معرض مقتطفات من كتاب كيمياء السعادة


من كتاب كيمياء السعادة لأبي حامد الغزالي

ما حقيقة القلب?

أما سؤالك: ما حقيقة القلب? فلم يجئ في الشريعة أكثر من قول الله تعالى: (وَيَسأَلونَكَ عَنِ الروحِ قُلِ الروحُ مِن أَمرِ رَبّي).. لأن الروح من جملة القدرة الإلهية، وهو من عالم الأمر، قال الله عز وجل: (أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ).
فالإنسان من عالم الخلق من جانب، ومن عالم الأمر من جانب؛ فكل شيء يجوز عليه المساحة والمقدار والكيفية فهو من عالم الخلق. وليس للقلب مساحة ولا مقدار؛ ولهذا لا يقبل القسمة، ولو قبل القسمة لكان من عالم الخلق، وكان من جانب الجهل جاهلاً ومن جانب العلم عالماً، وكل شيء يكون فيه علم وجهل فهو محال. وفي معنى آخر هو من عالم الأمر؛ لأن عالم الأمر عبارة عن شيء من الأشياء لا يكون للمساحة والتقدير طريق إليه.
وقد ظن بعضهم: )أن الروح قديم( فغلطوا.
وقال قوم: )إنه عرض(، فغلطوا؛ لأن العرض لا يقوم بنفسه، ويكون تابعاً لغيره. فالروح هو أصل ابن آدم، وقالب ابن آدم تبع له؛ فكيف يكون عرضا?! وقال قوم: )إنه جسم(، فغلطوا؛ لأن الجسم يقبل القسمة. فالروح الذي سميناه قلبا، وهو محل معرفة الله تعالى، ليس بجسم، ولا عرض، بل هو من جنس الملائكة.
ومعرفة الروح صعبة جداً؛ لأنه يرد في الدين طريق إلى معرفته؛ لأنه لا حاجة في الدين إلى معرفته؛ لأن الدين هو المجاهدة، والمعرفة علامة الهداية كما قال سبحانه وتعال: (وَالَّذينَ جاهَدوا فينا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا). ومن لم يجتهد حق اجتهاده لم يجز أن يتحدث معه في معرفة حقيقة الروح. وأول أس المجاهدة أن تعرف عسكر القلب؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف العسكر لم يصح له الجهاد.

فصل لماذا خُلق القلب?

اعلم أن النفس مركب قلب، وللقلب عساكر، كما قال سبحانه وتعالى: (وَما يَعلَمُ جُنودَ رَبِّكَ إِلّا هُوَ).
والقلب مخلوق لعمل الآخرة طلبا لسعادته، وسعادته معرفة ربه عز وجل، ومعرفة ربه تعالى تحصل له من صنع الله، وهو من جملة عالمه، ولا تحصل له معرفة عجائب العالم إلا من طريق الحواس، والحواس من القلب، والقالب مركبه. ثم معرفة صيده، ومعرفة شبكته، والقالب لا يقوم إلا بالطعام، والشراب، والحرارة، والرطوبة. وهو ضعيف على خطر من الجوع والعطش في الباطن، وعلى خطر من الماء والنار في الظاهر، وهو مقابل أعداء كثيرة.

فصل معرفة عساكر القلب

وتحتاج أن تعرف العسكرين: وذلك أن العسكر الظاهر هو: الشهوة والغضب؛ ومنازلهم في اليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين، وجميع الأعضاء.
وأما العسكر الباطن، فمنازله في الدماغ، وهو قوي الخيال، والتفكر، والحفظ، والتذكر، والوهم. ولكل قوة من هذه القوى عمل خاص. فإن ضعف واحد منهم ضعف حال ابن آدم في الدارين.
وجملة هذين العسكرين في القلب، وهو أميرهما؛ فإن أمر اللسان أن يذكر ذكر، وإن أمر اليد أن تبطش بطشت، وإن أمر الرجل أن تسعى سعت، وكذلك الحواس الخمس حتى يحفظ نفسه؛ كيما يدخر الزاد للدار الآخرة، ويحصل الصيد، وتتم التجارة، ويجمع بذر السعادة.
وهؤلاء طائعون للقلب، كما أن الملائكة طائعون للرب سبحانه وتعالى لا يخالفون أمره.

فصل في معرفة القلب وعسكره

اعلم أنه قيل في المثل المشهور: إن النفس كالمدينة، واليدين والقدمين وجميع الأعضاء ضياعها، والقوة الشهوانية واليها، والقوة الغضبية شحنتها، والقلب ملكها، والعقل وزيرها. والملك يدبرهم حتى تستقر مملكته وأحواله؛ لأن الوالي وهو الشهوة كذاب فضولي مخلط، والشحنة – وهو الغضب – شرير قتال خراب. فإن تركهم الملك على ما هم عليه، هلكت المدينة وخربت؛ فيجب أن يشاور الملك الوزير، ويجعل الوالي والشحنة تحت يد الوزير. فإذا فعل ذلك استقرت أحوال المملكة وتعمرت المدينة. وكذلك القلب يشاور العقل، ويجعل الشهوة والغضب تحت حكمه، حتى تستقر أحوال النفس، ويصل إلى سبب السعادة من معرفة الحضرة الإلهية.
ولو جعل العقل تحت يد الغضب والشهوة، هلكت نفسه، وكان قلبه شقيا في الآخرة.

فصل وظيفة القلب

اعلم أن الشهوة والغضب خادمان للنفس جاذبان يحفظان أمر الطعام والشراب والنكاح لعمل الحواس.
ثم النفس خادم الحواس شبكة العقل وجواسيسه يبصر بها صنائع البارئ جلت قدرته.
ثم الحواس خادم العقل، وهو للقلب سراج وشمعة يبصر بنوره الحضرة الإلهية؛ لأن الجنة وهي نصيب الجوف أو الفرج محتقرة في جنب تلك الجنة.
ثم العقل خادم القلب، والقلب مخلوق لنظر جمال الحضرة الإلهية.
فمن اجتهد في هذه الصنعة، فهو عبد حق، من غلمان الحضرة، كما قال سبحانه وتعالى: (وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدون).
معناه: إنا خلقنا القلب، وأعطيناه الملك والعسكر، وجعلنا النفس مركبة؛ حتى يسافر عليه من عالم التراب إلى أعلى عليين.
فإذا أراد أن يؤدي حق هذه النعمة، جلس مثل السلطان في صدر مملكته، وجعل الحضرة الإلهية قبلته ومقصده، وجعل الآخرة وطنه وقراره، والنفس مركبه، والدنيا منزله، واليدين والقدمين خدامه، والعقل وزيره، والشهوة عامله، والغضب شحنته، والحواس جواسيسه. وكل واحد موكل بعالم من العوالم يجمع له أحوال العوالم. وقوة الخيال في مقدم الدماغ كالنقيب يجمع عنده أخبار الجواسيس، وقوة الحفظ في وسط الدماغ مثل صاحب الخريطة يجمع الرقاع من يد النقيب ويحتفظها إلى أن يعرضها على العقل. فإذا بلغت هذه الأخبار إلى الوزير يرى أحوال المملكة على مقتضاها.
فإذا رأيت واحداً منهم قد عصى عليك، مثل الشهوة والغضب، فعليك بالمجاهدة، ولا تقصد قتلهما؛ لأن المملكة لا تستقر إلا بهما.
فإذا فعلت ذلك كنت سعيداً، وأديت حق النعمة، ووجبت لك الخلعة في وقتها، وإلا كنت شقياً، ووجب عليك النكال والعقوبة.

فصل ثلاثة أشياء تبنى عليها السعادة

تمام السعادة مبني على ثلاثة أشياء: قوة الغضب، قوة الشهوة، قوة العلم.
فيحتاج أن يكون أمرها متوسطاً؛ لئلا تزيد قوة الشهوة فتخرجه إلى الرخص فيهلك، أو تزيد قوة الغضب فتخرجه إلى الجموح فيهلك.
فإذا توسطت القوتان بإشارة قوة العلم دل على طريق الهداية، وكذلك الغضب إذا زاد سهل عليه الضرب والقتل، وإذا نقص ذهبت الغيرة والحمية في الدين والدينا، وإذا توسط كان الصبر والشجاعة والحكمة. وكذا الشهوة إذا زادت كان الفسق والفجور، وإن نقصت كان العجز والفتور، إن توسطت كان العفة والقناعة وأمثال ذلك.

فصل أحوال القلب مع عسكره

اعلم أن للقلب مع عسكره أحوالا وصفات، بعضها يسمى أخلاق السوء، وبعضها أخلاق الحسن فبالأخلاق الحسنة يبلغ درجة السعادة، وبالأخلاق السيئة هلاكه وخروجه للشقاء.
وهذه كلها تبلغ أربعة أجناس: أخلاق الشياطين، أخلاق البهائم، أخلاق السباع، أخلاق الملائكة.
فأعمال السوء: من الأكل والشرب، والنوم، والنكاح؛ هي أخلاق البهائم.
وكذلك أعمال الغضب: من الضرب، والقتل، والخصومة هي أخلاق السباع.
وكذلك أعمال النفس: وهي المكر، والحيلة، والغش، وغير ذلك؛ هي أخلاق الشياطين.
وكذلك أعمال العقل؛ التي هي الرحمة، والعلم، والخير؛ هي أخلاق الملائكة.

فصل الأخلاق الحسنة والأخلاق القبيحة

واعلم أن في جلد ابن آدم أربعة أشياء: الكلب، الخنزير، الشيطان، الملك.
والكلب مذموم في صفاته، وليس بمذموم في صورته. وكذلك الشيطان والملائكة، ذمهم ومدحهم في صفاتهم، وليس ذلك في صورهم وخلقهم. وكذلك الخنزير مذموم في صفاته، وليس بمذموم في خلقته.
وقد أمر ابن آدم بأن يكشف ظلم الجهل بنور العقل؛ خوفا من الفتنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: )ما من أحد إلا وله شيطان، ولي شيطان، وأن الله قد أعانني على شيطاني حتى أسلم(. وكذلك الشهوة والغضب، ينبغي أن يكونا تحت يد العقل، فلا يفعل شيئا إلا بأمره، فإن فعل ذلك صح له حسن الأخلاق، وهي صفات الملائكة، وهي بذر السعادة. وإن عمل بخلاف ذلك، فخدم الشهوة والغضب، صح له الأخلاق القبيحة، وهي صفات الشياطين، وهي بذر الشقاء. فيتبين له في نومه كأنه قائم مشدود الوسط يخدم الكلب والخنزير، وكان مثله كمثل رجل مسلم يأخذ رجالا مسلمين يحبسهم عند كافرين. فكيف يكون حالك يوم القيامة إذا حبست الملك – وهو العقل – تحت يد الشهوة والغضب، وهما الكلب والخنزير?

 

Advertisements

اذا كنت استفدت فلا تبخل علينا بكلمة شكر أو اضغط زر الإعجاب- لا تحتاج للتسجيل او لكتابة اميلك للتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s