيقول: أولاد من هؤلاء؟ أولاد من هؤلاء؟

فيقال له: أولادك.

فكان لا يعرفهم حتى يعرف بهم، لاشتغاله بالله تعالى.

وكان بعض المشايخ يقول في أولاده إذ رآهم: هؤلاء الأيتام، وان كان أبوهم حيا.

والاسترسال عن هذه اللامعة، يخرجنا عن غرض الكتاب.

ضمان الله للعباد

↑↑

انعطاف: لما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} علم سبحانه وتعالى، أن لهم بشريات تطالبهم بمقتضاها تشوش عليهم صدق التوجه إلى العبودية، فضمن لهم الرزق، كي يتفرغوا لخدمته، وكي لا يشتغلوا بطلبه عن عبادته، فقال: {ما أريد منهم من رزق}.

أي ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم، فقد كفيتهم ذلك بحسن كفايتي، وبوجود ضماني.

وما أريد أن يطعمون لأني أنا القوي الصمد، الذي لا يطعم، ولذلك عقبه بقوله تعالى:

{أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}.

أي: ما أريد منهم أن يرزقوا أنفسهم. لأني أنا ذو القوة، ومن له القوة في ذاته غني عن أن يطعم.

فتضمنت هذه الآية: الضمان للعبد بوجود أرزاقهم، بقوله تعالى: أن الله هو الرزاق.

وألزم المؤمنين أن يوحدوه في رزقه، وان لا يضيفوا شيئا منه إلى خلقه، وان لا يضيفوا ذلك إلى أسبابهم، وان لا يسندوه إلى اكتسابهم. ↑↑

وقد قال الراوي: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثر سماء كانت من الليل، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟

قلنا: لا يا رسول الله. قال:

قال ربكم: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي.

فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب.

وأما من قال: مطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب.

ففي هذا الحديث فائدة عظمى للمؤمنين، وبصيرة كبرى للموقنين وتعليم الأدب مع رب العالمين.

ولعل هذا الحديث يكون أيها المؤمن ناهيا له عن التعرض إلى عالم الكواكب واقتراناتها، ومانعا لك أن تدعى، وجود تأثيراتها. ↑↑

واعلم أن لله تعالى فيك قضاء لا بد أن ينفذه، وحكما لا بد أن يظهره، فما فائدة التجسس على علم علام الغيوب؟

وقد نهانا سبحانه أن نتجسس على عباده فقال: ولا تجسسوا، فكيف لنا أن نتجسس على غيبه.

ولقد أحسن من قال:

خبرا عني المنجم أنني *** كافر بالذي قضته الكواكب

عالم أن يكون وما كان *** قضاء من المهيمن واجب

فائدة: اعلم أن مجيء هذه الصيغة على بقاء فعال يقتضي المبالغة فيما سيقت له، فرزاق ابلغ من رازق، لان فعال في باب المبالغة ابلغ من فاعل فيمكن أن تكون هذه المبالغة، لتعداد أعيان المرزوقين، ويمكن أن تكون لتعداد الرزق، ويحتمل أن يكون المراد هما جميعا.

فائدة أخرى ترجع إلى علم البيان: اعلم أن الدلالة على المعنى المقصود به، وجود الثناء بالصفة أبلغ من الدلالة عليه بالفعل. فقولك زيد محسن، أبلغ من قولك زيد يحسن، أو قد أحسن، وذلك لان الصفة تدل على الثبوت والاستقرار والأفعال أصل وضعها التجدد والانقراض فلذلك كان قوله تعالى:{إن الله هو الرزاق} أبلغ من قوله (إن الله هو يرزق). ولو قال: إن الله هو يرزق لم يفد إلا إثبات الرزق له، ولم يفد حصر ذلك فيه، فلما قال: {إن الله هو الرزاق} أفاد ذلك انحصار الرزق فيه، فكأنه لما قال: {إن الله هو الرزاق} فقد قال: لا رازق: إلا الله.

اقتران الخلق والرزق

↑↑

الآية الثانية في أمر الرزق قوله تعالى:

{الله الذي خلقكم ثم يرزقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم}.

تضمنت هذه الآية الكريمة فائدتين:

الأولى: أن الخلق والرزق مقترنان، أي كما سلمتم لله بأنه الخالق من غير دعوى منكم للخالقية معه، فكذلك سلموا له أنه الرزاق ولا تدعو ذلك معه، أي كما انفرد فيكم بالخلق والإيجاد، كذلك هو المنفرد بالرزق والإمداد، فقرنهما للاحتجاج على العباد ونهيا لهم أن يشهدوا رزقا من غيره، وإحسانه من خلقه، وانه تعالى كما خلق من حيث لا وسائط ولا أسباب، كذلك هو الرزاق من غير أن يتوقف رزقه على واسطة أو وجود سبب.

الفائدة الثانية: انه أفاد تعالى بقوله: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم} أن الرزق قد أمضى شأنه وأبرم أمره، وليس للقضاء فيه أمر يتجدد في الأحيان، ولا يتعاقب بتعاقب الزمان، وإنما يتجدد ظهوره لا ثبوته.

والرزق يطلق على قسمين. ↑↑

على ما سبق في الأزل قضاؤه، وعلى ما ظهر بعد وجود العبد إبداؤه.

والآية تحتمل الوجهين:

فان كان المراد ما سبقت به الأقدار، فثم لترتيب الأخبار، وإن كان المراد رزق الإظهار، فهي تنبيه للاعتبار.

وسر الآية التي سيقت من أجله، إثبات الإلهية لله تعالى، كأن يقول:يا من يعبد غير الله، الله الذي خلقكم، ثم رزقكم، ثم يميتكم ثم يحيكم؟ فهل تجدون هذه الأوصاف لغيره ؟ أم يمكن أن تكون لأحد من خلقه؟

فمن انفرد بها ينبغي أن يعترف بإلاهيته، ويوحد في ربوبيته،ولذلك قال بعد ذلك:

(هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء، سبحانه وتعالى عما يشركون).

وجوب أمر الأهل بالصلاة

↑↑

الآية الثالثة في أمر الرزق قوله تعالى:

(وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى):

وفي هذه الآية فوائد:الأولى أن تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان هو المخاطب بهذه الآية، فحكمها ووعدها متعلق بأمته أيضاً.

فكل عبد مقول له: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها،لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى).

وإذ قد فهمت هذا:فاعلم أن الله أمرك أيها العبد أن تأمر أهلك بالصلاة، لأنه كما يجب عليك أن تصل أرحامهم،بأسباب الدنيا، والإيثار بها، كذلك يجب عليك أن تصلهم بأن تهديهم إلى طاعة الله تعالى، وتجنبهم وجود معصيته.

وكما كان أهلك أولى ببرك الدنيوي، كذلك هم أولى ببرك الأخروي ولأنهم رعيتك، وقد قال صلى الله عليه وسلم:

(كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته).

وقال تعالى في الآية الأخرى: (وأنذر عشيرتك الأقربين).

كما قال ها هنا: (وأمر أهلك بالصلاة) ↑↑

الفائدة الثانية: أنظر إلى أنه تعالى أمره عليه الصلاة والسلام، في الآية، أن يأمر أهله قبل أن يأمر هو نفسه بالاصطبار عليها، ليعلمك أن الآية سيقت للأمر بأمر الأهل بالصلاة، وأن غير هذا إنما جاء بطريق التبع، وإن كان مقصودا في نفسه،  لكنه لما علم العبد أنه مأمور في نفسه بالصلاة علماًَ لا شك فيه، فأراد الحق تعالى أن ينبه العباد على ما لعلهم أن يهملوه، فأمر رسوله ليسمعوا بذلك فيتبعوا فيكونوا لذلك مسارعين على القيام به مثابرين.

تنبيه: اعلم أنه يجب عليك أن تأمر اهلك بالصلاة، من زوجة أو أمةٍ، أو ابنة، أو غير ذلك.

ولك أن تضربهم على تركها، وليس لك عند الله من حجة أن تقول: أمرت فلم يسمعوا.

فلو علموا أنه شق عليك ترك الصلاة كما يشق عليك إذا افسدوا طعاماً، أو تركوا شيئاً من أمر مهماتك ما تركوا، بل اعتادوا منك أن تطالبهم بحظوظ نفسك، ولا تطالبهم بحقوق الله، فلأجل ذلك أهملوها.

ومن كان محافظاً على الصلاة وعنده أهل لا يصلون، وهو غير آمر لهم بها، حشر يوم القيامة في زمرة المضيعين للصلاة.

فإن قلت: إني أمرتهم فلم يفعلوا، ونصحتهم فلم يقبلوا وعاقبتهم على ذلك بالضرب فلم يكونوا له فاعلين، فكيف أصنع ؟.

فالجواب: أنه ينبغي لك مفارقة من يمكن مفارقته، ببيع أو طلاق، والإعراض عمن لا يمكن بينونته عنك بذلك، وأن تهجرهم في الله، فإن الهجر في الله يوجب الصلة به.

الصبر والصلاة

↑↑

الفائدة الثالثة: قوله تعالى: (واصطبر عليها).

فيه إشارة إلى أن الصلاة تكليفاً للنفوس شافا عليها، لأنها تأتي في أوقات ملاذ العباد، وأشغالهم، فنطالبهم بالخروج عن ذلك كله، إلى القيام بين يدي الله تعالى والفراغ عما سوى الله.

ألا ترى أن صلاة الغداة تأتيهم في وقت منامهم، في وقت ألذ ما يكون المنام فيه، فطلب الحق فيهم ترك حظوظهم لحقوقه، ومرادهم لمراده، ولذلك كان في نداء الصبح خاصا به:

(الصلاة خير من النوم) مرتين.

وأما صلاة الظهر: فإنها تأتيهم في وقت قيلولتهم، ورجوعهم، من تعب أسبابهم.

وأما صلاة العصر:فإنها تأتيهم وهم  في متاجرهم وصنائعهم منهمكون وعلى أسباب دنياهم مقبلون.

وأما صلاة المغرب:فإنها تأتي في وقت تناولهم لأغذيتهم وما يقيمون به وجود بنيتهم.

وأما صلاة العشاء:فإنها تأتي وقد كثرت عليهم متاعب الأسباب التي كانوا فيها في بياض نهارهم، فلذلك قال سبحانه:{واصطبر عليها}.

وقال:{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}.

وقد قال:{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}

وقد قال: {وأقيموا الصلاة}. ↑↑

قال الله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}.

فجعل الصبر والصلاة مقترنين: إشارة إلى أنه محتاج في الصلاة إلى الصبر.

صبر على ملازمة أوقاتها، وصبر على القيام بواجباتها ومسنوناتها وصبر يمنع القلوب فيها من غفلاتها ولذلك قال الله تعالى بعد ذلك: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}.

فأفرد الصلاة بالذكر ولم يفرد الصبر به، إذ لو كان كذلك لقال: وانه لكبير، فذلك يدل على ما قلناه.

أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر، كما قال في الآية الأخرى:

{والله ورسوله أحق أن يرضه}.

وقال تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله}.

وقال تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها}. فافهم.

أسرار الصلاة

↑↑

والصلاة شأنها عظيم، وأمرها عند الله جسيم ولذلك قال تعالى:{إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الأعمال أفضل قال: (الصلاة لوقتها).

وقال صلى الله عليه وسلم: (المصلى يناجي ربه).

وقال صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه في السجود).

ورأينا أن الصلاة اجتمع فيها من العبادات ما لم يجتمع في غيرها، منها:

الطهارة، والصمت، واستقبال القبلة، واستفتاح بالتكبير، والقراءة، والقيام، والركوع، والسجود، والتسبيح في الركوع والسجود، والدعاء في السجود، إلى غير ذلك. فهي مجموع العبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عباده، والقراءة بمجردها عبادة، وكذلك التسبيح والدعاء والركوع والسجود والقيام. فكل واحد منها بمجرده عباده، ولولا خشية الإطالة لبسطنا الكلام في أسرارها وشوارق أنوارها، وهذه اللمعة هاهنا كافية، والحمد الله.

قم بخدمتنا ونحن نقوم لك بقسمتنا

↑↑

الفائدة الرابعة: قوله تعالى {لا نسألك رزقا نحن نرزقك} أي لا نسألك أن ترزق نفسك، ولا اهلك.

وكيف نأمرك بذلك، ونكلفك أن ترزق نفسك، وأنت لا تستطيع ذلك؟

وكيف يحمد بنا أن نأمرك بالخدمة، ولا نقوم لك بالقسمة؟

فكأنه سبحانه لما علم أن العباد ربما يشوش عليهم طلب الرزق في دوام الطاعة، وحجبهم ذلك عن التفرغ للموافقة، فخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم ليسمعوا فقال:

{وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، لا نسألك رزقا، نحن نرزقك} أي قم بخدمتنا ونحن نقوم لك بقسمتنا وهما شيئان: شيء ضمنه الله لك فلا تتبعه، وشيء طلب منك فلا تهمله.

فمن اشتغل بما ضمن له عما طلب منه، فقدم عظم جهله واتسعت غفلته وقل ما يتنبه لمن يوقظه، بل حقيق على العبد أن يشتغل بما طلب منه، عما ضمن له. ↑↑

إذا كان سبحانه قد رزق أهل الجحود، فكيف لا يزرق أهل الشهود؟

وإذا كان قد أجرى رزقه على أهل الكفران، فكيف لا يجري رزقه على أهل الإيمان؟

فقد علمت أيها العبد، أن الدنيا مضمونة لك، مضمون لك، منها ما يقام بأودك والآخرة، مطلوبة منك، أي العمل لها بقوله تعالى: {وتزودوا فان خير الزاد التقوى}.

فكيف يثبت لك عقل، أو بصيرة، واهتمامك فيما ضمن لك اقتطعك عن اهتمام بما طلب منك، حتى قال بعضهم:

(إ الله ضمن لنا الدنيا، وطلب منا الآخرة فليته ضمن لنا الآخرة، وطلب منا الدنيا).

وأنى قوله تعالى: {ونحن نرزق} على هذه الصيغة، ليدل ذلك على الاستقرار والدوام لأن قولك: أنا أكرمك، ليس كقولك أنا أكرمتك، لأن قولك أنا أكرمك يدل على إكرام بعد إكرام.

وقولك أنا أكرمتك، لا يدل إلا على أن ثم إكراما كان وقوعه فيما مضى من غير أن يدل على التكرار والدوام.

فقوله تعالى: {نحن نرزقك} أي رزقا بعد رزق، لا نعطل عنك منتنا، ولا نقطع عنك نعمتنا.

ولما تفضلنا على العباد بالإيجاد، فكذلك أيضا قمنا لهم بدوام الإمداد، ثم قال تعالى: {والعاقبة للتقوى}.

كأنه تعالى يقول: نحن نعلم إذا تبتلت لخدمتنا، وتوجهت لطاعتنا، معرضا عن أسباب الدنيا، تاركا للدخول فيها، والاشتغال بها، لا يكون رزقك فيها رزق المترفين، ولا عيشك عيش المتوسعين،  ولك اصطبر على ذلك فان العاقبة للتقوى، كما قال تعالى في أول الآية الأخرى:

{ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم، زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى}.

فان قلت: لماذا خص التقوى بالعاقبة، وأهل التقوى لهم مع العاقبة العيشة الطيبة في الدنيا، لقوله تعالى:

{من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}.

فاعلم انه تعالى يخاطب العباد على حسب عقولهم، فكأنه يقول: أيها العباد إن نظرتم أن لأهل الغفلة والعدوان بداية فلأهل التقوى والإيمان نهاية، والعاقبة للتقوى. ↑↑

فخاطب العباد على حسب ما تصل إليه عقولهم وتدركه إفهامهم، كما جاء: الله اكبر، وإن كان غيره لم يشاركه على الكبرياء، لكن لما كانت النفوس قد تشهد كبرياء الآثار كما قال تعالى:

{لخلق السماوات والأرض اكبر من خلق الناس}.

فكأنه يقال لها: أن كان ولا بد وشهدت لشيء كبرياء، فالله عز وجل اكبر منه واكبر من كل كبير، كما جاء: الصلاة خير من النوم.

فلو قيل: ليس في النوم خير، قالت النفوس: قد أدركت لذاذاته وراحته، فسلم لها ما أدركت، ثم قيل لها:  ما دعوناك إليه، خير مما هو خير عندك، الصلاة خير من النوم.

لأن ما ملت إليه من المنام عرض يفنى، وما دعوناك إليه معاملة يبقى جزاؤها ما يفنى، وما عند الله خير وأبقى.

أهل المعرفة بالله

↑↑

فائدة جليلة: اعلم أن الآية علمت أهل الفهم عن الله، كيف يتطلبون رزقه، فإذا توقفت عليهم أسباب المعيشة أكثروا من الخدمة والموافقة، لأن هذه الآية دلتهم على ذلك.

إلا ترى أنه قال تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك}.

فجاء الوعد بالرزق بعد أمرين:

أحدهما: أمر الأهل بالصلاة، والآخر: الاصطبار عليها.

ثم بعد ذلك قال: {نحن نرزقك}.

ففهم أهل المعرفة بالله، انه إذا توقفت عليهم أسباب المعيشة، قرعوا باب الرزق بمعاملة الرزاق، لا كأهل الغفلة والعمى إذا توقفت عليهم أسباب الدنيا، ازدادوا كدحا فيها، وتهافتا فيها، بقلوب غافلة، وعقول عن الله ذاهلة، وكيف لا يكون أهل الفهم عن الله تعالى كذلك، وقد سمعوا الله تعالى يقول:

{وأتوا البيوت من أبوابها}.

فعلموا أن باب الرزق طاعة الرزاق، فكيف يطلب منه رزقه بمعصيته.

أم كيف يستمطر فضله بمخالفته؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: (انه لا ينال ما عند الله بالسخط).

أي لا يطلب رزقه إلا بالموافقة له، وقال سبحانه وتعالى مبينا لذلك: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب}. وقال تعالى: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا}.

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن التقوى مفتاح الرزقين: رزق الدنيا ورزق الآخرة، كما قال تعالى:

{ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم، ولأدخلناهم جنات النعيم، ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما انزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم}.

فبين سبحانه وتعالى أنهم لو أقاموا التوراة والإنجيل، أي عملوا بما فيهما لأكلوا من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، أي لوسعنا عليهم أرزاقهم وأدمنا عليهم إنفاقنا، لكنهم لم يفعلوا ما نحب، فلأجل ذلك لم نفعل بهم ما يحبون.

أمر الرزق

↑↑

الآية الرابعة: في أمر الرزق قوله تعالى:

{وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين}.

فهذه الآية صرحت بضمان الحق الرزق، وقطعت ورود الهواجس والخواطر، على قلوب المؤمنين، فان وردت على قلوبهم كرت عليها جيوش الإيمان بالله، والثقة بها، فهزمتها.

{بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}.

فقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}.

ضمان تكفل به لعباده تعريفا بوداده، ولم يكن ذلك واجبا عليه، بل أوجبه على نفسه إيجاب كرم وتفضل.

ثم انه عمم الضمان فكأنه يقول:

أيها العبد ليست كفالتي ورزقي خاصا بك، بل كل دابة في الأرض، فأنا كافلها ورازقها، وموصل إليها قوتها.

فاعلم بذلك سعة كفالتي وغنا ربوبيتي: وان الأشياء لا تخرج عن إحاطتي وثق بي كفيلا، واتخذني وكيلا.

فإذا رأيت تدبيري لأصناف الحيوانات، ورعايتي لها، وقيامي بحسن الكفالة بها، وأنت اشرف هذا النوع فأنت أولى بان تكون بكفالتي واثقا ولفضلي رامقا.

إلا ترى كيف قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} على سائر أجناس الحيوان؟ أي إذ دعوناهم إلى خدمتنا ووعدناهم دخول جنتنا، وخطبناهم إلى حضرتنا.

تفضيل الآدمي على غيره

↑↑

ومما يوضح لك كرامة الآدمي عن غيره من المكنونات، أن المكنونات مخلوقات من اجله، وهو مخلوق من اجل حضرة الله تعالى. سمعت شيخنا أبا العباس رحمه الله تعالى يقول:

(قال الله سبحانه: يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من اجلي، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له).

وقال سبحانه وتعالى: {والأرض وضعها للأنام}.

وقال تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه}.

وسمعت الشيخ رحمه الله تعالى يقول:

الأكوان كلها عبيد سخرها لك، وأنت عبيد الحضرة.

وقال تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وان الله قد أحاط بكل شيء علما}.

فقد بين لك أن السماوات والأرض مخلوقة من اجل أن تعلم أيها الآدمي.

فإذا علمت أن الأكوان مخلوقة من أجلك، إما انتفاعا وإما اعتبارا وهو نفع أيضا.

فينبغي لك أن تعلم أن الله تعالى، إذا رزق من مخلوق من أجلك، كيف لا يكون لك رازقا؟

ألم تسمع كيف قال تعالى: {وفاكهة وأبا، متاعا لكم ولأنعامكم}.

وقوله تعالى: ويعلم مستقرها ومستودعها.

تأكيد لأنه المتكفل بها أي لا يخفى عليه مكانها، ولا ينبهم عليه شأنها، بل يعلم مكانها فيوصل إليها ما قسم لها.

شأن الرزق

↑↑

الآية الخامسة: في شأن الرزق قوله تعالى:

{وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض انه لحق مثل ما أنكم تنطقون}.

وهذه الآية هي التي غسلت الشكوك من قلوب المؤمنين و أشرقت في قلوبهم أنوار اليقين، فأوردت على قلوبهم الزوائد ما تضمنته من الفوائد، وذلك أنها تضمنت ذكر الرزق، ومحله، والقسم عليه، والتشبيه له بأمر لا خفاء به، ولنتبع ذكر هذه الفوائد فائدة فائدة.

الفائدة الأولى: اعلم انه تعالى لما علم كثرة اضطراب النفوس في شأن الرزق كرر ذكره لما تكررت ورود عوارضه على القلوب، كما تكرر الحجة إذا علمت أن الشبهة متمكنة في نفس خصمك كما كرر تعالى الاستدلال على المعاد في آيات عديدة لما اضطربت فيه الملحدون واستبعدوا أن يعود الإنسان بعد أن تمزقت أوصاله واضمحل بناءه، وصار ترابا أو أكلته السباع والهوام فاحتج عليهم في كتابه العزيز حججا كثيرة منها قوله تعالى:

{وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال: مني يحي العظام وهو رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة}.

وبقوله في الآية الأخرى: {وهو أهون عليه}.

وبقوله تعالى: {أن الذي أحياها لمحيي الموتى}.

إلى غير ذلك وكذلك لما علم الحق شدة اضطراب النفوس في أمر ومنها أكد الحجة في ذلك في آيات عديدة منها: ما تقدم ذكره، الرزق ما لم نذكره.

فلما علم الحق تعالى ذلك من نفوس العباد.

وقال تارة: {أن الله هو الرزاق}.

وقال أخرى: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم}.

وقال أخرى: {نحن نرزقك}.

وقال أخرى: {أمن هذا الذي يرزقكم إن امسك رزقه}.

 وقال هاهنا: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}. ↑↑

ليبين محل الرزق، فتسكن إليه القلوب، وليس الضمان مع إبهام الحمل، كالضمان مع تبيينه، فكأنه تعالى يقول:

لم يكن يجب علينا أن نبين لكم محل رزقكم، لكم عندنا رزق نوصله لكم إذا جاء أبانه، وليس علينا بيانه، ولكن بلطفه ورحمته وفضله ومنته، بين محل الرزق ليكون ذلك ابلغ في ثقة النفوس به، وأقوى في دفع الشك.

وفيه فائدة أخرى: وهو انه تضمن تبيين المحل رفع همم الخلق، عن الخلق وان لا يطلبوا إلا من الملك الحق، وذلك إذا وقع في قلبك طمع في مخلوق، أو حوالة على سبب قال لك تعالى:

{وفي السماء رزقكم وما توعدون}.

أي يا هذا المتطلع للرزق من المخلوق الضعيف العاجز في الأرض ليس رزقك عنده وإنما رزقك عندي وأنا الملك القادر، ولأجل هذا انه لما سمع بعض الأعراب هذه الآية،نحر ناقته،وخرج فارا إلى الله تعالى وهو يقول:(سبحان الله، رزقي في السماء وأنا اطلبه في الأرض).

فانظر رحمك الله كيف فهم عن الله أن مراده بهذه الآية، أن يدفع همم عباده إليه، وان يكون رغبتهم فيما لديه، كما قال في الآية الأخرى: {وان من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم}.

لتجأش الهمم إلى بابه، ولتجنح القلوب إلى جنابه، فكن رحمك الله سماويا، ولا تكن سفليا ارضيا، ولذلك قال بعضهم:

إذا أعطشتك أكف اللئام *** كفتك القناعة شبعا وريا

فكن رجلا جسمه في الثر *** وهامة همته في الثريا

فان إراقة ماء الحياة *** دون إراقة ماء المحيا

وسمعت شيخنا أبا العباس رحمه الله يقول: (والله ما رأت العز إلا في رفع الهمم عن الخلق، وإذ أيها الأخ رحمك الله هاهنا قوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}. ↑↑

فمن العزة التي اعز الله بها المؤمن رفع همته إلى مولاه، وثقته به، دون ما سواه، واستح من الله أن تكون بعد أن كساك حلة الإيمان وزينك بزينة العرفان، أن تستولي عليك الغاتلة والنسيان حتى تميل إلى الأكوان أو تطلب من غيره وجود إحسان، ولذلك قال بعضهم:

ابعد نفوذي في علوم الحقائق *** وبعد انبساطي في مواهب خالقي

وفي حين إشرافي على ملكوته*** أرى باسطا كفي إلى غير رازقي

↑↑

فان كلفتك النفس الغافلة عن مولاها، بان ترفع حاجتك إلى المخلوقين، فارفعها إلى من يرفع ذلك المخلوق حاجته إليه، وهين على النفس أن تهين إيمانك لتحصيل هواها، وان تذللت لتبلغ معناها كما قال بعضهم:

تكلفت إذلال نفس لعزها *** وهان عليها أن أهان لتكرما

تقول سل المعروف يحيى بن أكثم *** فقلت سلي ربا لحيى بن أكثما

↑↑

وقبيح بالمؤمن أن ينزل حاجته بغير الله مع علمه بوحدانيته وانفراده بربوبيته ويسمع قوله تعالى:

{أليس الله بكاف عبده}.

وذلك من كل أحد قبيح، ومن المؤمن أقبح، وليذكر قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}.

ومن العقود التي عاقدته عليها، أن لا ترفع حوائجك إلا إليه، ولا تتوكل إلا عليه، وذلك لازم إقرارك له بالربوبية يوم المقادير، يوم ألست بربكم؟ قالواٍ بلى:

فكيف تعرفه وتوحده هنالك وتجهله هنا؟ وقد تواتر عيك إحسانه، وغمرك فضله وامتنانه كما قال بعضهم:

في القلب لكم منزلة عليه *** لا نسكنها سعدى ولا لبناء

في الذر عرفتكم فهل يجمل بي *** أن أنكركم ولحيتي شمطاء

ورفع الهمة عن الخلق هو ميزان الفقراء، ومسبار الرجال وكما توزن الذوات كذلك توزن الأحوال والصفات:

{وأقيموا الوزن بالقسط} فيظهر الصادق بصدقه، والمدعي بمذقه: {ما كان ليذر المؤمنين على ما انتم عليه، حتى يميز الخبيث من الطيب}. ↑↑

وقد ابتلى الله بحكمته ووجود منته، الفقراء الذين ليسوا بصادقين بإظهار ما كمنوا من الرغبة، وأسروا من الشهوة، فابتذلوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم ملائمين لهم، موافقين لهم على مآدبهم، مدفوعين على أبوابهم فترى الواحد منهم يتزين كما يتزين العروس، مفتونون بإصلاح ظواهرهم غافلون عن إصلاح سرائرهم.

ولقد وسمهم الحق سبحانه وتعالى بسمة كشف بها عوراتهم واظهر أخبارهم فبد أن كان نسبته أن لو صدق مع الله أن يقال فيه عبد الكبير فأخرج عن هذه النسبة بعدم صدقه فصار يقال فيه:

شيخ الأمير، أولئك الكذابون على الله، الصادون للعباد عن حصبة أولياء الله لأن ما يشهده العموم فيهم، يحسبونه على كل منتسب إلى الله، صادق وغير صادق فهم حجب أهل التحقيق وسحب شموس أهل التوفيق، ضربوا طبولهم، ونشروا أعلامهم ولبسوا دروعهم، فإذا وقعت الحملة ولوا على أعقابهم، ناكسين ألسنتهم منطلقة بالدعوى، وقلوبهم خالية من التقوى، ألم يسمعوا قوله تعالى: {ليسأل الصادقين عن صدقهم}. ↑↑

أترى إذا سأل الصادقين أيترك المدعين من غير سؤال؟

ألم يسمعوا قول الله تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنت تعملون}. فهم في إظهار زي الصادقين، وعملهم عمل المعرضين كما قيل:

أما الخيام فإنها كخيامهم *** وأرى نساء الحي غير نسائها

لا والذي حجت قريش بيته *** مستقبلين اركن من بطحائها

ما أبصرت عيني خيام قبيلة *** إلا بكيت أحبتي بفنائها

↑↑

فقد علمت رحمك الله أن رفع الهمة عن الخلق هو زينة أهل الطريق وسيمة  أهل التحقيق، ولنا في هذا المعنى:

بكرت تلوم على زمان أجحفا *** فصدفت عنها علها أن تصدفا

لا تكثري عتبا لدهرك انه *** ما أن يطالب بالوفاء ولا الصفا

ما ضرني أن كنت فيه خاملا *** فالبدر بدر أن بدا أو إن خفا

الله يعلم أنني ذو همة *** تأبى الدنايا عفة وتطرفا

لم لا أصون عن الورى ديباجتي *** واريهم عز الملوك واشرفا

أأريهم أني الفقير إليهم *** وجميعهم لا يستطيع تصرفا

أم كيف اسأل رزقه من خلقه *** هذا لعمري أن فعلت هو الجفا

شكوى الضعيف إلى ضعيف مثله *** عجز أقام بحامليه على شفا

فاسترزق الله الذي إحسانه *** عم البرية منة وتلطفا

والجأ إليه تجده فيما ترتجي *** لا تعد عن أبوابه متحرفا

↑↑

الفائدة الثانية:

يحتمل أن يكون قوله سبحانه وتعالى: {وفي السماء رزقكم} أن يكون المراد إثبات رزقكم أي إثباته في اللوح المحفوظ، فإن كان المراد كذلك، فهو تطمين للعباد، وإعلام لهم أن رزقكم، أي الشيء الذي منه رزقكم كتبناه عندنا وأثبتناه في كتابنا وقضيناه بآياتنا من بل وجودكم وعيناه من قبل ظهوركم.

فلأي شيء تضطربون؟ وما لكم إلي لا تسكنون؟ وبوعدي لا تتقون؟

ويحتمل أن يكون المراد {وفي السماء رزقكم}.

أي الشيء الذي منه رزقكم، وهو الماء كما قال تعالى:

{وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون؟}.

وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو المطر.

فيكون قوله: {وفي السماء رزقكم} أي الشيء الذي منه أصل رزقكم، ولأن الماء في نفسه رزق.

الفائدة الثالثة: يمكن أن يكون مراد الحق سبحانه وتعالى بهذه الآية، تعجيز العباد عن دعوى القدرة على الأسباب لأن الله تعالى، لو امسك الماء عن الأرض، لتعطل سبب كل ذي سبب، من حارث وزارع، وتاجر، وخائط، وكاتب، وغير ذلك فكأنه يقول:

ليست أسبابكم هي الرازقة لكم ولكن أنا الرازق لكم وبيدي تيسير أسبابكم، أنا المنزل لكم ما به كانت أسبابكم، وتمت إكسابكم.

الفائدة الرابعة: في اقتران الرزق بالأمر الموعود، فائدة جليلة وذلك أن المؤمنين لما علموا أن ما وعدهم الحق لا بد من كونه، ولا قدرة لهم على تعجيله ولا تأجيله ولا حيلة لهم في جلبه، فكأنه سبحانه وتعالى يقول:

كما لا شك عندكم أن عندنا ما توعدون، كذلك لا يكن عندكم شك في أن عندنا ما ترزقون.

وكما أنكم على استعجال ما وعدنا قبل وقته عاجزون، كذلك انتم عاجزون عن أن تستعجلوا رزقا أجلته ربوبيتنا ووقته إلاهيتنا.

الفائدة الخامسة، قوله سبحانه وتعالى:

↑↑

(فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون)

في ذلك حجة عظيمة على العباد أن يكون الوفي لوعد الذي لا يخلف الميعاد يقسم للعباد على ما ضمن لهم لعلمه بما النفوس منطوية عليه من الشك والاضطراب ووجوب الارتياب فلذلك قالت الملائكة حين سمعت هذه الآية:

(هلك بنو آدم، أغضبوا ربهم الجليل، حتى أقسم).

وقال بعضهم حين سمع هذه الآية:

(سبحان الله: من ألجأ الكريم إلى القسم؟).

ومن علمت ثقته بك لم تحتج إلى القسم معه، وإذا علمت اضطرابه في وعدك أقسمت له.

فهذه الآية: سرت أقواما، وأخجلت آخرين.

أما الذين سرتهم: فهم في المقام الأول، إذ يزيد بها إيمانهم،ويرسخ بها إيقانهم فينتصروا بها على وساوس الشيطان، وشكوك النفس.

وأما الذين أخجلتهم: فإنهم علموا أن الحق سبحانه وتعالى علم منهم عدم الثقة، ووجود الاضطراب فأقامهم مقام أهل الشك، فأقسم لهم فأخجلهم ذلك حياء منع، وذلك مما أفادهم الفهم عنه.

ورب شيء واحد أوجب سرور أقوام وحزن آخرين، على حسب تفاضل الإفهام، وواردات الإلهام، ألم ترى أنه أنزل قوله تعالى:

(اليوم أكملت لكم دينكم،وأتممت عليكم نعمتي، ورضين لكم الإسلام دينا).فرح بها الصحابة، وحزن بها أبو بكر رضي الله عنهم أجمعين لأنه فهم منها نعى رسول الله صلى اله عليه وسلم، فبكى وأخذ من ذلك أن الشيء إذا استتم خيف عليه من التراجع إلى وجود النقصان كما قال:

إذ تم شيء دنا نقصه *** توقع زوالا إذا قيل تم

إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم

↑↑

واعلم أن الأمر لا يتقاصر ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم حياً وفرح الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، لظاهر البشارة التي فيها ولم ينفذوا لما نفذ إليه أبو بكر رضي الله عنه، فظهر لذلك سر قوله صلى الله عليه وسلم:

(ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره).

والذي كان سابقاً هو بعينه هو الذي أوجب أن يفهم ما لم يفهم غيره.ومثل ذلك وله سبحانه وتعالى:

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون).

وسمعت الشيخ أبا محمد المرجاني رحمه الله يقول:

(قوم سمعوا هذه الآية الكريمة، فاستبشروا بهذه المبايعة، فابيضت وجوههم سرورا بها،إذ أهلهم الحق أن يشتري منهم، وإذ أجل أقدارهم، إذ رضيهم للشراء، وسرورا بالثمن الجليل. والثواب الجزيل.

وقوم اصفرت وجوههم خجلا من الله تعالى، إذ اشترى منهم ما هو مالكه. فلولا أنه علم منهم وجود الدعوى الكامنة في أنفسهم ودعوى المالكية منهم لها،لما قال: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم…..).

 فكان للذين ابيضت وجوههم جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما.

وكان للذين اصفرت وجوههم جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).انتهى كلام الشيخ.

فلو سلم المؤمنون من بقايا المنازعة، ما أوقع عليهم مبايعة ولذلك قال الله تعالى:

(إن الله اشترى من المؤمنين….) ولم يقل:من الأنبياء والمرسلين ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: النفوس على ثلاثة أقسام نفس لا تشتري لخستها، ونفس تشتري لكرامتها، ونفس لا يقع عليها الشراء لثبوت حريتها.

فالأولى: نفوس الكافرين،لا يقع عليها الشراء لخستها.

والثاني: نفوس المؤمنين، وقع عليها الشراء لكرامتها.

والثالث: نفوس الأنبياء والمرسلين، لم يقع عليها الشراء لثبوت حريتها.

الفائدة السادسة: وهو أنه تعالى أقسم بالربوبية الكاملة للسماء والأرض، ولم يقسم بغيرها من الأسماء، وذلك لأن الربوبية الكاملة للسماء والأرض لا ينبغي أن يشك في الثقة بها، ومن شأنهما كفالة هذا العالم العظيم، الذي أنت فيه، وإذا نسبت إليه كنت كلا شيء موجود فيه، فذلك أبلغ في وجود الثقة من أن يقول: فهو السميع، أو العليم، أو الرحمن، أو غير ذلك من الأسماء.فافهم.

الفائدة السابعة:قوله سبحانه وتعالى: (فورب السماء والأرض إنه لحق).

والحق هو ضد الباطل، والباطل هو المعلوم الذي لا ثبات له، والرزق والشك في الرزق، شك في الرزاق، حتى كان بعضهم ينبش المقابر ثم تاب، فقال لبعض العارفين: نبشت ألف قبر فوجدتهم كلهم محولة عن القبلة، فقال عارف ذلك الزمان: إنما حول وجوههم عن القبلة تهمة الرزق.

↑↑

الفائدة الثامنة: قوله تعالى:(مثل ما أنكم تنطقون) تأكيد في إثبات الرزق، وتقرير لحقيقته، وأنه لا ينبغي أن يرتاب فيه مؤمن، ولا يشك فيه موقن، وأن ثبوته بمشهد بصائر القلوب كثبوت المنطق الظاهر بمشهد الأبصار فنقل المعنى إلى الصورة ومثل الغيب بالشهادة، وقطع شك العباد في أمر الرزق.

أي أفكما تنطقون، لا تشكون في ذلك، لما أثبته العيان، كذلك لا ترتابوا في أمر الرزق فقد أثبنه نور الإيمان.

فانظر رحمك الله اعتناء الحق سبحانه وتعالى بأمر الرزق وتكراره له، ونبين مواطنه، وتنظيره بالأمور المحسوسة التي لا يرتاب فيها شاهدها،  وأقسامه على ذلك بالربوبية المحيطة بالسماء والأرض، وكذلك تكرر في كلام صاحب الشرع صلوات الله عليه، فقال:

(إن روح القدس نفث في روعي، أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب).

وقال عليه الصلاة والسلام: (لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا).

وقال عليه الصلاة والسلام: (طالب العلم تكفل الله رزقه) إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في ذلك.

وجود السبب لا ينافي التوكل

↑↑

فائدة: اعلم انه لا ينافي التوكل على الله في أمر الرزق وجود السبب، كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال: (فاتقوا الله وأجملوا في الطلب). فقد أباح الطلب، ولو كان منافيا لمقام التوكل على الله، لما أباحه لأنه لم يقل إلا تطلبوا، وإنما قال: أجملوا في الطلب. فكأنه قال: إذا طلبتم مجملين، أي كونوا مع الله في الطلب متأدبين واليه مفوضين. فقد أباح صلوات الله عليه وسلامه، وجود الطلب، والطلب من الأسباب، وقد سبق قوله عليه الصلاة والسلام: (أحل ما أكل المرء من كسب يمينه).

إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جواز الأسباب، بل على الحث عليها، والندب إليها.

حكمة الأخذ بالأسباب

↑↑

وفي الأسباب فوائد منها:

(الفائدة الأولى): أن الحق تعالى، علم ضعف قلوب العباد وقصورهم عن مشاهدة القسمة وعجزهم عن صدق الثقة، فأباح له الأسباب إسناد لقلوبهم، وتثبيتا لنفوسهم، فكان ذلك من فضله عليهم.

الفائدة الثانية: إن في الأسباب صيانة للوجوه عن الابتذال بالسؤال وحفظ لبهجة الإيمان أن تزول بالطب من الخلق فما يعطيك الله من الأسباب فلا منة فيه لمخلوق عليك، إذ لا يمن عليك أحد إن اشترى منك أو استأجرك على عمل شيء، فانه في حظه سعي ونفع نفسه قصد، فالسبب اخذ منه بغير منة.

الفائدة الثالثة: إن في شغل العباد بأسبابهم شغلا عن معصيته، والتفرغ إلى مخالفته، إلا تراهم إذا تطلعت أسبابهم في أعيادهم وغيرها، كيف يتعرف أهل الغفلة لمخالفة الله تعالى؟ وينهمكون في معصية الله فكأن شغلهم بالأسباب زحمة من الله عليهم.

الفائدة الرابعة: إن في الأسباب والقيام بها رحمة بالمتجردين ومنة من الله على المتوجهين لطاعته والمتفرغين لها، ولا قيام لأهل الأسباب فها فكيف كان يصح لصاحب الخلوة خلوته، ولصاحب المجاهدة مجاهدته، فجعل الحق تعالى الأسباب كالخدمة للمتوجهين إليه، المقبلين عليه.

الفائدة الخامسة: إن الحق تعالى أراد من المؤمنين أن يتآلفوا لقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}.

فكانت الأسباب سببا لتعارفهم، وموجبة لتواددهم، ولا ينكر الأسباب إلا جاهل أو عبد عن الله غافل.

ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى الله أمرهم بالخروج عن أسبابهم ولكن اقرهم على ما يرضاه الله منها ودعاهم إلى وجود الهدى، والقرآن والسنة محشوان بإثبات الأسباب. ↑↑

ولقد أحسن من قال:

ألم تر أن الله قال لمريم *** إليك فهزي الجذع يساقط الرطب

ولو شاء أدنى الجذع من غير هزها** إليها ولكن كل شيء له سبب

إشارة إلى قوله تعالى:

{وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا}.

وظاهر صلوات الله عليه وسلامه بين درعين يوم أحد، وأكل عليه الصلاة والسلام القثاء بالرطب، وقال: (هذا يدفع ضرر هذا)، وذلك كثير. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (تغدو خماصا وتروح بطانا) إثبات الأسباب أيضا. لأن غدوها ورواحها، سبب أقيمت فيه، فهو كغدو الآدميين إلى مكاسبهم، ورواحهم إليها. والقول الفصل في ذلك انه لا بد لك من الأسباب وجودا، ولا بد لك من الغيبة عنها شهودا. فأثبتها من حيث أثبتها بحكمته، ولا تستند إليها لعلمك بأحديته.

فان قلت: فما هو الإجمال في الطلب في قوله عليه الصلاة والسلام: (فاتقوا الله وأجملوا في الطلب).

أوجه الإجمال في الطلب

↑↑

فاعلم أن الإجمال في الطلب يحتمل وجوها كثيرة، ونحن نذكر منها، ما فتح الله به بفضله.

فاعلم رحمك الله: أن الطالب للرزق على قسمين:

عبد يطلبه منهمكا عليه، ومتوجها بكل همته إليه، وذلك مما يصرف وجهته عن الله لن الهمة إذا توجهت لشيء انصرفت عما عداه، قال الشيخ أبو مدين رحمه الله: (ليس للقلب إلا وجهة واحدة، أن وجهته إليها تصرف عن غيرها وقد قال الحق سبحانه وتعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه}. أي ما جعل له من وجهتين في وقت واحد وذلك لضعف البشرية عن التوجه إلى وجهتين.

فما توجه إنسان إلى وجهتين إلا ويقع الخلل في إحدى الوجهتين والقيام بالأوجه كليا في الوقت الواحد من غير أن يقع في شيء منها خلل، إنما ذلك من شأن الإلهية، ولذلك قال سبحانه وتعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}.

فأفاد بذلك انه متوجه لأهل السماء، ولأهل الأرض، لا يشغله توجهه  لأهل الأرض، ولا توجهه لأهل الأرض عن توجهه لأهل السماء، ولا شيء عن شيء. فلذلك كرر سبحانه وتعالى ذكر الإلهية في الآية الكريمة، ولو لم يكررها لم يفد ذلك من هذا اللفظ، بل مما يوجبه ما هو الحق عليه سبحانه. فتبين لك من هذا: أن من طلب الرزق مكبا عليه، مشتغلا عن الله تعالى به، فليس مجملا في الطلب، ومن طلبه على غير ذلك فهو مجمل.

وجه ثان وهو: أن الأجمال في الطلب أن يطلب من الله تعالى، ولا يعين قدرا، ولا سببا، ولا وقتا، فيرزقه الحق ما شاء، كيف شاء في أي وقت شاء، وذلك من حسن الأدب في الطلب. ومن طلب وعين قدرا، أو سببا أو وقتا، فقد تحكم على ربه، وأحاطت الغفلة بقلبه. ويحكى عن بعضهم، انه كان يقول:

(وددت لو أن تركت الأسباب وأعطيت كل يوم رغيفين). يريد بذلك أن يستريح من تعب الأسباب، قال: فسجنت ثم كنت في السجن يؤتى لي كل يوم برغيفين، فطال ذلك علي حتى ضجرت، ففكرت يوما في أمري. فقيل لي: (انك طلبت منا كل يوم رغيفين ولم تطب منا العافية، فأعطيناك ما طلبت). فاستغفرت الله من ذلك، ورجعت إلى الله فإذا بباب السجن يقرع، فتخلصت وخرجت. ↑↑

فتأدب أيها المؤمن، ولا تطلب أن يخرجك من أمر، ويدخلك فيما سواه، إذا كان ما أنت فيه مما يوافق لسان العلم، فان ذلك من سوء الأدب مع الله.فاصبر لئلا تطلب الخروج بنفسك، فتعطى ما طلبت وتمنع الراحة فيه، فرب تارك سببا، وداخل في غيره ليجد الثروة والراحة، فأتعب وقوبل بوجود التعسر عقوبة لوجود الاختيار.

وفي كلام كتبناه في هذا الكتاب: “طلبك للتجرد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية وطلبك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية.” فافهم رحمك الله: أن من شأن هذا العدو أن يأتيك فيما أنت فيه مما أقامك الله فيه، فيحقره لتطلب غير ما أقامك الله فيه، فيتشوش قلبك ويتكدر وقتك. وذلك انه يأتي للمتسببين فيقول: لو تركتم الأسباب وتجردتم لأشرقت لكم الأنوار، ولصفت منكم القلوب والأسرار، قائلا: وكذلك صنع فلا وفلان، ويكون هذا العبد ليس مقصودا بالتجرد، ولا طاقة له به، وإنما صلاحه في الأسباب فيتركها فيتزلزل إيمانه، ويذهب إيقافه، ولا يتوجه إلى الطلب من الخلق، والى الاهتمام بأمر الرزق، فيرمى في بحر القطيعة، وذلك قصد العدو فيه. لأنه إنما يأتيك في صورة ناصح، إذ لو أتاك في غيرها لم تقبل منه وكما أتى آدم وحواء عليهما السلام في صورة ناصح: {وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين). كما تقدمك بيانه. {وقاسمهما أني لكما من الناصحين}. كما تقدم بيانه.

وكذلك يأتي للمتجردين ويقول لهم: إلى متى تتركون الأسباب؟ ألم تعلموا أن ترك الأسباب تتطلع مع القلوب إلى ما في أيدي الناس، ويفتح باب الطمع، ولا يمكن الإسعاف ولا الإيثار، ولا القيام بالحقوق؟ وعوض ما تكون منتظرا ما يفتح به عليك من الخلق، فلو دخلت في الأسباب بقي غيرك منتظرا ما يفتح عليه منك. إلى غير ذلك، ويكون هذا العبد قد طاب وقته وانبسط نوره ووجد الراحة بالانقطاع عن الخلق، فلا يزال به حتى يعود إلى الأسباب فيصيبه كدرتها، وتغشاه ظلمتها، ويعود الدائم في سببه أحسن حالا منه. لأن ذلك ما سلك طريقا ثم رجع عنها، ولا قصد قصدا ثم انعطف عنه، فافهم واعتصم بالله منه: {ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم}. وإنما قصد الشيطان بذلك أن يمنع العباد من الرضا عن الله فما لهم فيه، وأن يخرجهم عما اختاره الله تعالى لهم إلى مختارهم لأنفسهم. وما أدخلك الله تعالى فيه، تولى إعانتك عليه، وما دخلت فيه بنفسك وكلك إليه. ↑↑

{وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا}.

فالمدخل الصدق: أن تدخل به لا بنفسك، والمخرج الصدق أيضا كذلك، فافهم.

والذي يقتضيه الحق منك أن تمكن حيث أقامك حتى يكون الحق تعالى هو الذي يتولى إخراجك، كما تولى إدخالك وليس الشأن أن تترك السبب، إنما الشأن أن يتركك السبب، قال بعضهم: “تركت السبب كذا وكذا مرة فعدت إليه، ثم تركني السبب فلم أعد إليه.” ودخلت على الشيخ أبي العباس المرسي، وفي نفسي العزم على التجريد قائلا في نفسي: إن الوصول إلى الله تعالى على هذه الحالة بعيد من الاشتغال بالعلم الظاهر، ووجود المخالطة للناس. فقال لي من غير أن اسأله: “صحبني إنسان مشتغل بالعلوم الظاهرة وهو متصدر فيها فذاق من هذه الطريق شيئا فقال: يا سيدي، اخرج عما أنا فيه وأتفرغ بصحبتك؟ فقلت له: ليس الشأن ذا، ولكن أمكث فيما أنت فيه، وما قسم الله لك على أيدينا فهو إليك واصل.” ثم قال الشيخ ونظر إلي وقال: “هكذا شأن الصديقين لا يخرجون عن شيء حتى يكون الحق تعالى هو الذي يتولى إخراجهم”. فخرجت من عنده وقد غسل الله تعالى من قلبي تلك الخواطر ووجدت الراحة بالتسليم إلى الله، ولكنهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

وجه ثالث: وقد يكون الأجمال في الطلب، وأن تطلب من الله تعالى ويكون قصدك مناجاته لا عين ما طلبت، وإنما يكون الطلب توسلا لها ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: (لا يكن همك في دعائك الظفر بقضاء حاجتك فتكون محجوبا عن ربك، ولتكن همتك مناجاة مولاك). وقيل: إن موسى عليه السلام كان يطوف في بني إسرائيل ويقول: (من يحملني رسالة إلى ربي). وذلك: لتطول مناجاته مع الله تعالى. ↑↑

وجه رابع: وقد يكون لإجمال في الطلب، أن تطلب وأنت تشهد أنك مطلوب بما قسم لك، وأنك مقصود به وليس طلبك موصلا إليه، فيكون طلبك وأنت  غريق في بحر العجز مغموس في وجود الفاقة.

وقد يكون الأجمال في الطلب أن لا تطلب بحظ البشرية ولكن لإظهار العبودية كما حكي أن سمنون المحب رحمه الله كان يقول:

وليس لي في سواك حظ *** فكيفما شئت فاختبرني

فابتلي بعلة الأسر، وهو احتباس البول فصبر وتجلد، فطاوله ذلك فصبر وتجلد إلى أن جاءه بعض أصحابه، فقال: يا أستاذي سمعتك البارحة وأنت تطلب من الله الشفاء والعافية ولم يكن هو طلب. ثم جاء ثان، ثم جاء ثالث، ثم جاء رابع. فعلم أن مراد الحق منه إظهار الحاجة والفاقة، فسأل الله الشفاء.  ثم صار يدور على صبيان المكاتب ويقول: (أدعو لعمكم الكذاب). ↑↑

وجه خامس: وقد يكون الأجمال في الطلب أن تطلب من الله ما يكفيك، ولا تطلب منه ما يطغيك، غير متطلع إلى ما سوى الكفاية بالشره، ولا منبسطا إليه بالرغبة، وقد علمنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: (اللهم اجعل قوت آل محمد كفانا). والطالب لما زاد على الكفاية ملوم وطالب الكفاية غير ملوم بذلك جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: (ولا تلام على كفاف). ويكفيك في ذلك ما قال رسول الله لثعلبة بن حاطب، لما قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ثعلبة بن حاطب، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه. فكرر عليه ثعلبة فأعاد عليه الصلاة والسلام ما قال أولا:، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه. ↑↑

فما زال إلى أن دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اختار لنفسه، فكان عاقبة اختياره لنفسه، ومخالفته لمختار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكثر ماله حتى تعطل عن بعض الصلوات أن يصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صلاة الجمعة، ثم كثرت أغنامه ومواشيه، حتى لم يمكنه صلاة الجمعة أيضا، ثم مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه الزكاة فقال:

ما أرها إلا جزية، أو أخت الجزية وامتنع من دفع الزكاة، وقصته مشهورة، فأنزل الله تعالى فيه: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله، لنصّدّقن ولنكوننّ من الصالحين، فلما آتاهم من فضله، بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقا في قلوهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}.

وجه سادس: وقد يكون الأجمال في الطلب.. أن يطلب العبد حظوظ دنياه قال تعالى: {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}.

وجه سابع: وقد يكون الأجمال في الطلب أن يكون طلبك غير شاك في القسمة ولا تاركا حفظ الحرمة.

وجه ثامن: وقد يكون الأجمال في الطلب أن تطلب ولا تستعجل الإجابة، وغير الأجمال أن تستعجلها وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: (يستجاب لأحدكم ما لم يقل دعوت فلم يستجب لي). وقد دعا موسى وهارون عليهما السلام على فرعون، فيما حكاه الله تعالى عنهما بقوله: {ربهما اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}. فقال سبحانه وتعالى: {قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون}. وكان بين قوله تعالى لهما: {قد أجيبت دعوتكما} وإهلاك فرعون أربعون عاما. قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله، في قوله سبحانه وتعالى: {فاستقيما} أي على عدم استعجال ما طلبتما. {ولا تتبعان سبيل الذين لا يعملون}، قال: هم المستعجلون لإجابة. ↑↑

وجه تاسع: وقد يكون لإجمال في الطلب أن يطلب وهو شاكر لله تعالى إن أعطى، وشاهد حسن اختيار ربه إذا منع، فرب طالب لا يشكر أن أعطى ولا يشهد حسن اختيار ربه في المنع، بل طالب من الله حازم أن المصلحة له، أن يعطى. ومن أين لهذا العبد الجاهل أن يحكم على علم الله، وان يعلم ما فيه غيب الله؟ وكفى بالعبد جهلا أن يتخير على مولاه، بل إذا سألته فسله مفوضا إليه غير مدبر معه ولا مختار عليه: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان الخيرة}. هذا فيما أيهم أمره والبيان في ذلك: أن المدعو به على ثلاثة أقسام: ما هو خير قطعا فاطلب من الله السلامة منه من غير استثناء، كالكفر والمعصية. وما هو مبهم الأمر، كالغنى، والعز، والرفعة، فاطلب ذلك من الله تعالى قائلا: (إن علمت ذلك خير لي). كذلك سمعته من الشيخ رحمه الله.

وجه عاشر: وقد يكون الإجمال في الطلب أن يكونوا في الطلب على سابق قسمته معتدين، ولا يكونوا إلى طلبهم مستندين.

↑↑

وقد يكون الإجمال في الطلب: أن يطلبوا وهم لعدم الاستحقاق شاهدون، فأولئك حري بهم أن يستوجبوا منة رب العالمين، قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: (ما طلبت شيئا إلا وقدمت إساءتي أمامي). يريد رحمة الله حتى لا يطلب من الله بوصف يستحق العطاء،، بل لا يكون طلبه وجود فضله إلا بفضله.

فهذه عشرة أوجه في الإجمال في الطلب، وليس القصد بها الحصر، إذ الأمر أوسع من ذلك، ولكن بحسب ما ناول الغيب، وأنعم به المولى سبحانه وتعالى، وهو كلام صاحب الأنوار المحيطة. فما يأخذ الآخذ منه إلا على حسب نوره، ولا يأخذ من جواهر بحره إلا على قدر قوة غوصه، وكل يفهم على حسب المقام الذي أقيم فيه: {تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها عن بعض في الأكل}.

وما لم يأخذوه أكثر مما اخذوا، واسمع قوله عليه الصلاة والسلام: (وأوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا). فلو عبر العلماء بالله أبد الآباد، عن أسرار الكلمة الواحدة من كلامه، لم يحيطوا بها علما، ولم يقدروا فهما، حتى قال بعضهم: (عملت بهذا الحديث سبعين عاما وما فرغت منه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). وصدق رضي الله عنه، ولو مكث عمر الدنيا أجمع وأبد الآباد لم يفرغ من حقوق هذا الحديث، وما أودع فيه من غرائب العلوم وأسرار الفهوم.

التوكل والأخذ بالأسباب

↑↑

انعطاف: انظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم:

(لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا). تراه يدل على الأمر بالتوكل على الله تعالى، لا على نفي الأسباب، بل يدل على إثباتها لقوله عليه الصلاة والسلام: تغدو خماصا وتروح بطانا. فقد أثبت لها غدوها ورواحها وهو سببها، ونفى عنها الادخار، فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول:

لو توكلتم على الله حق توكله، لما ادخرتم ولأغناكم التوكل على الله عن الادخار معه ورزقتم كما يرزق الطير، تؤتى برزق يومها، ولا تدخر لغدها، ثقة منها، بأن الله تعالى لا يضيعها، فأنتم أيها المؤمنون أولى بذلك. فأفاد عليه السلام: أن الادخار، إنما هو من ضعف اليقين، فان قلت: أكل ادخار هذا حكمه، أو هو مختلف الحال.

حكم الادخار وبيان أقسامه

↑↑

فاعلم أن الادخار على ثلاثة أقسام: ادخار الظالمين، وادخار المقتصدين، وادخار السابقين.

فأما القسم الأول: فهم المدخرون بخلا واستكثارا، الممسكون مباهاة وافتخارا. فقد استحكمت الغفلة على قلوبهم، واستولى الشره على نفوسهم، فهم لا تفرغ من الدنيا نهمتهم، ولا تتوجه إلى غيرها همتهم، الثابت فقرهم وان كانوا أغنياء، الظاهر ذلهم وان كانوا أعزاء، فهم من الدنيا لا يشبعون وعن طلبهما لا يفترون. تلاعبت بهم الأسباب، وتفرقت بهم الأرباب، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك الغافلون. لم يبق في قلوبهم متسع لوعي الحكمة واستماع الموعظة، فقل أن ترفع أعمالهم، أو تزكى أحوالهم لان خوف الفقر قد سكن قلوبهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من سكن خوف الفقر قلبه، قلما يرفع له عمل).

فيجب على المؤمن المعافى مما هم فيه داخلون، والسالم مما هم فيه منصرفون، والمتطهر مما هم به متدنسون، أن يحمد الله تعالى على ما خصه به من أفضاله، وانعم به عليه من نواله، وقل إذا رأيتهم: (الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاهم بهو وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا).

↑↑

كما انك إذا رأيت مصابا في بدنه حمدت الله الذي عافاك وشهدت ما انعم به عليك مولاك، كذلك يجب عليك وأحرى أن تشكر الله، إذا عافاك من أسباب الدنيا والخوض فيها، وابتلى بذاك غيرك. وان لا تحقرهم بل اجعل عوض احتقارك بهم وعوض دعائك عليهم دعاءك لهم واقتد بما فعل العارف بالله، معروف رحمه الله فما فعله هو عن المعروف عبر هو وأصحابه على دجله، فرأى أصحابه سمارية بها قوم أهل لهو، وفسوق، وطرب، فقالوا: يا أستاذ ادع الله عليهم، فرفع يديه وقال: (اللهم كما فرحتهم في الدنيا فرحهم في الآخرة). فقالوا يا أستاذ، إنما قلنا لك، ادع عليهم، فقال:

“إذا أفرحهم في الآخرة تاب عليهم، ولا يضركم من ذلك شيء”

فالتصقت السمارية في الوقت إلى البر، ونزل الرجال ناحية، والنساء ناحية. فتطهر هؤلاء وهؤلاء وخرجوا إلى الله تائبين، فكان منهم زهاد وعباد ببركة دعوة معروف. فإذا نظرت أهل التخليط والإساءة، فاعلم انه محكوم عليهم بسابق العلم، ونافذ المشيئة، وان لم تفعل خيف عليك أن تبتلى بمثل محنتهم، وان تقطع كقطيعتهم.

واسمع ما قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله:

(أكرم المؤمنين وان كانوا عصاة فاسقين، وأمرهم بالمعروف وانههم عن المنكر، واهجرهم رحمة بهم لا تعززا عليهم).

وقال رحمة الله عليه: (لو كشف عن نور المؤمن المعاصي لطبق ما بين السماء والأرض، فما ظنك بنور المؤمن المطيع).

ويكفيك في تعظيم المؤمنين، وإن كانوا عن الله غافلين قول رب العالمين: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله}. ↑↑

فانظر كيف اثبت لهم الاصطفاء مع وجود ظلمهم، ولم يجعل ظلمهم مخرجا لهم عن اصطفائه ولا من وراثته كتابه. واصطفاهم بالإيمان وإن كانوا ظالمين بوجود العصيان. فسبحان الواسع الرحمة، والعظيم المنة. واعلم انه لا بد في مملكته، من عباد، هم نصيب الحلم، ومحل ظهور الرحمة والمغفرة، ووقوع الشفاعة، وافهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم. وقوله عليه الصلاة والسلام: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.

وجاء رجل إلى الشيخ أبي الحسن رحمه الله فقال:

يا سيدي كان البارحة بجوارنا من المنكرات كيت، وكيت، وظهر من ذلك الرجل استغراب أن يكون هذا، فقال:

يا هذا كأنك تريد أن لا يعصى الله في مملكته، من أحب أن لا يعصى الله في مملكته فقد أحب أن لا تظهر مغفرته، وان لا تكون شفاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكم من مذنب كثرت إساءته وزل مخالفته، أوجبت له الرحمة من ربه. فكن له راحما، وبقدر إيمانه وان عصى عالما.

↑↑

القسم الثاني:

من أقسام الادخار، ادخار المقتصدين. وهم الذين لم يدخروا استكثارا ولا مباهاة، ولا افتخارا، وإنما علموا من نفوسهم الاضطراب عند الفقر، فعلموا أنهم أن لم يدخروا تشوش عليهم إيمانهم، وتزلزل إيقانهم، فادخروا لضعفهم عن حال المتوكلين، وعلما منهم بعجزهم عن مقام اليقين، وقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:

(المؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير). فالمؤمن القوي، هو الذي اشرق في قلبه نور اليقين، فعلم أن الله تعالى ساق إليه رزقه، ادخر أو لم يدخر، وانه أن لم يدخر، ادخر له الحق تعالى وان المدخرين محالون على مدخراتهم، أهل التوكل محالون على الله، لا على شيء دونه. فالمؤمن القوي: من لم يستند إلى الأسباب، سواء كان فيها أو لم يكن. والمؤمن  الضعيف الداخل في الأسباب مع المراكنة، والخارج عنها مع التطلع إليها.

↑↑

القسم الثالث: بالنسبة إلى الادخار وعدمه: السابقون.

وهم الذين سبقوا إلى الله ليخلص قلوبهم، مما سواه فلم تعقهم العوائق ولم تشغلهم عن الله العلائق، فسبقوا إلى الله، إذ لا مانع لهم.

وإنما منع العباد من السبق إلى الله تعالى، جواذب التعلق بغير الله، فكلما همت قلوبهم أن ترحل إلى الله، جذبها ذلك التعلق إلى ما به تعلقت، فكرت راجعة إليه، ومقبلة عليه، فالحضرة محرمة على من هذا وصفه، وممنوعة ممن هذا نعته.

قال بعض العارفين:

(أتظن أن تدخل إلى الحضرة الإلهية وشيء من ورائك يجذبك؟

وافهم هاهنا قوله سبحانه:

{يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم}.

وان القلب السليم، هو الذي لا تعلق له بشيء دون الله تعالى.

وقوله سبحانه وتعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} يفهم منه أيضا:

انه لا يصح مجيئك إلى الله تعالى بالوصول إليه، إلا إذا كنت فردا مما سواه.

وقوله تعالى: {ألم يجدك يتيما فآوى}. يفهم منه:

انه لا يأويك إليه إلا إذا صح يتمك مما سواه. ↑↑

وقوله عليه الصلاة والسلام: (أن الله وتر يحب الوتر).

أي يحب القلب الذي لا يشفع بمشوشات الآثار، فكانت هذه القلوب لله، وبالله، تركوا الله يتصرف لهم، فلم يكلهم إلى أنفسهم، ولم يدعهم لتدبيرهم، فهم أهل الحضرة المفاتحون بعين المنة، لا تقطعهم عن الله محاسن الآثار، ولا تشغلهم عنه بهجة الحسن المعار، ولنا في هذا المعنى:

يا بهجة الحسن التي ما مثلها *** من بهجة طرحت على الأكوان

لي فيك معنى ما تبدى سره *** إلا ثنى طرفي مد عناني

وقال بعضهم:

(لو كلفت أن أرى غيره لم استطع، لأنه لا غير معه، حتى اشهد معه).

وهذا حال أقوال تولتهم الرعاية، واكتنفتهم العناية.

فأي تدبير بهؤلاء؟ أم كيف يمكن هؤلاء أن يكونوا من المدخرين وهم في حضرة رب العالمين؟.

وان ادخروا لم يكونوا على ما ادخروه معتمدين؟ أم كيف يمكنهم أن يكونوا إلى سواه مستندين، وهم لوجود الأحدية مشاهدون؟

قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله:

قوي علي الشهود مرة فسألت أن يستر ذلك عني، فقيل:

لو سألته بما سأله موسى كليمه، وعيسى روحه، ومحمد صفيه، لم يفعل، ولكن سله أن يقويك فسألته فقواني.

فمن كان هذا حاله، فكيف يحتاج إلى الادخار؟ أم كيف يمكنه أن يستند إلى الأغيار؟

وكفى بالمؤمن أن يدخر إيمانا بلله، وثقة به، وتوكلا عليه.

وأهل الفهم عن الله: توكلوا عليه، فكان هو المدخر لهم، واستحفظوه فكان هو الحافظ لهم، وكانوا له وبه، فكان بمعونته لهم فكفاهم ما أهمهم، وصرف عنهم ما أغمهم.

اشتغلوا بما أمرهم عما ضمن لهم علما منهم بأنه لا يكلهم إليهم ومن فضله لا يمنعهم فدخلوا في الراحة ورفعوا في جنة التسليم ولذاذة التفويض فرفع الله بذلك مقدارهم وكفل أنوارهم ويحق أن يرفع المحاسبة عنهم بفضله، كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:

(سبعون ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب). ↑↑

قيل: من هم يا رسول الله؟ قال:

هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.

وكيف يحاسب من لا شيء له؟ أم كيف يسأل عن فعله من شهد انه لا فعل له؟

وإنما يحاسب المدعون، ويناقش الغافلون، الذين يشهدون أنهم مالكون، أو مع الله فاعلون.

ومن لم يدخر ثقة بالله، وتوكلا عليه، ساق الله له رزقه بوجود إلهنا، وأوجد في قلبه وجود الفنا.

أفلس بعض العارفين، فقال لزوجته: اخرجي كل ما في البيت فتصدق به، ففعلت إلا الرحا، فإنها قالت:

لعلنا نحتاج إليها، ولا نجد مثلها، فهي قد فعلت، وإذا بالباب قد دق، فقيل: هذا قمح أرسل إلى الشيخ، فملأت الدار قمحا، فلما رجع العازف ونظر قال:

أخرجت كل ما في البيت؟ قالت: نعم، قال: وليس الأمر كذلك.

فقالت: ما تركت إلا الرحا، خيفة أن نحتاج إليها.

فقال: لو أخرجت الرحا لجاءك دقيق، ولكن أبقيتها فجاءك ما به تتعبين.

ادخار الأنبياء إمساك بالأمانة

↑↑

فان ادخر السابقون فلا لأنفسهم، ولكن ادخار أمانة، لأنهم خزان أمناء، وعبيد كبرا، أن امسكوا الدنيا امسكوها بحق، وإن بذلوها بذلوها بحق. وليس الممسك لها بحق بدون الباذل لها بحق، ولا يشهدون أنهم مع الله مالكون، بل ما في أيديهم يشهدونه، من ودائع الله، ويتصرفون فيها بالنيابة عن الله، سمعوا قوله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} فعلموا انه لا ملك لهم مع الله، وإنما هي نسبة أضيفت إليك، وإضافة منة من بها عليك، ليرى كيف تعمل وهو العليم الخبير.

أتقف مع ظاهرها أم تتفقد إلى أسرارها؟

ولذلك كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تجب عليهم الزكاة لأنهم لا ملك لهم مع الله حتى تجب عليهم الزكاة فيه، وإنما تجب عليك زكاة ما أنت له مالك. إنما يشهدون ما في أيديهم من ودائع الله تعالى لهم، يبذلونه في أوان بذله، ويمنعونه من غير محله. ولأن الزكاة إنما هي طهرة لما عساه أن يكون ممن وجبت عليه، لقوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}.

والأنبياء عليهم الصلاة والسلام مبرؤون من الدنس، لوجود العصمة ولأجل ذلك لم يوجب أو حنيفة رحمه الله على الصبيان زكاة، لعدم دنس المخالفة، والمخالفة لا تكون إلا بعد جريان التكليف وذلك بعد البلوغ.

وافهم هاهنا قوله صلى الله عليه وسلم:

(نحن معاشر  الأنبياء، لا نورث ما تركناه صدقة). يتبين ما ذكرناه ويتضح ما قررناه.

وإذا كان أهل المعرفة بالله تعالى المشاهدون لأجديته، لا يشهدون لهم مع الله ملكا، فما ظنك بالأنبياء والرسل؟ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأهل التوحيد والمعرفة: إنما غرفوا من بحارهم، واقتبسوا من أنوارهم.

يحكى أن الشافعي واحمد رحمهما الله كانا جالسين إذ اقبل شيبان الراعي رحمه الله، فقال احمد للشافعي أريد أن أسألك هذا المشار إليه في هذا الزمن.

فقال الشافعي: لا تفعل. فقال: لا بد من ذلك.

فقال: يا شيبان، ما تقول: فيمن نسي أربع سجدات من أربع ركعات؟

فقال: يا احمد هذا قلب غافل عن الله عز وجل، يجب أن يؤدب حتى لا يعود إلى مثل ذلك.

فخر احمد مغشيا عليه، ثم سأله فقال:

ما تقول: فيمن له أربعون شاه، ما زكاتها؟

فقال: على مذهبنا أو على مذهبكم؟

فقال: وهما مذهبان؟ قال: نعم. ↑↑

قال: إما على مذهبكم ففي الأربعين شاة شاه، وأما على مذهبنا فالعبد لا يملك مع سيده شيئا.

وقد جاء في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ادخر قوت سنة، فأما أن يكون ذلك لما قلناه أولا، من أن ادخار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إنما هو إمساك بالأمانة مختارين له وقتا يصلح إنفاقه وإنما ادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل عائلته، أو ليبين جواز الادخار لامته، فانه إذا لم تقع الحوالة عليه لنا في التوكل، ومما يدلك على أن المراد إنما كان ليبين جوازه انه كان عليه الصلاة والسلام  اغلب أحواله عدم الادخار، وإنما ادخر توسعة على أمته، ورحمة بهم، وإشفاقا على الضعفاء منهم. إذ لو لم يدخر، لم يكن المؤمن أن يدخر بعده، ففعل ذلك ليبين حكمه، وقد قال عليه الصلاة والسلام  أني لا أنسى أو أنس لأسنّ. فبين لك صلى الله عليه وسلم أن النسيان ليس من شأنه، ولا من وصفه، وإنما يدخل فيه، ليبين حكمه وما يتعلق به لامته، فافهم الحديث.

طالب العلم تكفل الله برزقه

↑↑

فائدة: قوله عليه الصلاة والسلام: طالب العلم تكفل الله برزقه. اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب العزيز، أو في السنة، إنما المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية، وتكتفه المخافة قال الله تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء}.

فبين أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا: أن العلماء إنما هم أهل الخشية، وكذلك قوله تعالى:

{فالذين أتوا العلم}.

{والراسخون في العلم}.

{وقل ربي زدني علما}.

وقوله عليه الصلاة والسلام: (أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم).

وقوله عليه الصلاة والسلام: العلماء ورثة الأنبياء.

وقوله هاهنا، طالب العلم تكفل الله برزقه.

إنما المراد بالعلم في هذا الموطن، العلم النافع القاهر للهوى القامع وذلك متعين بالضرورة.

لأن كلام الله تعالى، وكلام رسول الله عليه الصلاة والسلام  اجل من أن يحمل على غير هذا وقد بينا ذلك في غير هذا الكتاب.

والعلم النافع: هو الذي يستعان به على طاعة الله تعالى ويلزمك المخافة من الله تعالى والوقوف على حدود الله وهو علم المعرفة بالله.

ويشمل العلم النافع والعلم بالله والعلم بما به أمر الله إذا كان تعلمه بالله.

فقوله عليه الصلاة والسلام: طالب العلم تكفل الله برزقه. ↑↑

أي تكفل له أن يوصله له مع الهناء والعزة والسلامة من الحجبة وإنما أولنا هذا للتأويل، وان معنى التكفل، تكفل خاص، وذلك لان الحق سبحانه وتعالى  تكفل برزق العباد اجمع طلبوا هذا العلم أو لم يطلبوه.

فدل على هذه الكفالة كفالة خاصة كما ذكرناه، لأنه افردها بالذكر.

ولهذا المعنى قال الشيخ أبو العباس في حزبه لما قال:

وأعطنا كذا وكذا، قال: والرزق الهني، الذي لا حجاب به في الدنيا، ولا سؤال ولا حساب ولا عاب عليه في الآخرة، على بساط علم التوحيد والشرع سالمين من الهوى والشهوة والطبع.

شرح ما قاله الشيخ أبو العباس في حزبه

↑↑

فسأل من الله الرزق الهني،  وهو المتكفل به لطالب العلم، ثم فسر الرزق الهني، بأنه الذي لا حجاب معه في الدنيا ولا حساب له في الآخرة لان ما وقعت فيه الحجبة فلا هناء فيه، إذ الحجبة توجب تكسر السر بالمنع عن المحاضرة، والصد عن المفاتحة، لا على ما يفهمه العموم من أن الرزق الهني الذي حصل من غير وجود تعب ولا نصب.

فالهناء عند أهل الغفلة فيما يرجع إلى الأبدان، وعند أهل الفهم فيما يرجع إلى القلوب.

ووقوع الحجة في الرزق، أما بشهود الغفلة والأسباب عن الله تعالى، وإما بان تتناوله ليس قصدك التقوى على طاعة الله تعالى.

فالأول حجبه في الحصول والثاني: حجبه في التنازل.

وقول الشيخ ولا سؤال ولا حساب، ولا عقاب عليه في الآخرة.

فالسؤال: أن يكون عن حقوق النعيم لقوله تعالى:

{ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}.

واكل النبي عليه الصلاة والسلام وبعض أصحابه طعاما، ثم قال: والله لتسألن عن نعيم هذا اليوم.

وكان الشيخ رحمه الله يقول: السؤال على قسمين: سؤال تشريف، وسؤال تعنيف.

فسؤال أهل الموافقة والعناية سؤال التشريف، وسؤال أهل الغفلة عن الله، والإعراض عنه سؤال التعنيف.

وافهم رحمك الله: أن الحق سبحانه وتعالى  إنما يسأل أهل الصدق وان كان هو العالم بأخبارهم، ويخفى أسرارهم، ليظهر مرتبة صدقهم للعباد، ويبشر محاسنهم في المعاد، كما يقول السيد لعبده:

ما صنعت في أمر كذا وكذا؟ وهو يعلم انه احكمه وأتقنه، ولكن أراد أن يعلم الحاضرين اعتناء بأمره، وقيامه وعنايته بشأنه فافهم.

وقول الشيخ رحمه الله تعالى: (ولا حساب). ↑↑

فالحساب هو نتيجة السؤال، وإذا سلموا من السؤال سلموا من الحساب، وإذا سلموا من السؤال والحساب سلموا من المعاقبة، فذكرها الشيخ رحمه الله، وان كانت ملازمة ليتبين ما يستلزم هذا الرزق من المنن التي لو انفردت واحدة منها لكان حريا أن تطلب.

وقول الشيخ رحمه الله تعالى: على بساط علم التوحيد.

أي على أن أشهدك فيما رزقتني واراك فيما أطعمتني، فلا اشهد ذلك من غيرك، ولا أضيفه لأحد من خلقك.

وكذلك أهل الله، لا يأكلون إلا على مائدة الله، أطعمهم من أطعمهم، لعلمهم أن غير الله تعالى لا يملك معه شيئا فيسقط بذلك شهود الخلق عن قلوبهم، فلم يصرفوا لغير الله حبهم، ولا وجهوا لمن سواه ودهم، إذ رأوا انه هو الذي أطعمهم ومنحهم من فضله وأكرمهم.

قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله يوما: أنا نحن لا نحب إلا الله تعالى. أي لا يتوجه الحب منا إلى الخلق.

فقال له رجل: قد أبى ذلك جدك يا سيدي، بقوله عليه الصلاة والسلام: (جبلت القلوب على حب من أحسن إليها).

فقال نعم: نحن قوم لا نرى المحسن إلا الله تعالى، فلذلك جبلت قلوبنا على محبته.

ومن رأى أن المطعم هو الله سبحانه وتعالى، تجدد عنده مزيد الحب على حسب ما يتجدد من تناول النعم، لقوله عليه الصلاة: (أحبو الله لما يغذوكم به من نعمة). وقد سبق بيانه. ↑↑

ومن رأى أن الله هو المطعم لهو صانته هذه المطالعة عن الذل للخلق، أو انه يميل قلبه بالحب لغير الملك الحق، ألم تسمع قول إبراهيم الخليل عليه السلام.

{والذي هو يطعمني ويسقين}.

فشهد لله تعالى بانفراده بذلك واعترف له تعالى بوحدانيته فيه.

وقول الشيخ رحمه الله: (على بساط علم التوحيد والشرع): لان من استرسل من إطلاق التوحيد، ورأى أن الملك لله وان لا ملك لغيره معه، ولم يتقيد بظواهر الشريعة فقد قذف به في بحر الزندقة، وعاد حاله بالوبال عليه، ولكن الشأن أن يكون بالحقيقة مؤيدا وبالشريعة مقيدا.

وكذلك المحقق، فلا منطلقا مع الحقيقة، ولا واقفا مع ظاهر إسناد الشريعة: {وكان بين ذلك قواما}.

فالوقوف مع ظواهر الإسناد شرك، والانطلاق مع الحقيقة من غير تقييد بالشريعة تعطيل.

ومقام أهل الهداية فيما بين ذلك: من بين فرث، ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين.

أحوال العبد بالنسبة إلى الرزق

↑↑

فصل: واعلم انه يرد في شأن الرزق أمور ويعرض فيه عوارض وقد ذكر الشيخ رحمه الله تعالى كثيرا منها بقوله:

{وسخر لي أمر هذا الرزق، واعصمني من الحرص والتعب في طلبه، ومن شغل القلب وتعلق الهم به، ومن الذل للخلق بسببه، ومن التفكير والتدبير في تحصيله، ومن الشح والبخل بعد حصوله.

وليس العوارض الواردة في شأن الرزق بمنحصرة حتى تستوفى فلنتكلم على ما قاله الشيخ رحمه الله:

فالعم أن للعبد بالنسبة إلى الرزق، ثلاثة أحوال:

حال قبل أن يرزقه، وهي حالة السعي.

وحال بعد ذلك، وهي حالة الحصول.

وحال بعد انقضائه، وهي الحالة الثالثة.

فأما ما يعرض قبل حصوله: فالحرص والتعب في طلبه، وشغل القلب وتعلق الهم به، والذل للخلق بسببه، والتكفير والتدبير في تحصيله.

فأما الحرص: فهو الرغبة القائمة بالنفس في التحصيل له، والانكباب على ذلك، وهو ينشأ عن فقدان الثقة، وضعف اليقين: وهما ناشئان عن فقدان النور، وفقدان النور ناشئ عن وجود الحجبة.

إذ لو كان القلب بأنوار المشاهدة معمورا، وبمنن الله مغمورا لم تطرقه طوارق الحرص ولو انبسط نور اليقين على القلب لكشف له عن سابق القسمة فلم يمكنه الحرص، وعلم العبد أن له عند الله قسمة لا بد أن يوصلها إليه.

وأما التعب في طلبه: فأما أن يكون تعب الظواهر ويكون الاستعاذة منه إلى الله تعالى لأنه إذا استولى على الطالب للرزق التعب في الظاهر شغله ذلك عن القيام بالأوامر.

والرزق مع الراحة فيه إعانة على التفرغ إلى طاعة الله تعالى والقيام بخدمته.

وان كان التعب هو تعب القلوب لا تعب الظواهر في أولى بان يستعاذ منه وذلك بان القلوب يتعبها تكلفها في طلب الرزق والفكرة فيه ويثقلها ما حملت من ذلك ولا راحة لها إلا بالتوكل على الله. ↑↑

لان التوكل على الله وضع أثقاله والله تعالى يحملها عنه لقوله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.

ثم قال الشيخ رضي الله عنه: (ومن شغل القلب وتعلق الهمم به).

فشغل القلب بأمر الرزق قاطع عظيم حتى قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله:

(أكثر ما حجب الخلق عن الله تعالى شيئان:

هم الرزق وخوف الخلق.

وهم الرزق اشد الحجابين وذلك: أن أكثر الناس قد يخلوا من هم خوف الخلق ولا يخلو من هم الرزق إلا قليل لا سيما وشاهد الفاقة قائم بوجودك وأنت مفتقر إلى ما يقيم بنيتك ويشد قوتك.

قوله: وتعلق الهم به أي تعلق الهمة بأمر الرزق توجها واستغراقا حتى لا يبقى فيه متسع لغيره، وهذه حالة توجب القطيعة وتكشف أنوار الوصلة تنادي على صاحبها بخراب قلبه من نور اليقين وفلسفة من القوة والتمكين.

وقوله: ومن الذل للخلق بسببه: فاعلم أن من ضعف يقينه، وقل من قسمة العقل نصيبه فالذلة لازمة له: لطمعه في الخلق، ولعدم ثقته بصدق وعد، فذل للخلق متملقا ولج إليها متعلقا، وذلك عقوبتها الغفلة عن الله تعالى، ولعذاب الآخرة اشد.

↑↑

ولو صح إيمانه وثقته بالله كان لذلك عزيزا ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.

فعزة المؤمن بربه لا يعتز بغيره لعلمه أن العزة لله جميعا وانه العزيز فلا عزيز معه والمعز فلا معز معه، فأعزته الثقة ونصره التوكل فلن يهن لصدق ثقته بربه في قسمته، ولم يحزن لاعتماده عليه في وجود منته سامعا قوله تعالى:

{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون أن كنتم مؤمنين}.

فعزة المؤمن بترك الطمع في الخلق، ووجود الثقة بالملك الحق أبى له إيمانه أن يرفع حاجته لغير ربه أو أن يصرف لما سواه قلبه ولذلك قال بعضهم:

حرام على من وحد الله ربه *** وافرده أن يجتدي أحدا رفدا

ويا صاحبي قف لي مع الحق وقفة *** أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا

وقل لملوك الأرض تجهد جهدها*** فهذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى

ومن حرره الله من رق الطمع، وأعزه بوجود الورع فقد أجزل منته، وكمل عليه همته.

واعلم أن الله قد كساك أيها المؤمن خلعا عديدة منها:

خلعة الإيمان والمعرفة والطاعة والسنة فلا تدنسها بالطمع في المخلوقين، وبالاستناد إلى غير رب العالمين.

قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام  في المنام فقال لي:

يا علي، طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل نفس.

فقلت: يا رسول الله وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله تعالى كساك حلة الإيمان وحلة المعرفة، وحلة التوحيد وحلة المحبة.

قال: ففهمت حينئذ قوله تعالى: {وثيابك فطهر}. ↑↑

فمن عرف الله صغر لديه كل شيء ومن أحب الله هان عليه كل شيء، ومن وحد الله لم يشرك به شيئا ومن آمن بالله أمن من كل شيء، ومن اسلم لله قل ما يعصيه، وان عصاه اعتذر إليه، وان اعتذر إليه قبل عذره.

واعلم رحمك الله أن رفع الهمة بسالكي طريقي الآخرة  عن الخلق وعدم التعرض لهم، أزين لهم من الحلي للعروس، وهم أحوج إليه من الماء لحياة النفوس.

ومن خلعت عليه خلعة فحفظها وصانها، فحري أن تدام له، وان لا تسلب عنه.

والمدنس لخلع المواهب فحري أن لا تترك له.

فلا تدنس أيها الأخ إيمانك بطمعك في المخلوقين، ولا تجعلن اعتمادك إلا على رب العالمين، فان اعتززت بالله دام بدوام من اعتززت به وان اعتززت بغيره فلا بقاء لعزك إذ لا بقاء لمن أنت به معتز وأنشد لي بعض الفضلاء لنفسه:

ليكن بربك كل عزك *** يستقر ويثبت

فان اعتززت بمن يموت *** فان عزك ميت

ودخل إنسان على بعض العارفين وهو يبكي فقال: ما شأنك؟ قال: مات أستاذي.

فقال له ذلك العارف: ولم جعلت أستاذك من يموت؟

ويقال لك: إذا اعتززت بغير الله فقدته، وإذا استندت إلى غيره عدمته.

{وانظر إلى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقه ثم لننسفنه في اليم نسفا، إنما إلهكم الله الذي لا اله إلا هو وسع كل شيء علما}. وكن أيها العبد إبراهيميا فقد فال أبوك إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه {لا أحب الآفلين} وما سوى الله تعالى آفل إما وجودا وإما إمكانا.

وقد قال الله تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} أي اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، فواجب على المؤمن أن يتبع ملة إبراهيم.

وملة إبراهيم، رفع الهمة عن الخلق، فانه يوم زج به في المنجنيق، تعرض له جبرائيل عليه السلام، فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى. قال: سله؟ قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. ↑↑

فانظر كيف رفع إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه همته عن الخلق، ووجهها إلى الملك الحق، فلم يستغث بجبرائيل، ولا احتال  على السؤال من الله تعالى، بل رأى الحق اقرب إليه جبرائيل ومن سؤاله فلذلك سلمه من النمرود ونكاله، وأنعم إليه بنواله وأفضاله وخصه بوجود إقباله.

ومن ملة إبراهيم، معاداة كل ما شغل عن الله، وصرف الهمة بالرد إلى الله تعالى لقوله: {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين}.

والغنى أن أردت الدلالة عليه، فهو في اليأس في من الناس، ولقد قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله:

أيست من نفع نفسي لنفسي، فكيف لا أيأس من نفع غيري لنفسي؟ ورجوت لغيري؟ فكيف لا أرجوه لنفسي؟

وهذا هو الكيمياء والإكسير الذي من حصل له غنى لا فاقة فيه، وعزل لا ذل معه، واتفاق لا نفاد له، وهو كيمياء أهل الفهم عن الله تعالى.

قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله: صحبني إنسان وكان ثقيلا علي فبسطته فانبسط فقلت له:

يا ولدي، ما حاجتك؟ ولم صحبتني؟

قال يا سيدي، قيل لي انك تعلم الكيمياء فصحبتك لا تعلم منك فقلت له: صدقت، وصدق من حدثك ولكن أخالك أن لا تقبل.

فقال لي: اقبل. ↑↑

فقلت له: نظرت إلى الخلق فوجدتهم على قسمين أعداء وأحباء.

فنظرت إلى الأعداء فعلمت أنهم لا يستطيعون أن يشوكوني بشوكة لم يردني الله بها، فقطعت نظري عنهم.

ثم تعلقت بالأحباء فرأيتهم لا يستطيعون أن ينفعوني بشيء لم يردني الله به، فقطعت إياسي منهم، وتعلقت بالله تعالى، فقيل لي: انك لن تصل إلى حقيقة هذا الأمر حتى لا تشك فينا، وتيأس من غيرنا أن يعطيك غير ما قسمناه لك.

وقال مرة أخرى رحمه الله، لما سئل عن الكيمياء فقال:

أخرج الطمع من قلبك، واقطع بأسك من ربك، أن يعطيك غير ما قسم لك. وليس يدل على شعار العبد كثرة عمله، ولا مداومته على ورده، وإنما بذل على نوره عناه بربه، أو انحباسه إليه بقلبه، وتحرره من رق الطمع؟ وتحليه بحلية الورع، وبذلك تحسن الأعمال، وتزكوا الأحوال، قال الله تعالى: {أنا جعلنا ما على الأرض زينة لها، لنبلوهم أيهم أحسن عملا}. فحسن الأعمال إنما هو بالفهم عن الله.

والفهم هو ما ذكرناه من الاغتناء بالله، والاكتفاء به، والاعتماد عليه، ورفع الحوائج إليه، والدوام بين يديه، وكل ذلك من ثمرة الفهم عن الله تعالى. وتفقد وجود الورع من نفسك أكثر مما تتفقد ما سواه، وتطهر من الطمع في الخلق، فلو تطهر الطامع فيهم بسبعة أبحر ما طهره إلا اليأس منهم، ورفع الهمة عنهم. وقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه البصرة فدخل جامعها فوجد القصاص يقصون فأقامهم حتى جاء إلى الحسن البصري، فقال:

يا فتى أني سائلك عن شيء، فان أجبت عنه أبقيتك، وإلا أقمتك كما أقمت أصحابك، وكان قد رأى عليه سمنا وهدايا.

فقال الحسن: سل عما شئت؟ فقال له علي رضي الله عنه: ما ملاك الدين؟ قال: الورع.

قال: فما فساد الدين؟ قال الطمع. ↑↑

قال: اجلس، فمثلك من يتكلم على الناس.

وسمعت شيخنا أبا العباس رحمه الله تعالى يقول:

(كنت في ابتداء امرئ بثغر الإسكندرية، جئت إلى بعض من يعرفني، فاشتريت منه حاجة بنصف درهم،  ثم قلت في نفسي: لعله لا يأخذ مني، فهتف بي هاتف:

(السلامة في الدين، بترك الطمع في المخلوقين).

وسمعته يقول: صاحب الطمع لا يشبع أبدا، إلا ترى حروفه كلها مجوفة؟ الطاء والجيم؟ والعين.

فعليك أيها المريد برفع همتك عن الخلق، ولا تذل لهم في شأن الرزق، فقد سبقت قسمته وجودك، وتقدم ثبوته ظهورك، واسمع ما قال بعض المشايخ:

أيها الرجل: ما قدر لماضغيك أن يمضغاه، فلا بد أن يمضغاه، فكله وبحك بعز ولا تأكله بذل.

اعلم أن من عرف الله وثق بضمانه، وكفالته، وانه لا يكمل فهم العبد حتى يكون بما في يدي الله أوثق منه بما في يديه وبضمان الحق أوثق منه بضمان الخلق، ويكفيك جهلا أن لا تكون كذلك. ↑↑

ورأى بعضهم رجلا يلازم الجامع، ولا يخرج منه، فتعجب من ملازمته، وفكر في نفسه من أين يأكل؟

فقال له يوما: من أين تأكل؟

فقال له ذلك الرجل: أن لي صاحبا يهوديا وعدني كل يوم برغيفين، فهو يأتيني بهما.

فقال له: ذاك إذا؟

فقال له ذلك العارف: يا مسكين وثقت لي بوعد يهودي، وما وثقت بي بوعد الله سبحانه وتعالى ؟ وهو الصادق الوعد الذي لا يخلف الميعاد؟ وقد قال تعالى:

{وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها}.

فاستحيا منه ذلك الرجل وذهب.

وعن آخر: انه صلى خلف إمام أياما، فقال له الإمام يوما، وقد تعجب من ملازمته المسجد، وتركه الأسباب من أين تأكل؟ فقال: قف حتى أعيد صلاتي، فإني لا أصلي خلف من شك في الله. ↑↑

والحكايات في هذا كثيرة.

قيل لعلي بن أبى طالب رضي الله عنه: لو أن إنسانا ادخل بيتنا وطين ذلك أبيت عليه، من أين يأتيه رزقه؟

فقال يأتيه رزقه من حيث يأتيه اجله.

فانظر هذه الحجة، ما ابهرها، وهذه البينة ما أظهرها.

وقول الشيخ رحمه الله: ومن التفكير والتدبير في تحصيله.

فالتفكر: أن تستحضر في نفسك انه لا بد لك من غذاء يقيم بنيتك والتدبير أن تقول هو من وجه كذا وكذا لا ولكن هو من وجه كذا وكذا، ويكثر ذلك، ويتردد على القلب حتى لا تدري أن كنت مصليا ماذا صليت، أو تاليا ماذا تلوت، فتتكدر عليك تلك الطاعة التي أنت فيها، وتحرم أنوارها وتمنع أسرارها.

فإذا أورد عليك ذلك، فاهدم بناءه بفأس الثقة، ودكه بوجود اليقين واعلم رحمك الله أن الله تعالى قد تولى تدبيرك من قبل أن تكون وانك أن أردت نصح نفسك لا تدبر لها، فان التدبير منك لها إضرار بها إذ ذاك مما يوجب إحالتك عليك، ويمنع إمداد اللطف أن يصل إليك، والمؤمن لا يدعه الحق سبحانه وتعالى  لوجود التدبير ولا لمنازعة المقادير.

فان عرض ذلك عليك، أو خط فلا تثبت له، فان نور الإيمان لا يدعه لذلك.

{وكان حقا علينا نصر المؤمنين}.

{بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق}.

وقول الشيخ رحمه الله تعالى: ومن الشح والبخل بعد حصوله، فهذان من العوارض بعد الحصول، وهما ينشآن عن ضعف، وعدم الثقة فحينئذ يكون الشح، ويقع البخل، وقد ذم الله تعالى الشح والبخل كليهما في كتابع العزيز فقال تعالى:

{ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}. ↑↑

فمفهومه أن صاحب الشح لا فلاح له أي لا نور له والفلاح هو النور.

وقال تعالى في وصف المنافقين:

{أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم}.

وقال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون}.

وقال تعالى: {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه}.

والبخل والشح يطلق على أقسام ثلاثة:

الأول: أن تخبل ما في يدك أن تبذله في واجبات الله تعالى.

الثاني: أن تبخل له ولم يتعلق بك الوجوب على عباد الله.

الثالث: أن تبخل لنفسك أن تبذلها لله تعالى.

والبخل الأول: وهو أن تبخل فلا تؤتي الزكاة  وقد خوطبت بها، أو لا تقوم بحق وقد تعين عليك، من نفقات الأبوين في فقرهما، والأولاد في فقرهم، وصغرهم، وكنفقات الزوجات.

↑↑

وبالجملة: فكل حق أوجب الله عليك القيام به، فتخلفك عنه مما يطلق عليك لسان الذم، وتستحق به العقوبة، وفي ذلك جاء قوله تعالى:

{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}.

قال أهل العلم: الكنز هو المال الذي لا تؤدي زكاته، فإذا  أديت زكاته لا يكون كنزا، معناه لا يدخل تحت هذا الوعيد ولا يطلق عليه لسان الذم.

القسم الثاني: البخل بالبذل فيما لم يتعلق به الوجوب، كمن اخرج زكاة ماله ثم لم يبذل منه شيئا بعد ذلك، وهذا وان كان قد فعل ما أمره الله تعلى به من إخراج ما وجب عليه، فينبغي أن يقتصر عليه فان الاقتصار على الواجبات وترك نوافل الخيرات إنما هو حال الضعفاء.

فلا ينبغي للمؤمن المعتني بإصلاح شأنه مع الله تعالى أن يترك معاملة الله تعالى فيما لم يوجبه الله عليه، فانه أن كان كذلك كان حاله كمن يصلي الفرائض ولا يقوم برواتبها.

ويكفيك أيها العبد قوله تعالى فيم حكاه عنه رسول الله عليه الصلاة والسلام:

(ما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا، ولسانا وقلبا وعقلا ويدا ومؤيدا).

فقد بين سبحانه وتعالى، أن تكرار النوافل، والقيام بها يوجب العبد وجود الحب من الله تعالى، والنوافل كل ما يطلبك بها لسان إيجاب من صلاة أو صدقة أو حج أو غير ذلك. ↑↑

ومثل القائم بالفرائض من الصلوات المقتصر عليها، والقائم بها، وبالنوافل أو المخرج للزكاة، المقتصر عليها، والمخرج لها، والمؤثر معها، كعبدين لسيد جعل عليهما كل يوم خراجا على كل عبد درهمين.

فأما العبد الواحد، فانه يؤتى للسيد بذلك ولا يزيد عليه شيئا، ولا يهاديه ولا يواده.

وأما العبد الآخر فانه يقوم للسيد كل يوم بما قام به صاحبه لكن يشتري من الطرف والفواكه ما يهدي إلى سيده زائدا عن خراجه، فهذا العبد لا محالة أحظى عند السيد، وأوفر نصيبا من الحب، وأقرب إلى إقبال السيد.

لأن العبد القائم بما خورج عليه غير متودد للسيد، وإنما أعطاه إشفاقا من عقوبته.

والعبد الذي أعطى لسيده ما خارجه عليه، وهاداه بعد ذلك فهو قد سلك مسلك التودد للسيد والتعرض لحبه فهو حري أن يظفر بقربه وحبه.

وإنما جعل الحق تعالى الإيجاب على العباد علما منه بما هم عليه من وجود الضعف، وبما نفوسهم متصفة به، من وجود الكسل فأوجب عليهم ما أوجب لأنه لو خيرهم فيما أوجب عليهم لم يكونوا به قائمين إلا قليلا وقليل ما هم، فأوجب عليهم وجود طاعته. وفي التحقيق: ما أوجب عليهم إلا دخول جنته، فساقهم إلى بسلاسل الإيجاب.

(عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل)

↑↑

تنبيه وإعلام: اعلم رحمك الله أنا تلمحنا الواجبات فرأينا الحق تعالى جعل في كل ما أوجبه تطوعا من جنسه  في أي الأنواع كان،ليكون ذلك التطوع ذلك الجنس جابرا لما عساه أن يع من الخلل في قيام العبد بالواجبات.

وكذلك جاء في الحديث ينظر في مفروض صلاة العبد فان نقص منها شئ كمل من النوافل).

فافهم رحمك الله هذا، ولاتكن مقتصرا على ما فرض الله عليك ليكن فيك  ناهضة حب توجب إنكبابك  على معاملة الله فيما لم يوجبه عليك.

  ولو كان العباد لا يجدون في موازينهم إلا فعل الواجبات وثواب ترك المحرمات لفاتهم من الخير والمنة ما لم يحصره حاصر، ولا يحزره حازر، فسبحان الفاتح للعباد باب المعاملة والمبين لهم أسباب المواصلة.

واعلم أن الحق تعالى علم أن في عباده ضعفاء وأقوياء فأوجب الواجبات وبين المحرمات.

فالضعفاء اقتصروا على الواجبات والترك للمحرمات وليس في قلوبهم من سلطان الحب، ووجود الشغف ما يحملهم على المعالي من غير إيجاب، فمثلهم كمثل العبد الذي يعلم السيد منه انه إن لم يخارجه لم يهد إليه شيئا.

فلذلك وقت سبحانه الأوراد، ووظف وظائف العبودية، وعرف ذلك بالطالع، والغارب والزوال.

وصيرورة كل شيء مثله في الصلاة، وبالحول في الأموال النامية في العين والحرث والماشية، وبوقت حصول المنفعة في الزرع.

{وآتوا حقه يوم حصاده}.

وبعشر ذي الحجة في الحج، وبشهر رمضان في الصيام.

فوظف الوظائف، ووقتها، وجعل للنفوس فيما سواها فسحة للحظوظ والسعي في الأسباب.

وأهل الله تعالى، وأهل الفهم عنه جعلوا الأوقات كلها وقتا واحدا، والعمر كله نهجا إلى الله قاصدا، فعلوا أن الوقت كله له،  فلم يجعلوا منه شيئا لغيره، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله. ↑↑

عليك بورد واحد، وهو إسقاط الهوى ومحبة المولى.

أبت المحبة أن تستعمل محبا إلا فيما يوافق محبوبه.

وعلموا أن الأنفاس أمانات الحق عندهم، وودائعه لديهم، فعلموا أنهم مطالبون برعايتها فوجهوا هممهم لذلك.

وكما أن له الربوبية الدائمة كذلك حقوق ربوبيته عليك دائمة، فربوبيته عليك غير مؤقتة بالأوقات، فحقوق ربوبيته ينبغي أن تكون أيضا كذلك.

يقول الشيخ أبو الحسن رحمه الله:

فان لكل وقت سهما في العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية.

ولنحبس عنان المقال لئلا نخرج عن غرض الكتاب.

القسم الثالث من أقسام الإيثار: وهو الإيثار بالنفس.

فهذا هو أفضل الوجوه الثلاثة، وإنما أوثر بغيره لأجله، فمن آثر الله تعالى بما أوجبه عليه قد لا يؤثره بما في يديه مما لم يوجبه عليه، ومن آثر الله تعالى بما في يديه مما لم يوجهه عليه فقد لا يؤثره بنفسه ولا يسخوا ببذلها، فان السخاء بالنفس والبذل لها من أخلاق الصديقين، وشأن أهل اليقين، الذين عرفوا الله فبذلوا له نفوسهم علما منهم، أن العبد لا يملك مع السيد وإذا كان الإيثار بالنفس هو أكمل الوجوه فيكون ابخل بها أقبح الوجوه.

فقد تبين من هذا قول الشيخ: ومن الشح والبخل بعد حصوله. على طريق الإلماح لا الاستقصاء، فان الكتاب غير موضوع لهذا المعنى.

القسم الثالث من أقسام العوارض في شأن الرزق:

فإذا ذكرنا أن العوارض التي تعرض في شأن الرزق على ثلاثة أقسام:

عوارض قبل الحصول، وعوارض  في حين الحصول:

وقد تقدم ذكرهما في كلام الشيخ فيهما، وبينا نحن ذلك. ↑↑

وعوارض بعد حصوله، ونفاده من الأسف والعدم عليه وداوم التطلع إليه:

فينبغي أن تطهر منها أيضا، واسمع قوله تعالى:

{لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم}.

ومن أسف على فقد شيء، دون الله تعالى فقد نادى على نفسه بوجود الجهل، وثبات القطيعة إذ لو وجد الله لم يفقد شيئا دونه، فمن وجد الله فلا يجد شيئا دونه حتى يكون له فاقدا. وليعلم العبد أن ما فاته ليس له برزق، وما كان عنده ففقده فلس له، لأنه لو كان رزقه ما ذهب عنه إلى غيره، بل كان عارية عنده، أخذ العارية من أعارها، واسترجع الشيء من أوجده.

وكان لبعضهم ابنة عم مسماة عليه من الصغر، فلما كبر جرى ما منع زواجه إياها ثم تزوجت بزوج غيره فجاء إليه بعض أهل الفهم وقال له:

يصلح لك أن تعتذر إلى هذا الزوج الذي تزوج ابنة عمك، إذ كنت أنت المتطلع لزوجته، إذ هي زوجته في الأزل.

وكفى بالمؤمن تحذرا من الندم على ما فات قول الله تعالى:

{ومن الناس من يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وان أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين}.

فقد ذم الحق تعالى من يسكن للأشياء في حين وجدها، إلا تراه كيف قال: {فان أصابه خير اطمأن به}.

أي اطمأن بذلك الخير، ولو فهم لما اطمأن بشيء دون الله تعالى ولكانت طمأنينته بالله وحده، وكذلك من يحزن عليها عند فقدها، لقوله تعالى: {وإن أصابته فتنة}.

والفتنة فقد ذلك المشتهى الذي كان إليه ساكنا، {انقلب على وجهه} أي دهش عقله، وذهلت نفسه وغفل قلبه وما ذلك إلا لعدم معرفته بالله تعالى، ولو عرف الله تعالى أغناه وجوده من كل موجود، واستغنى به عن كل مفقود.

ومن فقد الله لم يجد شيئا، ومن وجده لم يفقد شيئا. ↑↑

وكيف يفقد شيئا من يجد بيده ملكوت كل شيء؟

وكيف يفقد شيئا من وجد الموجد لكل شيء؟

وكيف يفقد شيئا من وجد الظاهر في كل شيء.

فما سوى الله عند أهل المعرفة لا يتصف بوجود ولا بفقد، إذ لا يوجد غيره معه، لثبوت أحديته، ولا فقد لغيره لأنه لا يفقد إلا ما وجد ولو انهتك حجاب الوهم لوقع العيان على فقد الأعيان، ولأشرق نور الإيقان فغطى وجود الأكوان.

وإذ قد فهمت هذا فينبغي لك أيها العبد أن لا تأس على فقد شيء، وان لا تركن بوجود شيء، فان من وجد شيئا فركن إليه أو فقد شيئا فحزن عليه فقد اثبت عبوديته لذلك الشيء الذي أفرحه وجوده وأحزنه فقده. ↑↑

وافهم ها هنا قوله عليه الصلاة والسلام:

(تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة تعص وانتكس وإذا شيك فلا انتقش).

فلا تحكم في قلبك أيها المؤمن شيئا إلا حب الله ووده، فانك اشرف من أن تكون عبدا لغيره، فقد جعلك عبدا كريما فلا تكن عبدا لئيما.

وقد أبى لأهل الفهم عن الله تعالى، فهمهم، أن يركنوا لوجد أو يتطلعوا لفقد، لعبوديتهم وتصحيحا لحريتهم عما سواه.

وسمعت شيخنا أبا العباس رحمه الله يقول:

الكائن في الحال على قسمين، عبد هو في الحال بالحال، وعبد هو في الحال بالمحول.

والذي هو في الحال بالحال: هو عبد الحال الذي يفرح بها.

إذا وجدها، ويحزن عليها إذا فقدها. ↑↑

وعبد هو في الحال بالمحول: فذلك عبد الله لا عبد الحال، وهو الذي لا يأس عليها إذا فقدها، ولا يفرح إذا وجدها.

فقوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف} أي على وجهة واحدة، فان زالت طاعته، وانفصلت موافقته، ولو فهم عنا لعبدنا على كل حالة وفي كل وجهة، كما انه ربك تعالى في كل حال كذلك، فكن له عبدا في جميع الأحوال.

فقوله سبحانه وتعالى: {فان أصابه خير اطمأن به} أي إن أصابه خير مما يلائم نفسه هو في نظره خير، وقد يكون شرا في نفس الأمر.

{وان أصابته فتنة انقلب} أي فقد ذلك الخير الذي كان به مطمئنا، وسماه فتنة لأن في الفقد اختبار إيمان المؤمن وفي الفقد يظهر أحوال الرجال.

فكم من ظان أن غناه بالله، وإنما غناه بوجود أسبابه، وتعدادات اكتسابه؟

وكم من ظان أن انسه بربه، وإنما انسه بحاله، دليل ذلك فقدانه لأنسه عند فقدان حال. فلو كان انسه بربه لدام انسه بدوامه، ولبقي ببقائه.

وقوله تعالى: {خسر الدنيا والآخرة}.

خسر الدنيا بفقدان ما أراد منها، وخسر الآخرة، لأنه لم يعمل لها، فقد فاته ما طلبه وهو ما طلبنا حتى نكون له، فافهم.

أمثلة للمدبرين مع الله تعالى

↑↑

فصل: نذكر فيه أمثلة التدبير مع الله، والمدبرين معه، وأمثلة الرزق وضمان الحق تعالى له، فان بالمثال يتبين الحال.

مثل المدبر مع الله، كمن بنى بناءه على شاطئ البحر، كلما اجتهد في بنائه، كثرت عليه الأمواج، فتداعى جميع أنحائه.

كذلك المدبر مع الله تعالى، يبني مباني التدبير وتهدمها واردات المقادير لأجل ذلك قيل:

(يدبر المدبر، والقضاء يضحك).

وقال الشاعر:

متى يبلغ البنيان يوما تمامه *** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟

مثال آخر:  مثل المدبر مع الله تعالى كرجل جاء إلى رمال متراكمة، فوضع عليها بناءه فجاءت العواصف فنسفت الرمال، فتهدم ما بناه، كما قيل:

وعهودهم بالرمل قد درست *** وكذاك ما يبنى على الرمل

مثال آخر: مثل المدبر مع الله تعالى، كمثل والد سافر مع والده، فسارا ليلا، والأب لإشفاقه على الولد يراقبه من حيث لا يراه الولد، والولد لا يرى الوالد للظلمة الحائلة بينهما، فالولد مهموم بأمر نفسه كيف يفعل في شأنه، فإذا طلع القمر ورأى قرب الأب منه سكن جأشه، وهدأ ورعه لأنه رأى قرب أبيه منه فاغتنى بتدبيره له عن تدبيره لنفسه.

كذلك المدبر مع الله تعالى لنفسه، إنما دبر لأنه في ليل القطيعة، فلم يشهد قرب الله تعالى منه، فلو طلع قمر التوحيد، أو شمس المعرفة، لرأي قرب الحق تعالى منه، فاستحى أن يدبر معه، واغتنى بتدبير الله تعالى له، عن تدبيره لنفسه.

مثال آخر: التدبير شجرة تسقى بما سوء الظن وثمرتها القطيعة عن الله تعالى. إذ لو حسن العبد ظنه بربه لماتت شجرة التدبير من قلبه لانقطاع غذائها، وإنما كان ثمرتها القطيعة عن الله تعالى لأن من دبر لنفسه فقد اكتفى بعقله ورضي بتدبيره، واحتال على وجوده، فعقوبته  أن يحال عليه، وأن يمنع واردات المنن أن تصل إليه.

مثال آخر: مثل المدبر مع الله كعبد أرسله سيده إلى بلد له ليصنع له فيها قماشا فدخل العبد تلك البلدة، فقال: أين أسكن؟ ومن أتزوج؟

فاشتغل بذلك، وصرف همته لما هنا لك، وعطل ما أمره منه السيد حيث دعا سيده إليه، فجزاؤه من سيده أن جازاه بالقطيعة، ووجود الحجبة لاشتغال بأمر نفسه، عن حق سيده:

كذلك أنت أيها المؤمن، أخرجك الحق إلى هذه الدار، وأمرك فيها بخدمته، وقام له بوجود التدبير لك منه فان اشتغلت بتدبير نفسك عن حق سيدك فقد عدلت عن سبيل الهدى وسلكت مسلك الردى. ↑↑

مثال آخر: مثل المدبر مع الله تعالى، والذي لا يدبر كعبدين للمالك أما أحدهما: فمشتغل بأوامر سيده ولا يلتفت إلى ملبس ولا مأكل؟ بل إنما تهمه خدمة السيد فأغفله ذلك من التفرغ لحظوظ نفسه، ومهماتها.

وعبد آخر: كيفهما طلبه السيد وجده في غسل ثيابه، وسياسة مركوبه، وتحسين زيه.

فالعبد الأول أولى بإقبال السيد من العبد الثاني المشتغل بحظوظ نفسه، ومهماتها عن حقوق سيده، والعبد إنما اشترى للسيد لا لنفسه.

وكذلك العبد البصير، لا تراه إلا مشغولا بحقوق الله تعالى، ومراقبة أوامره عن محاب نفسه، ومهماتها، فلما كان كذلك قام له الحق تعالى بكل أمره، وتوجه له بجزيل عطائه لصدقه في توكله: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.

والغافل ليس كذلك، لا تجده إلا في تحصيل أسباب دنياه، وفي الأشياء التي توصله إلى هواه، قائما بوجود التدبير من نفسه لنفسه، محالا عليها، مقطوعا به عن وجود حسن الثقة وصدق التوكل.

مثال آخر: مثل المدبر مع الله كالظل المنبسط في عدم استواء الشمس فإذا استوت الشمس فني ذلك الظل، حتى لا يبقى منه إلا بقية رسم لا تمحوه المقابلة، كذلك شمس المعرفة إذا قابلت القلوب محت منها وجود التدبير إلا بقاء رسم من تدبير العبد أبقى فيه ليجري عليه التكليف.

مثال آخر: مثل المدبر مع الله تعالى لنفسه، كرجل باع دارا، أو عبدا، ثم بعد المبايعة وإتمامها جاء البائع إلى المشتري، فقال له: لا تبن فيها شيئا، أو اهدم منها بيت كذا. أو افعل فيها كذا. ↑↑

أو جاء البائع ليفعل ذلك فيقال له: أنت قد بعت وليس لك بعد البيع تصرف فيما بعته، إذ ليس بعد المبايعة منازعة، وقد قال سبحانه وتعالى:

{إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}.

فعلى المؤمن أن يسلم نفسه لله وما انتسب إليها، لأنه أنشأها:

ولأنه اشتراها، ومن لازم التسليم ترك التدبير لما أنت له مسلم كما بيناه.

وأما الرزق فمثال رزق العبد في هذه الدار كمثل سيد قال لعبده:

الزم هذه الدار قائما فيها بخدمة كذا فلم يكن للسيد ليأمره بذلك إلا وهو يطعمه ويسقيه ويكسبه ويقوم له بوجود الكفاية ولا يهمله من الرعاية، كذلك العبد أمره الله تعالى في الدنيا بالطاعة والموافقة وضمن له وجود القسمة، فليقم العبد بخدمته، فان السيد قائم عليه بمنته، قال الله تعالى:

{وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها، لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى} وقد تقدم بيانه.

مثال آخر: مثل العبد مع الله تعالى في هذه الدنيا كالطفل مع أمه ولم تكن الأم لتدع ولدها من كفالتها، ولا أن تخرجه من رعايتها وكذلك المؤمن مع الله تعالى، قائم له الحق تعالى بحسن الكفالة، فهو سائق إليه المنن ودافع عنه المحن.

رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة معها ولدها فقال: (أترون أن هذه طارحة ولدها في النار؟ فقالوا لا يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: الله أرحم بعبده المؤمن من هذه بولدها). ↑↑

مثال آخر: مثل العبد في الدنيا كمثل عبد قال له سيده: اذهب إلى ارض كذا أو كذا، واحكم أمرك، لأن تسافر من تلك الأرض في برية كذا وخذ أهبتك وعدتك فإذا أذن له السيد في ذلك، فمعلوم انه قد أباح له أن يأكل ما يستعين به على إقامة بنيته ليسعى في طلب العدة، وليقوم بوجود الأهبة.

كذلك العبد أوجده الحق في هذه الدار، وأمره أن يتزود منها لمعاده، فقال له الحق تعالى:

{وتزودوا فان خير الزاد التقوى}.

فمعلوم انه إذا أمره بالزاد للآخرة فقد أباح له أن يأخذ من الدنيا ما يستعين به على تزوده، واستعداده، وتأهبه لميعاده.

مثال آخر: مثل العبد مع الله تعالى، كمثل سيد له بستان أمر عبده أن يكون فيه غارسا وزارعا، وقائما بمصلحته، فان كان ذلك العبد حين أمر بذاك قام بما طلبه السيد منه، لا يخرج عنه، فليس السيد يلائم له، ولا مانع إياه من أكله من ذلك البستان، فانه إذا أكل منه عمل فيه، لكن على العبد أن يأكل ما يستعين به على الخدمة، وان لا يأكل أكل لتمتع والتشهي، مثال آخر: مثل العبد مع الله والد غرس غرسا كثيرا، وبنا ربعا كثيرا، وبنا ربعا كبيرا، فقيل له:

لمن فعلت هذا؟ فقال لولد عساه أن يحدث لي.

فهيأ للولد ما يحتاج إليه قبل وجوده حبا منه له.

أفترى إذا أعد له الأب قبل وجوده، أيمنعه إياه بعد وجوده؟

كذلك العبد مع الله تعالى هيأ له الحق المنة من قبل أن يخلفه في هذه الدار لأن المنة سابقة لوجودك إن فهمت.

إلا ترى انه سبق عطاؤه إياك وجودك، ومنته عليك ظهورك إذ هو أعطى في الأزل قبل أن يكون العبد ويكون منه له عمل، فما قسمه لك في الأزل وادخره  ليس بمانعه عنك، أهو هيأ لك قبل الوجود ويمنعك لما وجدت؟ ↑↑

مثال آخر: مثل العبد مع الله تعالى، كمثل أجير أتى به ملك إلى داره، وأمره بان يعمل له عملا فما كان الملك ليأتي بالأجير فيستخدمه في هذه الدار، ويتركه من غير تغذية، إذ هو أكرم من ذلك، كذلك العبد مع الله تعالى، فالدنيا دار الله، والأجير هو أنت والعمل هو الطاعة، والآخرة هي الجنة، ولم يكن ليأمرك بالعسل ثم لا يسوق لك ما به تستعين عليه.

مثال آخر: مثل العبد مع الله تعالى كمثل ضيف نزل على ملك كريم في داره فحق على ذلك الضيف أن لا يهتم بمأكل ولا مشرب، لأنه إن فعل ذلك كان تهمة للملك، وسوء ظن منه به، وقد تقدم ذلك من قول الشيخ أبى مدين رحمه الله، كذلك الدنيا دار الله، والعباد فيها ضيوفه، ولم يكن الله تعالى ليأمر بالضيافة على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام  ويكون لها تاركا، فالمهتم فيها بمأكل ومشرب ممقوت في نظر الملك إذ لولا شكه في الله لما كان يهتم بشأنه.

مثال آخر: مثل العبد مع الله تعالى كمثل عبد أمره الملك أن يقيم في ارض كذا، يحارب العدو الذي هنالك، وان يبذل عزمه في مجاهدته، وان يدوم على محاربته.

فمعلوم انه إذا أمره بذلك انه يبيح له أن يأكل من إهداء تلك البلدة ومخازنها بالأمانة، ليستعين بذلك على محاربة العدو الذي أمره الملك بمحاربته، كذلك العباد أمرهم الحق بمحاربة الشيطان بقوله:

{وجاهدوا في الله حق جهاده}.

وقال: {إن الشيطان لكم عدو، فاتخذوه عدوا}.

فلما أمرهم بمحاربته أذن لهم أن يتناولوا من منته ما يستعينون به على محاربة الشيطان، إذ لو تركت المأكل والمشرب لم يمكنك أن تقوم لطاعته، ولا أن تنهض بخدمته، فقد تضمن أمر الملك بالمجاهدة إباحة تناول ما هو منسوب للمالك مما هو معد لك، ولكن على طريق الأمانة محفوفا بالصيانة.

مثال آخر: مثل العبد مع الله تعالى كشجرة عرسها غارس طالبا نموها ونتاجها، فقد علمت الشجرة أن يكن لها علم أو علمنا ذلك فيها انه ما كان ليغرسها، ويمنعها السقي، كيف وهو حريص على نتاجها مريد لنمائها، كذلك أنت أيها العبد شجرة الله غارسك وهو ساقيك في كل وقت قائم لك بوجود التغذية، فلا تتهمه أن يغرس شجرة وجودك ثم يمنعك من السقيا بعد الغرس فانه ليس بغافل.

مثال آخر: مثل العبد مع الله تعالى، كمثل ملك له عبيد بنى دارا وأحسنها، وبهجها، وتولى غراسها، وكمل المشتهيات فيها في غير الموطن الذي العبيد فيه، وهو يريد أن ينقلهم إليها؟ ↑↑

أترى إذا كان هذا غايته بهم فيما ادخره لهم عنده، وهباه لهم بعد الرحلة، أيمنعهم ها هنا أن يتناولوا من منته وفضلات طعامه، وهو قد هيأ لهم الأمر العظيم والفضل الجسيم.

كذلك العباد مع الله، جعلهم في الدنيا، وهيأ لهم الجنة كما هيأ لهم الآخرة، وهو يريد أن يمنعهم من الدنيا ما يقوم به وجوههم ولذلك قال تعالى:

{كلوا واشربوا من رزق الله}.

وقال تعالى: {كلوا من رزق ربكم واشكروا له}.

وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقنا لكم}.

فإذا ادخر لك الباقي: ومن به عليك لا يمنعك الفاني فان منعك منه، فإنما منعك ما لم يقسمه لك وما لم يقسمه لك فليس لك، فكان ذلك المنع لك منه عطاء ونظرا علم أن فيه مصلحة وجودك ونظام أمرك. كما يقطع توالي الماء عن الشجرة لئلا يتلفها دوام السقيا.

مثال آخر: مثل المتهم بأمر دنياه، الغافل عن التزود لأخرته، كمثل إنسان هاجمه سبع وقد كاد أن يفترسه، ووقع عليه ذباب فاشتغل بذلك ذلك الذباب ودفعه عن التحرز من الأسد. فهذا عبد أحمق، فاقد وجود العقل، ولو كان بالعقل متصفا لشغله أمر الأسد، وصولته، وهجومه عليه عن الفكرة في أمر الذباب، والاشتغال به كذلك المتهم بأمر دنياه، الغافل عن التزود لأخراه، دل ذلك منه على وجود حمقه، إذ لو كان فاهما، عاقلا، لتأهب للدار الآخرة التي هو مسئول عنها، وموقوف فيها، ولا يشتغل بالاهتمام بأمر الرزق، فان الاهتمام بالنسبة إلى الآخرة كنسبة الذباب إلى مفاجأة الأسد وهجومه.

مثال آخر: مثل العبد مع الله تعالى كمثل الطفل مع أبيه لا يعول مع الأب هما ولا يخشى عدما لعلمه أن الأب قائم له بوجود الكفالة، فطيبت الثقة به عيشه، وأزال الاعتماد على أبيه غمه. ↑↑

كذلك العبد المؤمن مع الله تعالى، لا يعول الهموم، ولا ترد بساحة قلبه الغموم من شأن الرزق، فعلمه بان الحق لا يدعه، وعن فضله لا يقطعه ومن وجوده وإحسانه لا يمنعه.

مثال آخر: مثل العبد مع الله تعالى كعبد له سيد غنى متصف بالثروة، والإحسان إلى عبيده، وغير معروف بالمنع موصوف بالجود والعطاء.

والعبد بفضله واثق، ولإحسانه رامق، علم من سيده الغني فأخرجه ذلك عن وجود العناء، وهذا بعينه كان سبب توبة شقيق البلخي رحمه الله.

قال: عبرت في زمن مجاعة فوجدت غلاما منبسطا منشرحا ليس عنده علم مما الناس فيه، فقلت له: يا فتى أما تعلم الناس فيه؟

فقال: وما أبالي ولمولاي قرية خالصة، يدخل إلينا كل يوم ما نحتاج إليه.

فقلت في نفسي: إن كان لسيد هذا قرية خالصة، فمولاي له خزائن السماوات والأرض، فأنا أولى بالثقة من هذا بسيده، وهو كان سبب انتباهي.

مثال آخر: مثل العبد المتسبب المرزوق في وجود السبب. كمثل عبد قال له السيد: اعمل وكل من عملك.

ومثال المتجرد كمثل عبد قال له السيد: الزم أنت خدمتي، وأنا أسوق إليك منتي.

مثال آخر: مثل العبد النافذ إلى الله تعالى في الأسباب بمثابة الرجل يقعد تحت الميزاب إذا أمطرت السماء، فهو يشكر الله تعالى وحده ولا يلزم من قعوده تحت الميزاب أن يضيف المطر له. بل علم انه إن لم يكن فيه لم يجد شيئا، كذلك الأسباب، ميازيب المنن فمن دخل في الأسباب وهمته مطلعة بالله تعالى لا بها لم يضره ذلك ولم يخش عليه القطيعة فيما هنالك. ↑↑

ومل الواقف مع الأسباب الغافل عن وليها، كمثل البهيمة يعبر عليها مالكها فلا تلتفت إليه، وهو المالك لها والمعطى لسائسها ما ينفق عليها فإذا عبر سائسها بصبصت بعينها، وتشوفت إليه لاعتيادها منه أن يتولى طعمتها.

فالعبد كذلك لأنه أجرى إليه الإحسان على أيدي الخلق يشهد ذلك منهم، ولم يخرجه عنهم، فهو كالبهيمة أحسن حالا منه: {أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون}.

مثال آخر: مثل الواقف مع الأسباب، والنافد إلى الله فيها، كمثل رجلين دخلا حماما.

أحدهما: وافر العقل، والآخر غالب عليه البلاهة، فاستوقف الماء فأما العاقل فيعلم أن له مصريا  من ورائه يصرفه، ومجريا يجريه فيرجع إليه ليرسل له منه ما كان قطعة أو يفعل ما يشاء. ↑↑

وأما الآخر: فيأتي إلى الأنبوب فيقول:

أيها الأنبوب، اسكب لنا ماء، مالك قطعتني ماءك؟

فيقال له: انك لأحمق، وهل الأنبوب يسمع شيئا؟ أو يفعل شيئا؟ إنما هي محل ومجرى يظهر فيما ما أجرى فيها:

ومثال العبد المدخر كعبد للملك جعله في بستانه ليقوم بإصلاح شأنه، فللعبد أن يأكل من ثمرات ذلك البستان ما يتقوى به على الغراس، والزراعة فيه، وليس له أن يدخر. لأن ثمرة ذلك البستان دائمة وسيده غني قادر، فان ادخر بغير أذن سيده إمساكا على نفسه، وتهمة لسيده فقد خان.

ومثال العبد الذي لا يدخر كعبد هو في بستان السيد أو في داره، علم انه لا ينساه سيده، ولا يهمله، بل يبذل له خيره، ويوصل إليه بره فاعتنى بسيده عن الادخار معه، وبغناه عن أن يحتاج وان يعتمد على شيء دونه.

فهذا العبد: حري أن يواجه بالإقبال، وان يسعف بالنوال.

مثال آخر: المدخر بالأمانة كعبد للملك لا يرى أن له مع سيده شيئا لا يعتمد ادخار ما في يده، ولا بذله، بل لا يختار إلا ما اختاره السيد له، فإذا فهم هذا العبد أن الإمساك مراد سيده، امسك لسيده لا لنفسه، حتى يتخير موضع صرفه، فيكون له صارفا حين يفهم عن سيده إرادة صرفه.

فهذا بإمساكه غير معلوم، لأنه امسك لسيده لا لنفسه.

كذلك أهل المعرفة بالله تعالى، إن بذلوا فلله، وإن امسكوه فلله، يبتغون ما فيه رضاه، ولا يريدون ببذلهم وإمساكهم إلا إياه، فهم خزان أمناء، وعبيد كبراء، وأحرار كرماء، قد حررهم الحق تعالى من رق الآثار فلم يميلوا إليها بحب، ولا اقبلوا عليها بود منعهم من ذلك ما اسكن في قلوبهم من حب الله، ووده، وما امتلأت به صدورهم من عظمته، ومجده، وليس الممسك لله بدون الباذل له فصارت الأشياء في أيديهم فهي في خزائن الله من قبل أن تصل إليهم علما منهم أن الله تعالى يملكهم ويملك ما ملكهم، ومن لم يحسن الإمساك لله لم يحسن البذل له فافهم.

مناجاة الحق

↑↑

فصل: نذكر  فيه مناجاة الحق سبحانه وتعالى لعبده على ألسنة هواتف الحقائق في شأن التدبير والرزق.

أيها العبد: ألق سمعك وأنت شهيد، يأتك مني المزيد، وأصغ يسمع قلبك، فأنا عنك لست ببعيد.

أيها العبد: كنت لك بتدبيري لك من قبل أن تكون لنفسك، فكن لنفسك بان لا تكون لها، وتوليت رعايتها قبل ظهورك، وأنا الآن في الرعاية لها.

أيها العبد: أنا المنفرد بالخلق والتصوير، وان المنفرد بالحكم والتدبير، لم تشركني في خلقي وتصويري فلا تشاركني في حكمي وتدبيري.

أنا المدبر لملكي، وليس لي فيه ظهير، وان المنفرد بحكمي فلا احتاج فيه إلى وزير.

أيها العبد: من كان لك بتدبيره قبل الإيجاد فلا تنازعه في المراد، ومن عودك حسن النظر منه لك، تقابله بالعناد.

أيها العبد: عودتك حسن النظر مني لك فكن على إسقاط التدبير منك معي.

أيها العبد: اشكوا بعد وجود التجربة، وحيرة بعد وجود البيان، وضلالا بعد وضوح الهدى؟

أما يحيلك على علمك بأنه لا مدبر لك غيري؟

أما يجنبك من المنازعة لي ما سبق من وجود خيري؟

أيها العبد: انظر نسبة وجودك من أكواني ترى انك متلاش في الفاني فما ظنك بما ليس بفان؟ وقد سلمت إلى يا من بمملكتي، وأنت من مملكتي، فلا تنازع ربوبيتي، ولا تضادد بتدبيرك مع وجود إلهيتي.

أيها العبد: أما يكفيك أني أكفيك؟ أما يوجب سكونك لي سوابق عوائدي فيك؟

أيها العبد: متى أحوجتك إليك، حتى تحتال عليك؟ ومتى وكانت شيئا من مملكتي لغيري حتى أكل ذلك إليك؟

أيها العبد: أعدت لك وجودي من قبل أن أظهرك لوجودي، وظهرت بقدرتي في كل شيء، فكيف يمكنك جحودي؟

أيها العبد: متى خاب من كنت له مدبرا، ومتى خذل من منت له منتصرا؟

أيها العبد: لتشغلك خدمتي عن طلب قسمتي وليمنعك حسن الظن بي عن اتهام ربوبيتي.

أيها العبد: لا ينبغي أن يتهم محسن، ولا أن ينازع مقتدر، ولا أن يضاد قهار، ولا أن يعترض على حكم حكيم ولا أن يعال هم مع لطيف.

أيها العبد: لقد فاز بالنجاح من خرج عن الإرادة ولقد دل على يسر الأمر من احتال علي، ولقد ظفر بكنز الغنى من صدق في الفاقة إلي، ولقد استوجب النصر مني عبد إذا تحرك بي، ولقد استمسك بأقوى الأسباب من استمسك بسببي، أني آليت على نفسي أن أجازى أهل التدبير بوجود التكدير، وان اهدم ما شيدوا، واحل ما عقدوا، وان أكلهم إليهم. وان أحيلهم عليهم، ممنوعين من روح الرضا، ونعيم التفويض فلو ما فهموا عني لاقتنعوا بتدبيري لهم عن تدبيرهم لأنفسهم، برعايتي لهم عن رعايتهم إياها، فإذا كنت اسلك بهم سبيل الرضا، وانهج نهج منهج أهل الهدى أسعى بهم في طريق بيضا، واجعل عنايتي بهم واقية لهم من كل ما يخافون وجالبة لهم جميع ما يرجون، وذلك علي يسير. ↑↑

أيها العبد: نريد منك أن تريدنا ولا تريد معنا، ونختار لك أن تختارنا ولا تختار معنا، ونرضى لك أن ترضانا، ولا نرضى لك أن ترضى سوانا.

أيها العبد: إن قضيت لك فلا راد في ظهور فضل عليك، وإن قضيت عليك فلأني أريد أن أورد في قضائي أسرار لطفي إليك.

أيها العبد: لا تجعل ما أظهرت فيك من نعمتي، وجود منازعتي ولا تجعل عوض ما أحسن لك بالعقل الذي ميزتك به وجود مضادتي.

أيها العبد: كلما سلمت لي تدبير ارضي وسمائي، وانفرادي فيهما بحكمي وقضائي سلم وجودك لي، فانك لي، ولا تدبر معي فانك معي، واتخذني وكيلا، وثق بي وكيلا. أعطيك عطاء جزيلا، واهبك فخرا جليلا.

أيها العبد: إني حكمت في أزلي انه لا يجتمع في قلب عبدي ضياء التسليم لي وظلمة المنازعة معي، فمتى كان واحد منها لم يكن الآخر معه، فاختر لنفسك.

ويحك: أنا أجللنا قدرك أن تشتغل بأمر نفسك، فلا تصغر قدرك يا من رفعناه، ولا تذلها  بحوالتك على غيري، يا من أعززناه.

ويحك أنت اجل عندنا من أن تشتغل بغيرنا، لحضرتي خلقتك واليها خطبتك، وبجواذب عنايتي لها جذبتك فان اشتغلت بنفسك حجبتك، وان اتبعت هواها طردتك، وإن خرجت عنها قربتك، وإن توددت لي بإعراضك عما سواي أجبتك. أيها العبد: أما كفاك لو اكتفت، وهداك لو اهتديت أني أنا الذي خلقت فسويت، وتصدقت فأعطيت؟ أما يمنعك ذلك من منازعتي فيما قضيت، ومعارضتي فيما أتيت؟ أيها العبد: ما آمن بي من نازعني ولا وحدني من دبر معي.

ولا رضي بي من شكا ما أنزلت به إلى غيري، ولا اختارني من اختار معي. وما امتثل أمري من لم يستسلم لقهري، ولا عرفني من لم يفوض أمره لي ولقد جهلني من لم يتوكل علي. أيها العبد: يكفيك من الجهل أن تسكن لما في يدك ولا تسكن لما في يدي وان اختار لك أن تختارني فتختار علي؟ ويحك: لا تجتمع عبودية واختيار، ولا ظلم وأنوار، ولا توجهك لي، وتوجهك للآثار. فأما أنا لك أو أنت لنفسك، فاختر على بيان ولا تستبدل الهدى بالخسران. أيها العبد: لو طلبت مني التدبير لنفسك جهلت فكيف إذا دبرت لها؟ ولو اخترت معي ما أنصفت، فكيف إذا اخترت علي؟ أيها العبد: لو أذنت لك أن تدبر كان يجب أن تستحي من أن تدبر وكيف وقد أمرتك من أن لا تدبر؟

يا مهموما بنفسه، لو ألقيتها إلينا لاسترحت؟ ويحك: أعباء التدبير لا يحملها إلا الربوبية، ولا تقوى عليها البشرية؟ ويحك: أنت محمول فلا تكن حاملا أردنا راحتك، فلا تكن متعبا لنفسك. من دبرك في ظلمات الأحشاء، فأعطاك بعد الوجود ما تشاء لا ينبغي لك أن تنازعه فيما يشاء. أيها العبد: أمرتك بخدمتي، وضمنت لك قسمتي، فأهملت ما أمرت وشككت فيما ضمنت، ولم اكتف لك بالضمان حتى أقسمت وليم اكتف بالقسم حتى مثلت، وخاطبت عبادا يفهمون، فقلت: {وفي السماء رزقكم وما توعدون، فورب السماء والأرض انه لحق مثل ما أنكم تنطقون}. ↑↑

ولقد اكتفى بوصفي العارفون، واحتال على كرمي الموقنون. فلو لم يكن وحدي لعلموا أني لا اقطع عنهم واردات رفدي. ولو لم يكن ضماني لوثقوا بوجود إحساني. وقد رزقت من غفل عني وعصاني. فكيف لا ارزق من أطاعني ورعاني؟.

ويحك: الفارس للشجرة هو ساقيها. والممد للخليقة هو باريها ويكفيها إنهن كافيها ومكافئيها.

متى كان الإيجاد وعلى دوام الإمداد.

متى كان الخلق، وعلى دوام الرزق. ↑↑

ويحك: هل تدعو لدارك إلا من تريد أن تطعمه، وهل ننسب لنفسك إلا من تحب أن تكرمه؟

أيها العبد: اجعل همك في مكان همك برزقك، فان ما حملته عنك، فلا تتعبن به، وما حملته أنت فكن أنت به.

أندخلك داري، ونمنعك إبراري؟

أنبرزك لكوني، ونمنعك وجود عوني؟

أنخرجك إلى وجودي، ونمنعك جودي؟

أأطالبك بحقي، وأمنعك وجود رزقي.

أأقتضي منك خدمتي، ولا أقضي لك بقسمتي.

ويحك: عندي لك هبات شتى، وفيك أظهرت رحمتي وما قنعت لك بالدنيا وما ادخرت لك جنتي، وما اكتفيت لك بذلك حتى أتحفتك برؤيتي، فإذا كانت هكذا فعالي فكيف تشك في أفضالي؟ ↑↑

أيها العبد: لا بد لنعمتي من آخذ، ولفضلي من قابل، وأنا الغني عن الانتفاع بالمنافع لما دل عليه الدليل القاطع.

فلو سألتني أن أمنعك رزقي ما أجبتك، ولو سألتني أن أحرمك من فضلي ما حرمتك، فكيف وأنت دائما تسألني؟ وكثيرا ما تطلب مني؟ فاستح مني أن كنت لا تستحي مني، وافهم عني، ولقد أعطى كل العطاء من فهم عني.

أيها العبد: تخيري ولا تتخير علي، ووجه قلبك بالصدق إلي، فانك إن تفعل اريك غرائب لطفي، وبدائع وجودي، أمتع سرك بشهودي.

ولقد أظهرت الطريق أهل التحقيق، وبينت معالم الهدى لذوي التوفيق، فبحق سلم إلى الموقنون، وببيان توكل علي المؤمنون، علموا أني لهم خير من أنفسهم لأنفسهم، وإن تدبيري لهم أجدى عليهم من تدبيرهم لها، فأذعنوا لربو بيتي مستسلمين وطرحوا أنفسهم بين يدي مفوضين، فعوضتهم عوض ذلك راحة في نفوسهم، ونورا في عقولهم ومعرفة في قلوبهم وتحققا بقربي في أسرارهم.

هذا في هذه الدار، ولهم عندي إذا قدموا علي أن اجل منصبهم، واعلي محلهم، وانشر ألوية المجد عليهم، ولهم إذا أدخلتهم داري، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ↑↑

أيها العبد: الوقت الذي أنت تستقبله لم أطالبك فيه بالخدمة،/ فكيف تطالبني فيه بالقسمة؟

فإذ كلفتك تكلفت لك، وإذا استخدمتك أطعمتك، واعلم أني لا أتنساك وان نسيتني، وأني ذكرتك قبل أن ذكرتني، وان رزقي عليك دائم وان عصيتني.

فإذا كنت كذلك في إعراضك عني، فكيف ترى أن أكون لك في إقبالك علي.

ما قدرتني حق قدري أن لم تسلم لقهري. ولا رعيت حق بري أن لم تمتثل أمري، فلا تعرض عني فانك لا تجد من تستبدل مني، ولا تغتني بغيري، فان أحد لا يغنيك عني.

أنا الخالق بقدرتي، وان الباسط لك منتي، فكما انه لا خالق غيري كذلك لا رزاق غيري.

أأخلق وأحيل على غيري؟ وأنا المتفضل وامنع العبا وجود خيري؟

فثق أيها العبد بي فأنا رب العباد، واخرج عن مرادك معي أبلغك عين المراد، واذكر سوابق لطفي، ولا تنسى حق الوداد.

خاتمة ودعاء

↑↑

أردنا أن نختم هذا الكتاب بدعاء مناسب لما الكتاب موضوع له، وهو:

اللهم أنا نسألك أن تصلي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين انك حميد مجيد.

اللهم اجعلنا من المستسلمين إليك، ومن القائمين بين يديك، أخرجنا من التدبير معك، أو عليك، واجعلنا من المفوضين إليك.

اللهم انك قد كنت لنا من قبل أن نكون لأنفسنا، فكن لنا بعد وجودنا كما كنت قبل وجودنا، ألبسنا ملابس لطفك واقبل علينا بجنابك وعطفك، واخرج ظلمات التدبير من قلوبنا، وأشرق نور  التفويض في أسرارنا، وأشهدنا حسن اختيارك لنا حتى يكون ما تقتضيه فينا وتختاره لنا أحب إلينا من مختارنا لأنفسنا.

اللهم لا تشغلنا بما ضمنت لك عما أمرتنا، ولا بشيء أنت ضامنه لنا عن شيء أنت طالبه منا.

اللهم انك دعوتنا إلى الانقياد إليك، والدوام بين يديك، وأنا عن ذلك عاجزون إلا أن تقدرنا، وضعفاء إلا أن تقوينا.

ومن أين لنا أن نكون في شيء إلا إن كونتنا؟

وكيف لنا أن نصل لشيء إلا أن وصلتنا؟

وأنى لنا أن نقوى على شيء إلا أن أعنتنا.

فوفقنا لما به أمرتنا، وأعنا على الانكفاف عما عنه زجرتنا.

اللهم أدخلنا رياض التفويض، وجنات التسليم، ونعمنا بها وفيها واجعل أسرارنا معك لا مع نعيمها ولذتها، ولذذنا بك لا تزينها  وبهجتها.

اللهم أشرق علينا من أنوار الاستسلام إليك، والإقبال عليك ما تبتهج به أسرارنا وتكتمل به أنوارنا.

اللهم انك قد دبرت كل شيء قبل وجود كل شيء. وقد علمنا انه لن يكون إلا ما تريد، وليس هذا العلم نافعا لنا إلا أن تريد، فردنا بخيريك وارفع شأننا بفضلك، واقصدنا بعنايتك، وحفنا برعايتك، واكسنا من ملابس أهل ولايتك، أدخلنا في وجود حمايتك، انك على كل شيء قدير.

اللهم أنا علمنا أن حكمك لا يعاند وقضاءك لا يضادد وقد عجزنا عن ردنا ما قضيت ودع ما أمضيت فنسألك لطفا فيما قضيت، وتأييدا فيما أمضيت، واجعلنا في ذلك ممن رعيت يا رب العالمين. ↑↑

اللهم انك قد قسمت لنا قسما أنت موصلها لنا، فوصلنا إليها بالهناء والسلامة من العناء ومصانين فيها من الحجة محفوفين فيها بأنوار الوصلة، نشهدها عنك، فنكون لك من الشاكرين، ونضيفها لك ولا نضيفها لأمد من العالمين.

اللهم إن الرزق بيدك رزق الدنيا، ورزق الآخرة، فارزقنا منها ما علمت فيه المصلحة لنا، والعود بالجدوى علينا.

اللهم اجعلنا من المختارين لك، ولا تجعلنا من المختارين عليك، ومن المفوضين لك: لا من المعترضين عليك.

اللهم أنا إليك محتاجون فأعطنا، وعن الطاعة عاجزون فأقدرنا وهب لنا قدرة على طاعتك، وعجزا عن معصيتك، واستسلاما لربو بيتك، وصبرا على أحكام إلهيتك، وعزا بالانتساب إليك، وراحة في قلوبنا بالتوكل عليك، واجعلنا ممن دخل ميادين الرضا، وكرع من تسليم التسليم، وجنا من ثمار المعارف والبس خلع التخصيص وأتحف تحفة القرب وفوتح من حضرة الحب دائمين على خدمتك محققين لمعرفتك، متبعين لرسولك وارثين عنه وآخذين منه، ومحققين به، وقائمين بالنيابة عنه واختم لنا منك بخير يا رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

↑↑

↑↑

والحمد لله رب العالمين

انتهى كتاب التنوير في إسقاط التدبير

Advertisements

اذا كنت استفدت فلا تبخل علينا بكلمة شكر أو اضغط زر الإعجاب- لا تحتاج للتسجيل او لكتابة اميلك للتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s