تعدد زوجات النبي محمد .. كدليل نبوة وصدق رسالة..


تعدد زوجات النبي محمد  .. كدليل نبوة وصدق رسالة..

شواهد ودلائل وبراهين

على رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين

في تعدد زوجاته

وما جاء به من شرع محكم

للعــــــالــمين

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، فاطر السماوات والأرض، جاعل الظلمات والنور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا r عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على محمد النبي خاتم الأنبياء والمرسلين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على أزواجه وآل بيته الأخيار الأطهار وأصحابه الكرام، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره r إلى يوم الدين.

وبعد:

إن الله سبحانه وتعالى يدافع عن أنبيائه، ويحافظ على مكانتهم بين الخلائق، سواء كان ذلك في حياتهم أو بعد مماتهم، ولقد اختص الله عز وجل محمدًا r بالقدر الأكبر من الحماية؛ نظرًا للاضطهاد الشديد الذي لاقاه أثناء دعوته r للدين الإسلامي، وكذلك نظرًا للافتراءات والاتهامات التي تصدر كل حين من كل فئة ضالة مضلة؛ للنيل من عقيدة الإسلام التي جعلها الله سبحانه وتعالى هي العقيدة الصحيحة لجميع البشر.

فكانت حماية الله عز وجل لمحمد r عكس أهواء الحاقدين، وعكس مصالحهم الشخصية.

ولقد عظم الله عز وجل من شأن رسوله محمد r خاتم المرسلين، ورفعه فوق البشر جميعًا؛ لما أكرمه وحباه، واختصه بصفات قيادية وأخلاقية وسلوكية لا يمكن أن تتحقق لإنسان آخر.

ويتضمن هذا البحث اليسير الموجز:

–       مغزى وحكمة الشريعة الإسلامية تجاه الغريزة الفطرية للرجل في قصده وميله للمرأة.

–       تعدد الزوجات في الأمم والشرائع السابقة.

–       بعض شهادات عباقرة المفكرين الغربيين على ما جاء به خاتم المرسلين من شرع محكم للعالمين.

–       مكانة ومنـزلة المرأة قبل بعثة النبي r وبعدها.

–       ردود على ما أثاره وروجه بعض المنافقين والحاقدين من افتراءات وأكاذيب حول إكثار رسول الله r في زواجه وتعدده r من زوجاته.

–       شواهد ودلائل وبراهين النبوة في زواجه r من نسائه وتعدده من زوجاته.

–       بعض من الحكم والفوائد العظيمة المستنبطة من زواج رسول الله r بنسائه وتعدده من زوجاته.

–       بعض من الحكم الجليلة والفوائد العظيمة المستنبطة في إقرار الشريعة الإسلامية لمبدأ تعدد الزوجات.

–       تنبيه وتحذير من بعض المنتسبين للإسلام ومما تبيحه شرائعهم من زواج باطل فاسد، وأنهم ليسوا بحجة على الإسلام.

–       بعض من الشواهد اللطيفة والإرشادات الرقيقة التي تشير إلى نبوة المصطفى r وتشهد بصدق وحكمة الشرع الذي جاء به.

–       رسالة دعوية قصيرة.

وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم أن يتقبل منا ومن الجميع صالح الأعمال وأن ينميه لنا سبحانه وتعالى،،،

تنويه وإرشاد

 بداءة: نحب أن ننوه ونرشد إلى شيء مهم يبين لنا مغزى وحكمة الشريعة الإسلامية بصدد هذا الموضوع الذي نتحدث عنه وهو:

أن الإسلام بشرعه الحنيف لم يأتِ ليقتل شهوة الرجل وغريزته التي فطره الله سبحانه وتعالى عليها، بل جاء ليوجهها ويُسيرها الاتجاه والمسار الصحيح وفقًا للشرع الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ولما يرتضيه جل شأنه.

–   لقد كانت الرذائل سائدة في الوسط العربي وغيره، فكانت رذيلة الزنا منتشرة انتشـارًا فاحشًا، وكذلك شـرب الخمور، وذلك قبل بعثة رسول الله r ومجيئه بنور الإسلام من العليم الحكيم.

–   ويُدلل على ذلك: أنه بعد بعثة رسول الله r ومجيئه بشريعة الإسلام، وتحريمه للزنا، جاءه r شاب يطلب منه أن يأذن له بالزنا ويجيزه له لعدم قدرته على تركه، فما كان من رسول اللهr إلا أن دعاه بحكمة إلى تركه ودعا له، فخرج ذلك الشاب من عند رسول الله r وليس أبغض عنده من الزنا بعد ما كان أحب شيء لديه.

فما يدل ذلك إلا على انتشار رذيلة الزنا آنذاك انتشارًا واسعًا.

–       وكذلك شرب الخمر: فلما بُعث رسول الله r وجاء بالإسلام ونور شريعته حرَّم r شرب الخمر ونهى عن تلك الرذيلة.

–   فما كان من أصحاب رسول الله r إلا الامتثال لأمره، فقاموا بالتخلص من جميع الخمور التي كانت لديهم وبديارهم بإلقائها في الشوارع، فأصبحت المدينة وكأنها بحار من الخمر.

فكان ذلك دليلا على انتشار تلك الرذيلة آنذاك قبل بعثة رسول الله r.

–   ولذلك: فإن أحكام الإسلام جاءت بكل رحمة وحكمة وما هو صالح لإقامة مجتمع على أسس من الخير والفضيلة نابعة من المنهج الربَّاني الذي يرتضيه الله تبارك وتعالى، والذي أرسل به رسوله r.

–       فلم يأمر رسول الله r بالرهبنة وقتل الشهوة والغريزة التي فُطر عليها أو يُحث على ذلك.

–       ولم يأمر r بترك معاشرة الزوجات، أو ينهى عن الزواج ولم يثن على أي من ذلك، بل نهى r عنه.

–   وفي الوقت ذاته: لم يُجز رسول الله r للإنسان بأن تسيطر عليه شهوته وغريزته فيتحرك تبعًا لهواه، شأنه آنذاك شأن الحيوانات والبهائم، فنهى r عن ذلك، وشدد من حرمته.

–   وإنما جاء رسول الله r بخير شريعة من الله سبحانه وتعالى للناس كافة والبشرية قاطبة في كل مكان وزمان إلى قيام الساعة، فوجه تلك الشهوة والغريزة الاتجاه الصحيح، وسيرها مسارها الذي لا اعوجاج فيه، وفقا للشرع الذي أنزله ربنا تبارك وتعالى، ووفقا لما يرتضيه الله سبحانه وتعالى، فكان ذلك آية من آيات الله سبحانه وتعالى.

فالفطرة السوية تقتضي:

أن الرجل لا يعيش بمفرده، بل يحتاج إلى المرأ ويميل إليها، وكذلك المرأة لا تعيش بمفردها، بل تحتاج إلى الرجل وتميل إليه.

وبذلك يحدث التزاوج بين كل منهما وتنشأ الذرية وغير ذلك من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الروم: 21].

فيتحقق مُراد الله عز وجل وفقا لقوله تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾.

                                                    [سورة الملك: 2]

فكافة مخلوقات الله سبحانه وتعالى تحتاج إلى التزاوج والتكاثر، فيكون ذلك دلالة على وحدانية الله سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا هو المتفرد بها.

فالله سبحانه وتعالى هو الخالق المقتدر، له الأسماء الحسنى وجميع صفات الكمال، فلا شبيه ولا مثيل له سبحانه وتعالى.

وهو سبحانه وتعالى الأول بلا ابتداء، فليس قبله شيء، وهو سبحانه وتعالى الآخر بلا انتهاء، فليس بعده شيء.

ولذلك كانت حكمة الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد r في إقرارها للزواج الشرعي كوسيلة للتعايش بين الرجل والمرأة -إذا توافرت شروطه بما يتفق مع أحكام ومبادئ الإسلام- وكوسيلة للتكاثر وإنشاء الذرية، فيكون الزواج آية على وحدانية الله عز وجل وقدرته وحكمته.. إلى غير ذلك لقوم يتفكرون.

مصداقًا لقوله تعالى:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص].

* * * * *

تعدد الزوجات في الأمم السابقة والشرائع السابقة

نتساءل: هل الإسلام هو أول من شرع نظام تعدد الزوجات؟

الجواب: بالطبع، لا.

فالشريعة اليهودية:

كانت تبيح تعدد الزوجات بدون حد، ومعلوم أن أنبياء التوراة كانت لهم زوجات كثيرات.

ولذلك فإن تعدد الزوجات عندهم مباح، مأثور عن الأنبياء أنفسهم.

الشريعة النصرانية:

لم يرد في الأناجيل نص صريح يمنع التعدد، وقد كان في أقدم عصور المسيحية من يرى إباحة تعدد الزوجات في أمكنة مخصوصة وأحوال استثنائية، وقد ثبت تاريخيًّا أن بين المسيحين الأقدمين من كانوا يتزوجون أكثر من واحدة، ويشهد لذلك:

[وستر مارك] العالم في تاريخ الزواج، فيقول:

إن تعدد الزوجات باعتراف الكنيسة بقي إلى القرن السابع عشر، وكان يتكرر كثيرا في الحالات التي لا تحصيها الكنيسة والدولة، ويقول أيضًا:

إن ملوك النصارى كانوا يتزوجون أكثر من واحدة.

ولقد ذهبت بعض الطوائف المسيحية إلى إيجاب تعدد الزوجات.

فالشريعة النصرانية ليس فيها نص صريح يمنع أتباعها من التزوج بامرأتين فأكثر، ولكن رؤساءها القدماء وجدوا الاكتفاء بزوجة واحدة لحفظ نظام العائلة، وكان ذلك شائعًا في الدولة الرومانية، فلم يعجزهم تأويل ما يخص الزواج من كتبهم –الأناجيل- حتى صار التزوج بغير امرأة حرامًا، كما هو مشهور، وليس هذا بالأمر المُستغرب، فلقد حُرِّف، وضُيِّع الإنجيل كاملا وفقا للأهواء والمصالح، مثلما حرفت التوراة من قبله.

وفي عام 1948م تم عقد مؤتمر للشباب في –ميونيخ- بألمانيا من أجل بحث مشكلة زيادة عدد النساء في ألمانيا أضعافًا مضاعفة عن عدد الرجال بعد الحربين العالميتين، وقد استعرضت مختلف الحلول لهذه المشكلة، وكانت النتيجة:

أن أقرت اللجنة توصية المؤتمر المطالبة بإباحة تعدد الزوجات لحل هذه المشكلة.

وفي عام 1949م تقدم أهالي –بون- بألمانيا بطلب إلى السلطات المختصة يطلبون فيه أن ينص في الدستور الألماني على إباحة تعدد الزوجات.

ولقد نشرت الصحف منذ عدد من السنوات القليلة أن الحكومة الألمانية أرسلت إلى مشيخة الأزهر تطلب منها نظام التعدد في الإسلام؛ لأنها تفكر في الاستفادة منه كحد لمشكلة ازدياد النساء.

أما عن الأمم السابقة: فلقد كان نظام تعدد الزوجات موجودًا في الأمم القديمة كلها تقريبًا، عند الأثينيين، والصينيين، والهنود، والبابلين، والآشوريين، والمصريين.

لقد جاء الإسلام وأقر مبدأ تعدد الزوجات وفقا للأحكام الشرعية، والتي جاء بها رسول الله r لما فيه من حكم جليلة وفوائد أخلاقية عظيمة، ومصالح مهمة للفرد والمجتمع على سواء.

فكان ذلك من البراهين والشواهد التي تشهد بنبوة المصطفى r ورسالته وصدق الشرع الذي جاء وبعث به.

* * * * *

شهادة وثناء العباقرة والمفكرين الغربيين

على ما جاء به خاتم المرسلين من شرع محكم للعالمين

لقد شهد الكثير من الكتاب الاجتماعيين والمفكرين الغربيين بالشرع الذي جاء به رسول الله r وما أجازه من نظام تعدد الزوجات وأثنوا عليه؛ لما فيه من حكم جليلة وفوائد أخلاقية عظيمة ومصالح للفرد والمجتمع، فأصبحوا ينادون به ويشجعون عليه، وإليك موجز من أقوالهم:

(1) يقول –غوستاف لوبون- في كتابه (حضارة العرب):

إن مبدأ نظام تعدد الزوجات الشرقي نظام طيب، يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تقول به، ويزيد الأسرة ارتباطًا، ويمنح المرأة احترامًا وسعادة لا تراهما في أوروبا.

(2) ويقول الفيلسوف الألماني –شوبنهور- في رسالة (كلمة عن النساء):

إن قوانين الزواج في أوروبا فاسدة المبنى بمساواتها المرأة بالرجل، فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة فأفقدتنا نصف حقوقنا، وضاعفت علينا واجباتنا.. إلى أن يقول: ولا تعدم امرأة من الأمم التي تجيز تعدد الزوجات زوجًا يتكفل بشئونها، والمتزوجات عندنا قليل، وغيرهن لا يحصين عددًا، تراهن بغير كفيل، بين بكر من الطبقات العليا قد شاخت وهي هائمة متحسرة، ومخلوقات ضعيفة من الطبقات السفلى، يتجشمن الصعاب، ويتحملن مشاق الأعمال، وربما ابتذلن فيعشن تعيسات، متلبسات بالخزي والعار، ففي مدينة لندن وحدها ثمانون ألف بنت عمومية، سفك دم شرفهن على مذبح الزواج، ضحية الاقتصار على زوجة واحدة، ونتيجة تعنت السيدة الأوروبية، وما تدعيه لنفسها من الأباطيل، أما آن لنا أن نَعُد بعد ذلك تعدد الزوجات حقيقة لنوع النساء بأسره.

(3) وتقول _أني بيرانت- زعيمة التيصوفية العالمية في كتابها (الأديان المنتشرة في الهند):

ومتى وزنا الأمور بقسطاس العدل المستقيم، ظهر لنا أن تعدد الزوجات الإسلامي الذي يحفظ ويحمي ويغذي ويكسو النساء أرجح وزنًا من البغاء الغربي، الذي يسمح بأن يتخذ الرجل امرأة لمحض إشباع شهوته، ثم يقذف بها إلى الشارع متى قضى منها أوطاره.

وغير ما ذكرنا الكثير والكثير من ثناء المفكرين الغربيين غير المسلمين على الشرع الذي جاء به محمد r من نظام تعدد الزوجات وتضمنه لما فيه الخير والصواب للفرد والمجتمع على السواء.

* * * * *

موجز بمكانة ومنـزلة المرأة قبل بعثة ورسالة النبي r

والشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى وبعدها

علينا أن نشير إشارة مختصرة إلى منـزلة المرأة ومكانتها قبل بعثة رسول الله r -وذلك إن كان لها أية منزلة أو مكانة تذكر قبل بعثته r- وبعدها.

– قبل البعثة:

لقد كانت المرأة قبل بعثة رسول الله r ورسالته مُمتهنة، مُحتقرة، ليس لها أدنى مكانة تُذكر.

(1) فلم تكن المرأة تُورَّث شيئًا، في أيٍّ من مراحلها؛ سواء كانت بنتًا أو زوجة أو أمًا.

(2) وكان منتشرًا في الجاهلية –قبل بعثة رسول الله r- وأد البنات، فكان إذا وُلد لهم بنت يعتريهم من الذل والعار ما يعتريهم، وما لا يطيقونه، ويصبح يوم الولادة يومًا أسود، فما يكون منهم إلا أن يقوموا بدفنهن غير باكين أو نادمين على شيء.

ومما يُدلل على ما نقوله:

ذلك القول الذي كان منتشرًا عنهن –المرأة- في الجاهلية من أن المرأة: نصرها صراخ وبرهن سرقة.

أي أنها إذا أرادت أن تنصر أباها أو أخاها أو زوجها، فما يكون منها إلا الصراخ، وإذا أرادت أن تبر أبويها فما يكون منها إلا أن تقوم بسرقة أموال زوجها وإعطائها لأبويها، وهذا بلا شك قول باطل أنكره الإسلام ولم يُقره، وغير ذلك من وسائل امتهان وإذلال المرأة إلى حين زواجها وإلى حين وفاتها في الجاهلية.

(3) عدم إشراك المرأة في أكل بعض الذبائح وتخصيص ذكورهم بها، وذلك وفقا لمعتقداتهم الفاسدة التي أبطلها الإسلام بعد مجيئه.

(4) ازدراء المرأة واستقذارها إذا حاضت، وعدم الاقتراب منها لأنَفَتِهِم منها.

وغير ذلك من الكثير والكثير من وسائل امتهان المرأة وإذلالها في الجاهلية قبل رسالة المصطفى r.

– بعد بعثة رسول الله r ورسالته:

لقد جاء الإسلام فمنح المرأة جميع حقوقها بعد ما كانت قد سُلبت منها، وأكرمها خير تكريم، ورفعها في أحسن منزلة، ومن صور ذلك:

(1) أن الإسلام أعطى المرأة حقها في الإرث –الميراث- فأصبحت تُورَّث كامل حقوقها ونصيبها، بل وحفظه لها، وإن كانت جنينًا أو مولودة صغيرة.

(2) أن الإسلام حرم وأد البنات لأنه قتل نفس زكية من غير ما يوجب قتلها، بل إن رسول الإسلام r علمنا أنه من وُلد له بنات فأكرمهن وأحسن تربيتهن، كانت بناته سترًا ووقاية له من نار جهنم يوم القيامة.

(3) أن الإسلام أشرك المرأة مع الذكور في أكل ما أحله من الذبائح.

(4) أن الإسلام أرشدنا: إلى أنه أنه لا حرج على الرجل في تعايشه مع زوجته أثناء فترة حيضها -حيث إن حيضتها ليست في يدها أو في ما هو ظاهر منها- وله كل شيء في ضوء ما أحله الله سبحانه وتعالى عدا الجماع- لما في ذلك من أضرار اكتشفت علميًّا حديثًا.

فكان ذلك من حكمة الشرع الذي جاء به رسول الله r ومن دلائل نبوته ورسالته..

(5) أن الإسلام أرشدنا: إلى حق الزوجة على الزوج من معاشرتهن والتعايش معهن بالحسنى وأن لا يظلمهن، وأن يكرمهن.

ولقد أوصى رسول الله r بهن خيرًا.

(6) أن رسول الله r علمنا: أن الأم لها منزلة كبيرة وعالية جدًّا في الإسلام، فأوصانا r بها لعظم حقها، وحرم عقوقها وشدد في حرمته –العقوق-.

ولقد علمنا رسولنا الكريم r أن بر الوالدين وخاصة بر الأم يكون سببًا في الوصول إلى رضا الله سبحانه وتعالى والفوز بدار نعيمه ورضوانه، وأن عقوق الوالدين والأم بصفة خاصة يُسبب غضب الله عز وجل وسخطه، وأن عقوقها يورث الخيبة وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة.

إلى غير ذلك من صور إكرام الإسلام ورسول الإسلام للمرأة، فالمرأة إما بنتا أو زوجة أو أمًّا، وفي جميع مراحلها وكل أحوالها أكرمهن الإسلام وأكرمهن رسول الإسلام محمد r خير تكريم، وأنزلهن أعلى وأحسن منزلة، ورفع من قدرهن وشأنهن خير رفعة.

فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الأمين الذي جاء بخير شرع محكم للعالمين.

* * * * *

 

تنبيه مهم جدًّا

علينـا أن نعلم أنه إذا كان في زواج رسول الله rمن نسـائه الإحدى عشرة زوجة وإمساكه عليهن بعصمته إلى أن توفي عن تسع منهن أدنى ثغرة للهجوم عليه r، والنيل منه والصد عن دعوته لما ترددت قريش –العدو الأول لرسول الله r- في ذلك ولأثارت وروجت الشبه والافتراءات، والأكاذيب والأباطيل حول هذا الزواج، بكل ما أتيح لها من وسائل وإمكانات لصد الناس عن اتباع رسول الله r.

وإنما كانت الدعايات الكاذبة والوساوس التي أثارها المنافقون حول شيئين اثنين وهما:

أ- حول زواج رسـول الله r من الزوجة الخامسة، في حين أن رسول الله r لم يجز للمسلمين –بأمر من الله سبحانه وتعالى- الزواج بأكثر من أربع نساء إلا إذا طلق إحداهن –لسبب شرعي- أو توفي منهن، فيحل له حينئذ الزواج ولا يزيد في إمساكه على أربع زوجات.

ب- حول زواج رسول الله r من زوجة ابنه زيد الذي كان قد تبناه النبي r قبل الرسالة وتحريم التبني، وذلك بعدما طلقها زيد وفارقها لتعسر المعايشة بينهما، وقد كان العرب يُعدُّون الزواج بزوجة الابن من أغلظ الفواحش والمنكرات.

وسوف يأتي بمشيئة الله تعالى في نقاط متقدمة الرد على مثل تلك الدعاوى الكاذبة.

فما كانت قريش لتغفل لحظة واحدة عن أدنى فرصة تستطيع من خلالها افتراءً وكذبا في أن تنال من رسول الله r والدين الذي جاء به، وهو الذي سفه آلهتهم –الأصنام والحجارة- وعابها، ليس هذا فحسب، بل سفه كل من عبدها وتقرب إليها.

فعلينا أن نتيقن من أن قريش وهي العدو الأول لرسول الله r، وأول من كان في صالحه القضاء على هذه الدعوة –الإسلام- وأول من تصدى لدعوة رسول الله r بكل ما أتيح لها من قوة ومكر ودهاء، ما كانت تدع لغيرها -من مستشرقين ودعاة للنصرانية واليهودية وغيرهم- السبق في إثارة مثل تلك الشبهة الساقطة حول زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه الإحدى عشرة زوجة، وأن الدافع لهذا الزواج هو الدافع الغريزي فحسب، قاتلهم الله.

فما ذلك إلا لينالوا من رسول الله r ودعوته.

وما ذلك إلا بسبب الحقد الذي قد ملأ قلوبهم بعد أن خرج نبي آخر الزمان الذي أخبرت به التوراة وبشر به الإنجيل –قبل تحريفها- من غير قومهم –العرب-، فقد كانوا يظنون أنه سيخرج منهم، فكان اليهود في المدينة قد أعلنوا ذلك وصرحوا به، من أنه يوشك أن يخرج فيهم نبي يتبعونه ويقاتلون معه، فلما خرج هذا النبي المنتظر من العرب، وفطن أهل المدينة لما كان قد قاله اليهود وأعلنوا به من أمر هذا النبي المنتظر، فسرعان ما آمنوا به وبدعوته قبل أن تقوم اليهود بذلك.

فما كان من أمر اليهود إلا أن غاظهم خروج نبي آخر الزمان الذي أخبرت به كتبهم من العرب وليس منهم، وكذلك سبق أهل المدينة في الإيمان بهذا النبي الخاتم وبدعوته، فعميت قلوبهم وأبصارهم عن اتباع الحق، وخضعت قلوبهم وعقولهم لهوى النفس وكبرها وحقدها.

ولكننا نلحظ بوضوح أن كل من أخلص نيته في اتباع الحق حيث كان، وأعمل عقله فلم يغفله، ولم يستجب لهوى نفسه، أو لأي من المؤثرات والضغوطات الخارجة، أنه لا يسعه إلا أن يتبع محمدًا r وأن يؤمن بدعوته.

وخير شاهد على ذلك: الآلاف بل الملايين الذين اعتنقوا هذا الدين الذي جاء به خاتم المرسلين محمد r.

ولا يزال الكثير والكثير يدخلون في هذا الدين أفواجًا لا سيما العقلاء والعلماء الذين قد تبين لهم مصداقية القرآن الكريم الذي أُنزل على رسول الله r وأحاديثه النبوية الشريفة في الإخبار بغيبيات ماضية وحاضر ة ومستقبلية، فجاءت وقائعها مطابقة لما أخبر به القرآن الكريم، ولما أخبر به رسوله r، وكذلك الإشارة إلى حقائق كونية وعلمية مبهرة اكتشفت حديثًا، ولم يكن لأحد أدنى معرفة بها قبل ذلك.

فالإسلام يحمل في طيه انتشارًا، وليس ذلك إلا لأنه الدين الحق الذي ارتضاه ربنا تبارك وتعالى للعالمين.

ورسوله محمد r رسول صدق جاء رحمة للعالمين.

* * * * *

أولا: لماذا لم تُثِر قريش ولم تُروج ما أثاره غيرها من جهلاء هذا العصر من مستشرقين وحاقدين، حول زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه الإحدى عشرة زوجة، وإمساكه عليهن حتى توفي عن تسع منهن، كشبهة للطعن في نبوته r، ومن ثم دعوته، لا سيما علمها بعظم وخطورة هذه الدعوة التي يدعو إليها رسول الله r، والتي تقتضي كسر كبرياء سادة قومها وأنفتهم، وأن يتساوى الجميع أحرارًا وعبيدًا في خضوعهم جميعًا لسلطان الله عز وجل لا لأي آخر؟!

نجيب: إن قريش كانت حقيقة هي العدو الأول لرسول الله r، وكانت تعلم تمام العلم خطورة ما يدعو إليه رسول الله r من توحيد لله سبحانه وتعالى –توحيد الألوهية والربوبية- وعبادته سبحانه وتعالى وحده دون أن يُشرك به شيئًا.

وكانت تعلم ما وراء ذلك من اتباعها لرسول الله r ومن ثم خضوعها لله عز وجل، وحكمه وشرعه الذي أرسل به نبيه محمد r.

ومع علم قريش بصدق رسول الله r وصدق رسالته ودعوته إلا أنها تأبى وتأنف تمامًا أن تخضع لحكم الله عز وجل وشرعه لما في ذلك من مخالفة أهوائها وأطماعها وشهواتها وكبريائها.

وكانت تسعى جاهدة لإطفاء دعوة رسول الله r والصد عنه، والتنكيل بكل من آمن بها واتبعها.

ولم يخف عن قريش أمر زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه ولم تغفل عنه، ولكنها لم تثر حول هذا الزواج شيئًا مما قد روجه بعض الجهلاء والحاقدين من هذا العصر وذلك:

(1) أن تعدد الزوجات ليس بالأمر المُحدث الجديد الذي لم تعهده العرب، بل إن تعدد الزوجات هو من أصل عادة العرب، فقد كان معروفًا لديهم ومنتشرًا بينهم.

(2) أنه كان متعارفًا بينهم أن تعدد الرجل لزوجاته هو بمثابة المدح له، ورجوليته ومسئوليته وقدرته من حيث القدرة على جماعهن جميعًا، وتحمل أعبائهن ونفقاتهن وإخضاعهن جميعًا لسيطرته وكلمته.

(3) أنه لا يستطيع أن يقوم بذلك –تعدد الزوجات- إلا سادة القوم، وهم أصحاب الأموال والجاه والنفوذ.

فكان الرجل منهم يتزوج عددًا كثيرًا من النساء ويبقي عليهن جميعًا في آن واحد، ولا يلام عليه في ذلك، بل إنه ينال عظيم الثناء والمدح.

وكان من الصحابة من كان متزوجًا بالكثير من النساء -أكثر من أربع زوجات- ثم بعد أن اعتنق الإسلام دينا ما كان منه إلا أن يخضع لشرع الله عز وجل وأمر رسوله r بأن يمسك على أربع زوجات وأن يطلق الباقي.

ولذلك: فإن زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه كان بمثابة المدح له، وذلك بشهادة العرب جميعًا وفقا لما هو متأصل عندهم ومطابق لأصل عاداتهم.

ولذلك فإن قريشًا لم تثر ولم تروج ما أثاره وروجه غيرها.

ولكنها اتخذت سياسـة الصد عن هذا الدين الجديد الذي جاء به محمد r، والوعيد والتنكيل بكل من اتبعه r، ولكن لم يغن ذلك عنها شيئًا ولم يجد بثماره، فجهزت وعبأت جيوشها وأعلنت حربها على رسول الله r وكل من اتبعه للقضاء على دعوته r، ولكنها ما جنت إلا الخزي والذل، والحسرة والندامة.

فلقد أيد ربنا تبارك وتعالى رسوله r بحفظه، ونصره على كل أعدائه، وأبطل كيدهم، وأطفأ نورهم، ونشر دينه، وحكَّم شريعته، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فالله سبحانه وتعالى متم نوره ولو كره الكافرون.

* * * * *

ثانيًا: الرد على:

أ- ما أثاره المنافقون من زواج رسول الله r من الزوجة الخامسة، في حين أنه r لم يُجز للمسلمين بأن يزيدوا في إمساكهم على أربع زوجات

لقد أثار المنافقون ومن شاكلهم –اليهود وغيرهم- أكاذيب وأباطيل وجدالا حول زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه الإحدى عشرة زوجة في حين أنه r لم يجز للمسلمين بأن يزيدوا في إمساكهن على أربع زوجات، وبذلك لا يكون هناك توافق بين عدد الزوجات التي تزوج بهن رسول الله r وبين العدد الذي أمر المسلمين بأن لا يزيدوا في إمساك أزواجهم عليه.

وسوف نذكر الآن موجزًا من الرد على ذلك القول الباطل، حيث إنه سوف يأتي في نقاط تالية الجواب مطوّلا من منطلق أدلة دامغة وشواهد حق وبراهين صدق لا يزيغ عنها إلا ضال، ومن منطلق إظهار الحق وإزهاق واضمحلال الباطل.

لقد بدأ المنافقون واليهود إشـعال نارهم وترويج شائعاتهم مع زواجـه r من السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها، والتي تعتبر بمثابة الزوجة الخامسة لرسول الله r بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها وكذلك السيدة زينب بنت خزيمة والتي تعرف بأم المساكين لرحمتها إياهم، ونقول:

1- أن زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه إنما هو من خصوصياته r التي اختصه ربنا تبارك وتعالى بها وأجازها له دون المسلمين، كصيامه r وصالا -أن يصوم يومين متتاليين دون إفطار بينهما- في حين أنه لا يجوز للمسلمين مثل هذا الصيام لما فيه من مشقة عليهم، لا سيما في الأيام الحارة الجافة، بينما رسول الله r يطعمه ربه تبارك وتعالى ويسقيه، إلى غير ذلك من خصوصيات رسول الله r التي اختصه الله سبحانه وتعالى بها.

2- إن هناك من الأنبياء قبله r من قد تزوج بالكثير والكثير من النساء، كنبي الله داود عليه السلام، الذي كان عنده مائة من الحرائر، وكنبي الله سليمان عليه السلام الذي كان ملكًا نبيًّا.

3- إن زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه له حكم جليلة وفوائد عظيمة سوف نوضحها في نقاط تالية بمشيئة الله تعالى.

4- لقد سلك رسول الله r الطريق الذي بينه له ربه تبارك وتعالى، ممتثلا لأوامره، مجتنبًا لنواهيه، معرضًا عن افتراءات الجاهلين والحاقدين، لا يأبه بهم، ولا يلقي اهتمامًا لهم ولما يفترونه، غير شاك في تأييد الله عز وجل، مستيقن في نصر الله عز وجل له ولدعوته r، فلا ينطق عن هوى نفسه، وإنما وفقا لما يوحى إليه من ربه تبارك وتعالى.

فنقول:

إنه r إن كان مدعيًا للرسالة والنبوة، مُشرِعًا لما يشاء وفقًا لأهوائه ومتطلباته لسلك طريقًا آخر سهلا، لا يلقى فيه أدنى عناء من مثل هؤلاء الجاهلين والحاقدين.

– فكان r يمكنه أن يجيز للمسلمين عددًا أكبر من التعدد بالزوجات، فيُحل لهم الزواج بأكثر من أربع زوجات مثله تمامًا.

– أو أن يجيز r لهم التعدد بالزوجات مطلقًا وفقًا لرغباتهم وإمكانياتهم دون تقييد هذا العدد، فيُحل لهم الزواج بأي عدد شاءوا من النساء ورغبوا فيه، وسوف يساعده r آنذاك في سلكه لمثل ذلك الطريق:

1- أن الأصل في عادة العرب تعدد الزوجات وكثرتها، فليس ذلك بأمر مستحدث أو مُستغرب بالنسبة لهم.

2- بل إن تعدد الزوجات في العرب يكون بمثابة المدح للرجل، فيدل على رجوليته وقدرته كما سنوضح بمشيئة الله تعالى في نقاط تالية.

– ولكن حاشاه r من أن يسلك طريقًا غير الطريق الذي بينه له ربه تبارك وتعالى، أو أن يشرع أمرًا وفقًا لهواه أو متطلباته.

– فلم يكن رسول الله r مدعيًا للرسالة أو النبوة، بل كان r رسول الله حقًّا وصدقًا، مبلغًا كل ما يوحى إليه من ربه تبارك وتعالى، ممتثلا لأوامره سبحانه وتعالى.

– فلم يكن رسول الله r إلا منفذًا لأمر الله عز وجل ومطبقًا لشرعه سبحانه وتعالى، لا يخافن فيه جل شأنه لومة لائم.

فكان ذلك كله شاهدًا برهانًا على صدق رسالته ونبوته r.

* * * * *

ثالثًا: الرد على:

ب- ما أثاره المنافقون حول زواج رسول الله r من زوجة ابنه زيد الذي كان رسول الله r قد تبناه آنذاك قبل الرسالة وتحريم التبني، حيث إن العرب يُعدُّون الزواج من زوجة الابن من أكبر الفواحش والمنكرات:

بداءة: ينبغي علينا أن نعرف:

1- ماذا يقصد بالتبني؟                 2- مساوئ ومفاسد التبني.

وذلك حتى يتبين لنا حكمة الإسلام الجليلة وعظيم شرعه في القضاء على تلك العادة المتأصلة الراسخة في العرب.

1- يقصد بالتبني: أن يتخذ الرجل ابنًا له من غير صُلبه ونسله، فيصبح بمثابة الابن الحقيقي له ما له من حقوق، وعليه ما عليه من واجبات.

2- ومن بعض مساوئ ومفاسد التبني ما يلي:

أ- أن التبني يتسبب في ضياع الأنساب الحقيقية واختلاطها.

ب- ضياع الحقوق في المواريـث وغير ذلك، حيث يـرث الدَّعي -الابن المُتبنى- ما ليس من حقه، ويُحرَم من الميراث كليا أو جزئيًّا من له حق فيه بسببه –المتبنى- فأراد الله سبحانه وتعالى أن تُلحق الحقوق بأهلها مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.

                                                    [سورة الأنفال: 75]

جـ- التضييق على المسلمين بعدم إمكانيتهم في الزواج بأزواج أدعيائهم –من التبني- اللواتي دخـلوا بـهن إذا فارقوهـن، وذلك لأنـهم –الأدعياء- بمثابة الأبناء الحقيقيين تبعًا لتبنيهم إياهم، إلى غير ذلك من مساوئ ومفاسد لا يسع ذكرها في موضوعنا.

وكان رسول الله r قد تبنى مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وذلك بعدما أعتقه r من الرق، فكان سيدًا كبير الشأن، جليل القدر، حبيبًا إلى النبي r، ويقال لابنه أسامة الحب بن الحب، لشدة حب رسول الله r لهما.

فكان يُقال له: زيد بن محمد، وذلك قبل تحريم التبني.

ثم زوَّجه رسول الله r بابنة عمته –ابنة عمة رسول الله r- السيدة زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها، فأمها أميمة بنت عبد المطلب.

فمكثت السـيدة زينب رضي الله عنها عند زوجها قريبًا من سـنة أو فوقها، ثم وقع بينهما ما يعوق التعايـش بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى النبي r، فجعل النبي يقول: «أمسك عليك زوجك واتقِ الله» [صحيح مسلم].

ثم حدث أن فارقها زيد.

وجاء أمر الله عز وجل لرسوله r بالزواج من السيدة زينب رضي الله عنها، والتي كانت بمثابة زوجة ابنه –من التبني- قبل أن يطلقها، كنقض وهدم لعادة التبني المتأصلة في العرب وتحريمها.

فكانت السيدة زينب رضي الله عنها تفخر على أزواج النبي r فتقول: «زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات».

                                                [صحيح البخاري]

فكان من حكمة الله سبحانه وتعالى في هذا الزواج المبارك لرسول الله r من السيدة زينب رضي الله عنها:

كسر وهدم قاعدة التبني المتأصلة في العرب ونقضها وتحريمها لما بها من مساوئ ومفاسد.

حيث إنه لن تأتي بعد شريعة الإسلام الذي جاء بها رسول الله r أية شريعة أخرى إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، فيستلزم أن تكون هذه الشريعة الخاتمة شريعة تامَّة، كاملة، لا ينقصها ولا يغيب عنها أدنى شيء مما يقوم به مصالح العباد من عبادات ومعاملات.. إلى غير ذلك.

ولقد قال الله تعالى:

﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [سورة الأحزاب: 38].

أي أنه: ليس على النبي r من حرج فيما أحله جل شأنه له وأمره به من زواجه للسيدة زينب رضي الله عنها التي طلقها دَعِيَّه –ابنه من التبني- زيد بن حارثة رضي الله عنه.

وأن هذا حكم الله سبحانه وتعالى في الأنبياء قبله r، فلم يكن يأمرهم سبحانه وتعالى بشيء فيكون فيه حرج عليهم.

وفيما أشرنا إليه ردٌّ على من توهم من المنافقين أن في زواج رسول الله r بامرأة مولاه زيد رضي الله عنه ودعيه –من التبني- الذي كان قد تبناه أي نقص أو ريبة في رسالته ودعوته r.

فكان أمر الله سبحانه وتعالى كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء سبحانه وتعالى كان، وما لم يشأ لم يكن.

فكان من حِكَم الإسلام الجليلة: القضاء على التبني وتحريمه بعدما كان عادة راسخة متأصلة في العرب، وذلك للقضاء على مساوئه.

فترتب على ذلك:

1- الحفاظ على الأنساب الحقيقية وعدم ضياعها، أو اختلاطها.

2- الحفاظ على الحقوق والمواريث، وعدم ضياعها، وإعطاء كل ذي حق حقه؛ امتثالا لقول الله تعالى:

﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.

                                                                        [سورة الأنفال: 75]

3- أن لا يكون هناك تضييق أو حرج على المسلمين في أن يتزوجوا من أزواج أدعيائهم –من التبني- وإن دخلوا بهن بعد مفارقتهم لهن؛ امتثالا لقول الله تعالى:

﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ﴾ [سورة الأحزاب: 37].

فكان هذا الزواج المبارك لرسول الله r من السيدة زينب رضي الله عنها حقًّا شهادة له r بالرسالة والنبوة، وصدق الشرع الذي جاء به من ربه تبارك تعالى وحكمته.

* * * * *

رابعًا: شاهد عقلي، مرئي واقعي على بطلان شبهة زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه، الإحدى عشرة زوجة، وإمساكه  عليهن، إلى أن توفي عن تسع منهن كثغرة للطعن في رسالته r ودعوته

بداءة: قبل أن نذكر هذا الشاهد، فإننا نوجِّه سؤالا موجزًا بإجابة موجزة، ونتساءل:

هل يُعد عدم زواج النبي الـمُرسل من الله سبحانه وتعالى أو زواجه بعدد من النساء قلَّ أو كثُر شرطا في صحة وصدق نبوته ورسالته؟!

الإجابة: بالطبع، لا.

فهناك من الأنبياء من لم يتزوج مطلقًا، كنبي الله يحيى عليه السلام، حيث كان لا يأتي النساء –لا يجامعهن- مع القدرة على إتيانهن، وكنبي الله عيسى عليه السلام.

وهناك من الأنبياء من قد تزوج بالكثـير من النساء؛ كنبي الله داود عليه السلام، فقد كان عنده مائة امرأة من الحرائر، وكذلك نبي الله سليمان عليه السلام، فقد آتاه الله سبحانه وتعالى الملك والنبوة فضلا من الله تبارك وتعالى وخصوصية له عليه السلام، فالأنبياء والرسل لهم خواص اختصهم الله تبارك وتعالى بها عن سائر البشر، لا سيما النبوة والرسالة، فقد اختصهم الله تبارك وتعالى بالوحـي الذي يتنـزل عليـهم وغـير ذلك، كتكليم موسـى عليه السلام لله سبحانه وتعالى وكولادة عيسى عليه السلام بدون أب كلمةً من الله وقدرة منه جل شأنه، وكاصطفاءه سبحانه وتعالى محمدًا r بالعروج إليه فوق سبع سماوات ووصوله r إلى شجرة سدرة المنتهى التي تنتهي عندها علوم الخلائق أجمعين- ورؤيته r لآيات ربه الكبرى، وتأييده r بالمعجزة الكبرى –القرآن الكريم- واصطفائه له r بها.

– إذن: فليس في عدم زواج النبي المرسل أو زواجه لعدد من النساء قلَّ أو كثُر مجالا للطعن في نبوته وصدق رسالته، إذا جاء بما يشهد له بصدق نبوته ورسالته من:

1- معتقد سليم: من توحيد لله سبحانه وتعالى ألوهيةً وربوبيةً، أي أنه سبحانه وتعالى هو الخالق والرازق وحده … إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته الحسنى وأنه سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة وحده دون أي شريك أو ولد يُنسب إليه أو زوجة أو صاحبة تلصق به جل شأنه، وأنه سبحانه وتعالى المُنـزه عن النقائص وعن ما لا يليق بذاته من أفعال وصفات، وأنه سبحانه وتعالى بلغت أسمائه الحسنى الغاية والكمال المطلق، وأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، إلى غير ذلك.

معتقد ليس فيه إعنات أو إرهاق للذهن، عقيدة صافية لا شائبة فيها، لا فيها تكييف أو تشبيه أو تمثيل أو تصور ما لا يمكن تصوره عن الله سبحانه وتعالى أو تعطيل لصفاته جل شأنه، عقيدة تقبلها الفطرة السليمة السوية.

2- شرع قويم: يأمر بكل ما هو خير ويحثنا عليه ويرغبنا فيه كالعدل والإحسان وصلة الأرحام… إلى غير ذلك، وينهى عن كل شر ويحذرنا وينفرنا منه كالفحشاء والمنكر والبغي والظلم… إلى غير ذلك.

3- تعاليم سامية: مبادئ وقيم وأخلاقيات عالية رفيعة، تنهض بالفرد والمجتمع إلى مستوى حضاري رفيع.

4- عبادات هادية: خالصـة لله سبـحانه وتعالى وحده، لا رياء ولا نفاق ولا سمعة فيها، ولا إشراك لغير الله سبحانه وتعالى فيها، ولا رهبانية فيها، ولكن الوسطية والتوافق بين الدنيا والدين، عبادات تهدي إلى صراط الله المستقيم.

5- معاملات كريمة: قائمة على أسس من الخير والفضيلة بين جميع الأفراد والمجتمعات، لا ظلم ولا جور فيها، ولا تفرقة ولا عنصرية بين أي من طبقات الأفراد والمجتمعات، معاملات قائمة على حسن الخلق.

6- كرامة أصل ونسب: دلالة وشهادة على اختيار الله سبحانه وتعالى واصطفائه له بالنبوة والرسالة.

7- صفات أخلاقية عالية متمثلة فيه كالصدق والأمانة وغيرهما: فيكون قدوة وأسوة حسنة لمن يؤمن به ويتبعه، وذلك في أفعاله وأقواله وجميع أحواله.

8- مسارعته إلى ما كان يدعو إليه: من عبادات ومعاملات كريمة على أسس من الخير والفضيلة وتطبيق للشرع الذي جاء به من الله سبحانه وتعالى، فيكون خير نموذج يقتدى ويحتذى به.

9- معجزات: يؤيده بها الله سبحانه وتعالى ويختصه بها، فيعجز عن الإتيان بمثلها إلا نبي مرسل من الله تبارك وتعالى، فتكون خير شاهد وبرهان له ولرسالته ودعوته.

فإذا ما اتضحت لنا شواهد ودلائل ونبوة هذا النبي المرسل، فإنه ما يسعنا إلا الإيمان به والتصديق برسالته ودعوته، والتزام نهجه، والتسليم التام بأن كل ما جاء به من أفعال وأقوال، وكل ما يفعله، وكل ما يأمر به أو ينهانا عنه إنما هو في إطار وضوء شرع الله سبحانه وتعالى، امتثالا لأوامره، واجتنابًا لنواهيه، وليس خروجًا عن ما أباحه وأجازه له ربنا تبارك وتعالى، وأن فيه من الفوائد العظيمة والحكم الجليلة الكثير والكثير وإن غابت عن البعض، أو لم تظهر جميعها.

وبرهان ذلك: هذا الشاهد المرئي الواقعي الذي نذكره، ونعنونه: بأن الله سبحانه وتعالى لا يلبس على الناس أمر دينهم، وأنه سبحانه وتعالى لم يكن ليضيع إيمانهم، أو يجعلهم طوال حياتهم في حيرة وشك مما هم عليه من أمر دينهم، فالحق ضياء أشد من الشمس في وضح النهار، وأما الباطل فجميعه ظلمات.

ونقول:

إن هناك من الناس من آمن برسول الله r وصدق برسالته ودعوته وانتهج نهجه واقتفى أثره –كأصحابه الكرام- ولم يكن ذلك إلا لوضوح وظهور الكثير من الشواهد والدلائل والبراهين التي تشهد لرسول الله r وبصدق ما جاء به من ربه تبارك وتعالى لا سيما المعجزات وخاصة القرآن الكريم، فهو المعجزة الكبرى لرسول الله r.

وبذلك لم يكن في متناول أيدي الجهلاء والحاقدين -على الإسلام وأهله- أدنى وسيلة للإنكار على إيمان هؤلاء الذين آمنوا برسول الله r ورسالته ودعوته، أو الطعن فيه، أو التساؤل كذبا وجدلا: لماذا اتبعتم محمدً؟! ولكن ما عدا الحمقى الذين سرعان ما يندفعون خلف جهلهم وشهواتهم وعصبياتهم دون أدنى تريث وتمهل أو إعمال للعقل، حتى وإن كان من أجل أن يصطنعوا أو يتكلفوا مبررًا يحفظ قليلا عليهم ما بقي من ماء الوجه.

فاليهود –لعنهم الله- آنذاك: على الرغم من أنهم أهل كتاب، أُرسل إليهم رسول الله موسى عليه السلام بالتوراة، إلا أنهم قد اندفعوا وراء حمقهم وحقدهم وذلك لخروج نبي آخر الزمان الذي أخبر به موسى عليه السلام، وكذلك التوراة من العرب، فلم يكن منهم، ولقد كان اليهود على يقين من خروج هذا النبي المنتظر وبعثه، وأعلنوا عنه ولكن كان في ظنهم أنه سيخرج منهم –اليهود-، فلما خرج هذا النبي المنتظر r وهاجر إلى المدينة، فَطن أهل المدينة لما قد أعلن اليهود عنه من أمر خروجه، فسارعوا وسابقوا إلى الإيمان برسول الله r، وكان من الأولى لهم –اليهود- أن يكون السبق من نصيبهم لا سيما أن الأنبياء كانت قبل ذلك تخرج منهم –بني إسرائيل- وأن كتبهم هي التي أخبرت بخروجه، وليس العرب حيث كانوا على بقايا من شريعة إبراهيم عليه السلام، ولكنهم اتخذوا الأصنام والحجارة آلهة يعبدونها من دون الله، ولكنها حكمة الله:

حيث إن اليهود كانوا كثيرًا ما يقتلون أنبيائهم ويكذبونهم ويفترون الكذب والأباطيل عليهم، ويحرفون كتبهم، يزيدون وينقصون فيها تبعًا لأهوائهم وشهواتهم.

فشاء الحكيم العليم أن يخرج هذا النبي المنتظر r من شعب أمي، يسوده الجهل في شتى مجالات الحياة، منتشرًا فيه الرذائل والفواحش؛ ليرتقي بهم إلى أعلى مستوى من العلم والعبادة والتوحيد الخالص لله عز وجل على أسـس من الخـير والفـضيلة ومكارم الأخـلاق إلى أن ساد المسـلمون –أتباع النبي r- العالم وقت تمسكهم بدينهم وسنن وآداب نبيهم r.

فما كان من اليهود إلا أن عمت قلوبهم وعقولهم وأعلنوا صراحة:

أن دين قريش القائم على تعدد الآلهة والإشراك بالله سبحانه وتعالى، والمتمثل في عبادتهم الأصنام والحجارة، اتباعًا لآبائهم وأجدادهم، منتشرةً الفواحش والرذائل بينهم، هو خير من الدين الذي جاء به محمد r القائم على مخالفة الآباء والأجداد وإفراد الله سبحانه وتعالى بتوحيد الألوهية والربوبية، وعبادة الله سبحانه وتعالى وحده، لا شريك له، وإبطال عبادة الأصنام والحجارة، داعيًا إلى الفضائل ومكارم الأخلاق.

وكان ذلك عندما سأل كفارُ قريش اليهودَ عن دينهم الذين هم عليه، وعن الدين الذي جاء به محمد r مخالفًا لآبائه وأجداده وما عليه قومه.

فكان ذلك عار ووبـال عليهم، ودلالـة على أنـهم أهل لنقمة الله عز وجل وغضبه عليهم.

فلم يستطع آنذاك أي من اليهود المنافقين وغيرهم أن يتساءل جدلا وكذبا: لماذا اتبعتم محمدًا r؟!

فإذا ما أخلص هؤلاء الذين اتبعوا رسول الله r نواياهم لله سبحانه وتعالى، وامتثلوا له جل وعلا في اتباع أوامره واجتناب نواهيه، وتطبيقهم شريعته إلى أن توفاهم الله سبحانه وتعالى على هذا التوحيد الخالـص له تبارك وتعالى والإيمان برسوله محمد r، وقبل أن يُعدِّد رسول الله r من زوجاته، فلم يجتمع لرسول الله r زوجتان إلا بعد تجاوزه r للخمسين من عمره.

نتساءل عدة أسئلة نجيب عنها بإجابات موجزة لا بديل لها لذوي الألباب والعقول ولا حياد عنها.

التساؤل الأول: ما عاقبة هؤلاء المتبعين لرسول الله r بعد أن أخلصوا نواياهم لله سبحانه وتعالى، ممتثلين أوامره، مجتنبين نواهيه، مطبقين لشرعه، خاضعين لسلطانه جل وعلا إلى أن توفَّاهم الله سبحانه وتعالى على هذا التوحيد الخالص والمعتقد السليم والامتثال التام له جل وعلا؟!

إلى أي شيء يكون مآلهم؟

هل إلى جنة الرحمن ودار نعيمه ومستقر رحمته لرضاه تبارك وتعالى عليهم، أم إلى ناره وعذابه لسخطه وغضبه جل وعلا عليهم؟!

– الجواب: الذي لا بديل له ولا حياء عنه: أن عاقبة هؤلاء المتبعين لرسول الله r ومآلهم سيكون إلى جنة الرحمن ودار نعيمه ومستقر رحمته لرضاه تبارك وتعالى عليهم لما قد بينا وأوضحنا وفقا لما اقتضته حكمة الله سبحانه وتعالى، ولما أصلته وأقرته الشرائع السماوية من الله سبحانه وتعالى.

التساؤل الثاني: ماذا بعد أن عدَّد رسول الله r من زوجاته، وما ذلك إلا في ضوء ما أحله له ربه وتبارك وتعالى؟!

أيُضيع الله تبـارك وتعـالى بعدله ورحمته إيمان هؤلاء المتبعين لرسـول الله r، وما كان إيمانهم إلا لما شاهدوه وعاينوه من تأييده سبحانه وتعالى بما يشهد له r بصدق النبوة والرسالة والدعوة من معجزات وآيات كبرى كما أشرنا سابقًا من أجل أن نبيهم قدأكثر في زواجه وعدَّد من زوجاته؟!

– الجواب الذي لا بديل له ولا حياد عنه: بالطبع، لا.

فمن عدل الله ورحمته تبارك وتعالى أنه لن يضيع إيمانهم بعد أن هداهم هو سبحانه وتعالى إليه، وإلى أن توفاهم تبارك وتعالى مقبلين عليه، موحدين ومخلصين نواياهم له، ممتثلين لأوامره، مجتنبين نواهيه، خاضعين له سبحانه وتعالى.

التساؤل الثالث: أيكون من صاحب عقل سوي بعد ذلك قولا:

بأن هؤلاء المتبعين لرسول الله r، وأصحاب المعتقد السليم في توحيد الله سبحانه وتعالى –ألوهية وربوبية- المخلصين نواياهم له، الممتثلين لأوامره والمطبقين لشرعه، غير مجترئين على انتهاك حرماته وحدوده، الخاضعين لسلطانه جل وعلا إلى أن توفاهم الله سبحانه وتعالى على هذا التوحيد الخالص والمعتقد السليم، والامتثال التام له جل وعلا، يصير ويئول إلى ناره وعذابه لسخطه وغضبه عليهم لأن نبيهم قد أكثر في زواجه وعدَّد من زوجاته مناقضين بذلك ما اقتضته حكمة الله سبحانه وتعالى وما أصله وأقره في شرائعه السماوية، وهو سبحانه وتعالى الذي أرسل هذا الرسول إليهم وأيده بما يشهد له من صدق الدعوة والنبوة والرسالة كما أشرنا سابقًا؟!!

– الجواب: الذي لا بديل له ولا حياد: بالطبع لا، فلا يُتصور أن يصدر مثل ذلك القول من صاحب أدنى عقل، فلا يجرؤ على مثل ذلك القول إلا جاهل أو جاحد قد عميت بصيرته وطاش عقله.

التساؤل الرابع: إذن، فما يكون قولنا في محمد r ودعوته ورسالته بعدما عدَّد من زوجاته وكان آنذاك مجاوزًا للخمسين من عمره r؟

– الجواب الذي لا بديل له ولا حياد عنه: أنه لا يسعنا إلا أن نؤمن بدعوته ورسالته، وأن نقول:

إن مُحمدًا r هو رسول الله حقًّا وصدقًا، وأنه r قد تزوج من هذا العدد من نسائه في ضوء ما أحله وأباحه له الله تبارك وتعالى، وامتثالا لما أمره سبحانه وتعالى به من زواجه r بالسيدة زينب بنت بجحش للقضاء على عادة التبني ومساوئها، وأن ذلك كله من خصوصياته r كما سنوضح بمشيئة الله تعالى في نقاط تالية، وكغيره من الأنبياء قبله r.

فهذا هو الحق الذي لا لبس فيه مع الباطل، فالحق ضياء، والباطل ما هو ظلمات.

التساؤل الخامس: أيضر رسول الله r كنبي مرسل إكثاره في زواجه والتعدد من زوجاته، مع العلم بأن هناك من الأنبياء قبله r مَن أكثر في زواجه والتعدد من زوجاته بدرجة أكبر من رسول الله r؟

– الجواب الذي لا بديل له ولا حياد عنه: بالطبع لا، فلقد كان نبي الله داود عليه السلام عنده مائة امرأة من الحرائر، وكان نبي الله سليمان الذي آتاه الله الملك والنبوة قد تزوج بالكثير والكثير من النساء، ليس هذا فحسب:

بل إن تعدد الزوجات للرجل، يُعَدُّ مدحًا له ومدحًا في رجولته، وقوة تحمله للأعباء الناتجة عن الزواج، ومدحًا في رجاحة عقله وحكمته وقدرته وإمكانيته للتعايش معهن جميعًا في آن واحد.

التساؤل السادس: إذن، فما الحق الذي نخلص به مما قد أشرنا إليه من تساؤلات وإجابات لا بديل لها؟!

– الجواب موجزًا: الحق الذي لا مرية ولا شك فيه والذي نخلص به:

1- أن محمدًا r هو رسـول الله حقًّا وصدقًا، بعدما ظهر لنا تأييد الله سبحانه وتعالى ونصره له ولدعوته r، وبعدما اتضحت الشواهد والدلائل والآيات والمعجزات التي أيده بها ربنا –تبارك وتعالى- لا سيما معجزته الكبرى –القرآن الكريم- والتي تشهد بأنه r خاتم الأنبياء والمرسلين.([1])

2- أن الله تبارك وتعالى لا يضيع إيمان المؤمنين به والموحدين له سبحانه وتعالى، والممتثلين لأوامره، والمجتنبين لنواهيه، المطبقين لشرعه، الخاضعين لسلطانه جل وعلا وفقا لما اقتضته حكمته سبحانه وتعالى وأصلته وأقرته شرائعه السماوية، التي أرسل بها رسله.

3- أنه لا مزيج ولا خلط بين ضياء الحق وبين ظلمات الباطل، كي لا يلتبس على الناس أمر دينهم، فيكونوا في حيرة وشك من أمر عباداتهم.

4- أن زواج رسـول الله r مـن هـذا العـدد مـن نسـائه –الإحدى عشرة زوجة- هو في ضوء شرع الله سبحانه وتعالى من تعدد الزوجات، وفي إطار ما أحله واختصه به ربنا تبارك وتعالى من تعدده r لأكثر من أربع زوجات، كخصوصية من خصوصياته r.

5- أن أقوال رسول الله r وأفعاله وبصفة خاصة زواجه r بهذا العدد من نسائه، بها من الفوائد العظيمة والحكم الجليلة الكثير والكثير وإن غابت عن البعض أو غاب بعضها، وسوف نذكرها بمشيئة الله تبارك وتعالى في نقاط تالية.

* * * * *

خامسًا: زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه –الإحدى عشرة زوجة- وإمساكه عليهن إلى أن توفي عن تسع منهن، في حين أنه r لم يجز للمسلمين بأن يزيدوا في إمساكهم على أربع زوجات

هو من البراهين والشواهد التي تشهد بنبوته r وصدق رسالته ودعوته، وصدق الشرع الذي جاء به من عند ربه تبارك وتعالى.

لقد تزوج رسول الله r من إحدى عشرة زوجة، تُوفي منهن اثنتان في حياته وهما السيدة خديجة رضي الله عنها، والسيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، والتي كانت تلقب بأم المساكين لرحمتها إياهم، وتُوفي هو r عن التسع الباقيات من زوجاته رضوان الله عليهن.

ولم يجز رسول الله r للمسلمين بأن يزيدوا في إمساكهم على أزواجهم على أربع نساء، وذلك امتثالا للشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى.

ولم يضعف من عزيمته في تبليغ شرع ربه تبارك وتعالى كاملا ما قد يُثيره ويذيعه بعض المنافقين والحاقدين من زواجه r بهذا العدد من نسائه وعدم موافقته للعدد الذي أجازه r للمسلمين في تعدادهم لأزواجهم، كنوع من اللجوء إلى اسـتخدام وترويج كل ما هو كذب وباطل، طعنًا في رسـول الله r، وما ذلك إلا لما يضمرونه من حقد ونوايا خبيثة.

ونقول:

إنه لو كان رسول الله r مدعيًا للنبوة والرسالة لسلك طريقًا آخر غير الذي بينه له ربه جل وعلا، ولأجاز للمسلمين حينئذٍ في زواجهم ما فوق الأربع زوجات، والإمساك عليهن جميعًا كما فعل r، ولأحل لهم ذلك.

أو أجاز r لهم –للمسلمين- الزواج بأي عدد من النساء شاءوا، والإمساك عليهن جميعًا، حسب استطاعتهم وقدرتهم، حتى وإن كان هذا العدد أكبر من عدد النساء الذي تزوج بهن رسول الله r، ولأحل لهم ذلك، وسوف يساعده في ذلك:

1- أن تعدد الزوجات إنما هو من أصل عادة العرب، فليس بالأمر المستحدث الذي ينكرونه.

2- أن تعدد الزوجات وكثرتها مما يمدح العربي به، كدلالة على رجوليته وقدرته، ورجاحة عقله وحكمته في أن يتعايش معهن جميعا في وقت واحد، فكان الرجل حينئذ يتزوج بالعدد الكثير من النساء- ما يزيد على أربع زوجات- ويمسك عليهن جميعًا في آن واحد.

وكان من الصحابة من كان متزوجًا بأكثر من أربع نساء قبل إسلامه، ولكنه بعد اعتناقه الإسلام ما كان منه إلا الامتثال لأمر رسول الله r مطبقًا ومنفذًا للشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى بأن يمسك على أربع نساء وأن يطلق الباقي.

وبذلك الطريق لا يلقى r أدنى عناء مما يروجه المنافقون واليهود من أكاذيب وأباطيل حول رسالته ودعوته r -على الأرجح-.

ولكنه r لم يكن ليسلك إلا طريق الحق الذي بينه له ربه تبارك وتعالى، امتثالا منه r لأوامره جل وعلا، ولم يكن منه r إلا تبليغ كل ما أوحي إليه من ربه سبحانه وتعالى، دون أدنى زيادة أو نقصان وفقا لهواه r.

فرسول الله r لم يخش في الله لومة لائم، وإنما صدع r بما أمر به من ربه سبحانه وتعالى، وبما كُلِّف من تبليغه.

فكان ذلك شاهدًا وبرهانًا على صدق نبوة المصطفى r وصدق رسالته ودعوته.

وكان التأييد والنصر من الله عز وجل لرسوله r على مثل هؤلاء المنافقين واليهود والحاقدين، فأبطل جل وعلا كيدهم، فأُطفئت نارهم، ونُكِّست رايتهم فلم تعد لهم راية، وما كان إلا العز للإسلام وأهله، وانتشاره في الأرض، ودخول الناس في دين الله أفواجًا بعد إيمانهم برسول الله r ودعوته.

* * * * *

 

عدم إجازة الإسلام لما يُدعى كذبًا بزواج المتعة

وعلينا أن نعلم تمام العلم: أن رسول الله r لم يجز للمسلمين زواج المتعة ولم يكن له ذلك؛ لأن زواج المتعة في الحقيقة ما هو إلا زنا فاحش؛ حيث يتزوج الرجل من المرأة إلى حين قضاء حاجته منها وإشباع رغبته فيها ثم يطلقها وهكذا.

ولقد جاءت الشريعة الإسلامية واضعة ضوابط وحدود لبناء البيت المسلم، والمجتمع المسلم ككل، بحيث لا يعتريه أي خلل، جاءت الشريعة الإسلامية لتحافظ على هيكل وكيان الأسرة المسلمة واتزانها، والحفاظ على الروابط الأسرية بين أفرادها وتقويتها، والحفاظ على الأنساب وعدم اختلاطها، والحفاظ على منزلة المرأة المسلمة وكرامتها ورفع درجتها كزوجة تحافظ على زوجها وبيتها وكأم مربية لأبنائها، إلى غير ذلك من تنظيم وتوزيع الحقوق والواجبات بين أفراد الأسرة الواحدة، ومن ثم أفراد المجتمع ككل وغير ذلك.

وهذا ما لا نجده في ذلك النكاح الباطل المُدَّعى كذبًا، والذي تفتريه الشيعة الروافض ومن على شاكلتهم، أصحاب المعتقد الفاسد والفقه الباطل، قاتلهم الله.

وما ذلك إلا ليوافق أهواءهم وشهواتهم، فهم ليسوا من أهل الإسلام، وبالتالي فهم ليسوا بحجة على ذلك.

فالشيعة –الروافض ومن على شاكلتهم- فرقة ضالة مارقة منقسمة في ذاتها إلى الكثير من الفرق قام بتأسيسها عبد الله بن سبأ اليهودي ونسبها للإسلام، لتكون ثغرة في بناء الإسلام فيُؤتى من خلالها.

  فالله سبحانه وتعالى وهبنا ومنحنا هذا العقل لنصل به في التعرف على عظيم قدرته وحكمته.. إلى خير مقام وأعلى درجة ومنزلة تليق بعظمته جل وعلا،


فالإنسان مع كونه مخلوق؛ فإنه يُحكِم ويُعمِل عقله، ويسعى جاهدًا للوصول إلى ما هو الأحسن والأفضل، بالنسبة له وفي كل شيء.

فإذا ما امتُدح شخص ما ذا جاه وسلطان بحسن خلقه وجميل صفاته -افتراضًا- فإننا نصل بعقولنا وتصوراتنا إلى وضع هذا الشخص في أحسن تصور وأفضل منزلة.

أفلا نصـل بهذه النعمة العظيمة التي وهبنا الله تبـارك وتعـالى إياها -العقل- إلى أن نعظم الله عز وجل حق التعظيم وأن ننزه هذا الخالق العظيم لكل شيء جلا وعلا عن ما لا يليق به سبحانه وتعالى في أقواله وتشريعاته وأفعاله وصـفاته من نقائص وعيوب افتراها كذبًا أهل الشهوات والفطرة غير السوية، والعقول الناقصة.

وأن نصل إلى معتقد سليم لا عكر ولا شائبة فيه، يليق بالله سبحانه وتعالى، دون إعنات أو إجهاد للفكر أو تصورات وفلسفات منكرة.

* * * * *

 

موجز عن عقيدة وشريعة من أباح بما يُدعى نفاقًا بزواج المتعة

نعم جميعًا أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء.

ولكننا نجد أن الشيعة –الروافض- تشابهت مع اليهود في الكثير، وما ذلك إلا لأنه قام بتأسيسها وإنشائها عبد الله بن سبأ اليهودي الذي ادَّعى الإسلام كذبًا، وزعم محبة آل البيت.

1- فمِمَّا تشابهت فيه الشيعة –الروافض- مع اليهود:

أنها قالت بالتجسيم ونسبته إلى الله جل وعلا؛ أي أنه ما هو إلا جسم كبير، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولذلك فإن اليهود أول من يؤمن بالدَّجَّال الذي يدَّعي الألوهية، ثم صارت الشيعة –الروافض- معطلة لصفات الله عز وجل وقاموا بوصف رب العالمين بالصفات السلبية، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا.

2- تؤمن الشيعة –الروافض- بعقيدة البداء -تستلزم سبق الجهل، وحدوث العلم أي عدم علم الغيب- وتنسبها إلى الله عز وجل وفي الوقت نفسه يعتقدون بأن أئمتهم يعلمون كل العلوم ولا تخفى عليهم خافية، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

3- وتشابهت الشيعة –الروافض- مع اليهود في:

أن اليهود تكره وتبغض جبريل عليه السلام، الذي ينزل بالوحي من الله على رسله، ويقولون هو عدونا من الملائكة لأنه ينزل بالتكليف، وكذلك فإن الشيعة –الروافض- تقول غلط وأخطأ جبريل بالوحي على محمد r، أي أن الرسالة كانت من نصيب شخص آخر، تعالى الله عن أي يحدث في ملكوته غير ما يشاء وغير ما يقتضيه علمه وحكمته.

4- وتشابهت الشيعة –الروافض- مع اليهود في:

أن اليهود حرَّفوا التوراة، وكذلك الرافضة فإنهم حرفوا القرآن الذي بين أيديهم ويعتقدون ذلك ويقولون بأنه مخلوق، تعالى الله عن ألا يحفظ كتابه الذي تعهد بحفظه سبحانه وتعالى للعالمين.

وأما النصارى فقد ضُيع كتابهم الإنجيل بالكامل:

حيث إن ما بقي منه كان عبارة عن ذكريات متناهية ظلت تتناقل شفاهًا، تفسرها الأهواء، تضيف إليها وتحذف منها وتحرفها كيف تشاء حتى تم إخراجها عن إطارها الرباني وإلقاؤها في أحضان عدد من الوثنيات القديمة والفلسفات الوضعية التي جعلتها عاجزة عن هداية أتباعها، وحين تم التدوين لبعض هذه الذكريات، تم بلغات غير لغات الوحي، وبواسطة أقلام متفرقة في أماكن متعددة، وفي أزمنة متباعدة وصلت إلى العديد من القرون.

ولذلك تعددت الأسفار والأناجيل –بالنسبة لليهود والنصارى على الترتيب- وتناقضت المعلومات وكثرت المراجعات إلى يومنا الراهن وستظل كذلك إلى ما شاء الله.

5- وتشابهت الشيعة –الروافض- مع اليهود في:

أن اليـهود كـانوا يؤذون ويقتلون أنبيائهم، ولـقد آذوا موسى عليه السلام كثيرًا، وافترت عليه الافتراءات والأكاذيب، وكذلك فإن الشيعة –الروافض- قد آذت رسول الله r في أهل بيته، فإنهم يفترون على السيدة عائشة رضي الله عنها زوجة رسول الله r الكذب وينسبون إليها الخيانة لعرض رسول الله r، قاتلهم الله، تعالى الله سبحانه وتعالى عن ألا يحفظ
خاتم أنبيائه ورسله في أهل بيته.

وغير ذلك الكثير مما تشابهت الشيعة –الروافض- فيه مع اليهود، وما ذلك إلا لأن مؤسس تلك الفرقة الضالة المارقة هو عبد الله بن سبأ اليهودي لعنه الله.

وانفردت الشيعة –الروافض- بسبها وشتمها، وتكفيرها لأصحاب رسولها، فالشيعة –الروافض- يسبون ويشتمون أصحاب رسول الله r ويعتقدون كفرهم عدا ثلاثة أو أكثر قليلا، قاتلهم الله.

فالله سبحانه وتعالى اختار رسوله r واختار له أصحابه الذين يليقون بشرف هذه المنزلة والصحبة لرسول الله r ونصرة دعوته.

فإنك إن سألت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى عليه السلام.

وإن سألت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى.

ولكنك إن سألت الشيعة –الروافض-: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد r، لعنهم الله.

إن أصحاب رسول الله r هم أول من آمنوا برسول الله r ودعوته، وهم أول من نصروه r ونصروا هذا الدين العظيم، فهم خير البشر بعد الأنبياء والرسل.

وتشابهت الشيعة –الروافض- مع النصارى في زواجهم حيث:

أن النصارى ليس لنسائهم صداقًا وإنما يتمتعون بهن تمتعًا، وكذلك فإن الشيعة –الروافض- يتزوجون بالمتعة، ويرغبون فيه.

ويقول أحد أئمتهم الكاشاني: وولد المتعة أفضل من ولد الزوجة الدائمة، ومنكر المتعة كافر مرتد.

وغيره –القمي- يقول: إن الله تبارك وتعالى حرم على شيعتنا المسكر من كل شراب، وعوضهم على ذلك بالمتعة.

وغيرهما عند سؤاله عن المتعة يقول: تزوج منهن ألفًا فإنهن مستأجرات، جاء ذلك في فروع الكافي والتهذيب.

وغيرهم عن زوجة المتعة يقول: لا تطلق ولا ترث وإنما مستأجرة، جاء ذلك في فروع الكافي والتهذيب، قاتلهم الله.

فالله سبحانه وتعالى لم يشرع لرسوله r مثل ذلك الشرع الباطل، وإنما كان ذلك من افتراءاتهم وفقا لأهوائهم وشهواتهم.

وهذا ما نحن بصدده، والذي يعنينا بخصوص موضوعنا، ولكننا أحببنا أن نبين جزءًا من حقيقة تلك الفرقة المارقة الضالة، لئلا ينخدع أحد بأقوالهم الكاذبة، وشرعهم الباطل المجيز للمتعة، فلا نستند إليهم، ولئلا تكون تلك الفرقة الضالة التي تقطن إيران ولبنان وشتاتا في العراق وغيرها حجة على الإسلام وثغرة في بنيانه، لما أشرنا، وغير ذلك الكثير والكثير.

فالشيعة –الروافض- ليست من الإسلام في شيء، ولمزيد من العلم عن تلك الفرقة الضالة يرجى الرجوع إلى:

1- كتاب: لله ثم للتاريخ. بقلم/ السيد حسين الموسوي من علماء النجف والذي تحول من التشيع إلى اتباعه لأهل السنة بعد تبين الحق له وتوفيقه إليه، والذي يقوم على كشف أسرارهم وعوراتهم وإيضاح كفرياتهم وإدانتهم من كتبهم.

2- كتاب: هل فرحت بالشيعة؟ بقلم/ أبي إبراهيم الكتيبـي محمد ابن هشام.

3- كتاب/ عقائد الشيعة. بقلم/ عبد الله بن محمد السلفي.

فلم يكن رسول الله r ليبيح مثل ذلك الزواج الفاحش الباطل ولم يكن ليجيزه للمسلمين لما يترتب عليه من مساوئ ومفاسد دينية وأخلاقية واجتماعية… إلى غير ذلك.

ولكنه r لم يأت إلا بالشرع الحكيم، المحفوظ من الله سبحانه وتعالى للعالمين، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الصف: 8].

فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الأمين، الذي جاء بخير شرع مُحكم للعالمين.

* * * * *

 

سادسًا: زواج رسول الله r بهذا العدد من نسائه –الإحدى عشرة زوجة- بعد تجاوزه للخمسين من عمره، وتربيته لهن، وكيفية التعايش معهن –كضرائر- وإمساكه عليهن، إلى أن تُوفي r عن تسع منهن

 هو من الدلائل والشواهد التي تشهد بنبوته r، وصدق دعوته، والشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى

علينا أن نعلم أن زواج رسول الله r من هذا العدد من نسائه بعد تجاوزه للخمسين من عمره، والدخول في المرحلة الأخيرة من عمره، مع زهده في ملذات الدنيا وطيباتها، وورعه وتقواه وانشغاله دوامًا بالذكر والعبادة لله، وأعمال الدعوة، وما يقاسيه في غزواته وحروبه ضد أعداء الله عز وجل لنشر راية التوحيد «لا إله إلا الله»، وإقامة الدولة الإسلامية على أسس من الخير والفضيلة والخضوع دائمًا لسلطان الله سبحانه وتعالى، وانشغاله r دومًا بتعليم أمته الشرع الذي جاء به، وما يوحى إليه من ربـه تبـارك وتعالى… إلى غير ذلك من الشواهد على صدق دعوته r وصدق رسالته، ودليل على أن تعدد زوجاته r كان لحكم عظيمة وجليلة يعلمها ربنا تبارك وتعالى، ويستنبط منها أولو الألباب –العقول- والنُهى قدر طاقتهم.

فزواج رسول الله r بهذا العدد من نسائه هي درجة عليا له، لأنه زيادة له r في التَكْليف، حيث كُلِّف r بأن لا يشغله ما حُبِّب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ والدعوة، وعبادته لربه تبارك وتعالى.

وحقيقة: إن رسول الله r لم يشـغله كثـرة أزواجه عن عبادته لربه سبحانه وتعالى، بل زاده r ذلك عبادة لله سبحانه وتعالى بتحصينهن، وقيامه r عليهن وإكسابه لهن وهدايته لهن، فضلا وتأييدًا من الله سبحانه وتعالى له.

قبل تجاوز رسول الله r للخمسين من عمره:

لقد تزوج رسول الله r عندما كان عمره 25 عامًا من السيدة خديجة رضي الله عنها، وكانت آنذاك في الأربعين من عمرها، حيث كانت أكبر من رسول الله r بنحو 15 عاما.

وكانت رضي الله عنها قد تزوجت قبل ذلك مرتين، فلم تكن بكرًا وقت زواجها برسول الله r.

وقد توفيت رضي الله عنها قبل الهجرة بثلاث سنوات، بعد نبوة المصطفى r بنحو من 9-10 أعوام.

وكـانت رضي الله عنهـا أول من آمنت من النسـاء، فآزرت رسول الله r في دعوته، وكانت تواسيه وتخفف من آلامه وأحزانه بعد ما رأى من قريش وصدها أشد ما رأى من الصد والعدواة.

وكان له r منها الأبناء والبنات، غير أن الأبناء قد ماتوا جميعًا في الصغر، والبنات قد توفاهن الله عز وجل في حياته r، عدا فاطمة رضي الله عنها، وقد علم بوحي من الله سبحانه وتعالى أنها –السيدة فاطمة- أول من يلحقه من أهله بعد وفاته، وأخبر رسول الله r السيدة فاطمة بذلك في آخر يوم من حياته لما رأى من شدة بكائها وحزنها عليه r لما وجدت به من شدة المرض، فسُرَّت لذلك.

وجاء مصداق ما أخبر به رسول الله r كشـاهد من شـواهد نبوته r، حيث توفيت السيدة فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة رسـول الله r بستة أشهر، وكانت أول من لحقه r من أهل بيته.

فكان r خير أسوة وقدوة، حيث كان نعم العبد الصابر المحتسـب لله سبحانه وتعالى.

ولقد حفظ رسول الله r جميل وطيب صنيعها، فلم يتزوج غيرها إلى أن توفاها الله عز وجل، بعد تجاوزه r للخمسين من عمره.

ونتساءل في عجب:

أبعد ما أن مرَّ وتجاوز رسول الله r شرخ الشباب، وهو الوقت الذي تجيش فيه الصدور بالآمال والأماني، وتبلغ فيه الشهوة إلى النساء وغير ذلك، والرغبة فيهن مداها وأقصاها -فمن المعلوم أن سن الشباب هو أفضل مراحل الإنسان قوة ونشاطا- ولم يتزوج رسول الله r آنذاك غير السيدة خديجة رضي الله عنها، ولم تكن بكرًا، في ذلك الوقت، وفي الوقت الذي تهدأ فيه النفوس الثائرة، وتسكن فيه الآمال الفائرة، وتزداد أعباء رسالته وتحمله r لنشـرها، ومعاناته في غزواته وحروبه ضد أعـداء الله عز وجل، وكـل ذلك بعد تجاوزه r للخمـسين من عمره، والدخـول في المـرحلة الأخـيرة من العمـر، ويكون فيها زواجـه r من نسـائه، وتعدده منهن،

أيكون ذلك الدافع من وراء زواجه r وتعدد زوجاته، ليس إلا الدافع الشهواني والغريزي، كما يفتري بعض الجهلاء والحاقدين؟!

– الجواب الذي لا حياد عنه ولا مرية فيه: بالطبع لا.

لأنه لو كان r كما يفتري الجهلاء والحاقدون لظهرت عليه دلالات ومؤشرات ذلك من قبل:

– كأن يتزوج r في مقبل عمره من الزوجة البكر – التي لم تتزوج قبل ذلك- بدلا من أن يتزوج من زوجة كانت قد تزوجت قبله r مرتين، لا سيما أن جده r هو سيد مكة.

– أو أن يتزوج r من زوجة حديثة السن –صغيرة- بدلا من أن يتزوج من زوجة كانت آنذاك في الأربعين من عمرها، متجاوزة مرحلة شبابها.

– أو أن يتزوج r من زوجة تجمع بين الصفتين معًا، فتكون بكرًا وحديثة السن في الوقت ذاته.

– أو أن يتزوج من زوجتين أو ثلاثة أو أكثر في مقتبل عمره وريعان شبابه؛ لأنه أفضل مراحل الإنسان قوة ونشاطًا، حيث إن تعدد الزوجات هو من أصل عادة العرب، لا سيما أنه r أشرف قريش نسبًا، فجده عبد المطلب هو سيد أهل مكة.

– أو أن يظهر عليه r غير ما ذكرناه من دلائل ومؤشرات على من هو مقبل على الدنيا راغبًا فيها من ملذات وطيبات وزينة وشهوات… وغير ذلك.

ولكنه r لم يصدر منه أي من ذلك كله، ولم تظهر عليه أدنى مؤشرات ذلك، بل كان r نعم الزاهد، خير العابد لربه تبارك وتعالى، وهذا ما يؤكد جوابنا الذي لا مرية فيه.

 

::::::::::::::::::::::

إن في زواج رسول الله r لنسائه، وتعدده لزوجاته، مع تربيته r لهن وكيفية التعايش معهن كضرائر، وإمساكه عليهن إلى أن توفي r عنهن لدليل وشاهد على نبوته r ودعوته والشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى:

نعلم جميعًا أن رسول الله r لنا فيه القدوة والأسوة الحسنة، وذلك في عباداته وأخلاقه ومعاملاته وحسن عشرته r لأزواجه… إلى غير ذلك.

وكذلك فإن لنا في رسول الله r الأسوة الحسنة في كيفية تكوين البيت المسلم القائم على تقوى الله عز وجل، وتطبيق شرعه، والامتثال لأوامره، واجتناب نواهيه سبحانه وتعالى.

فإذا ما تزوج الإنسان منا اجتهد كثيرًا ليقيم هذا البيت القائم على تقوى الله سبحانه وتعالى، بسبب ما يحيط به من عوامل ومؤثرات، وضغوط المعيشة من مسكن وفُرش، وملبس ومأكل وأعباء أولاد… إلى غير ذلك، وبسبب ما يحيط به من مفاسد دينية ومساوئ أخلاقية، وانتهاك لحرمـات الله عز وجل وعدم تعظيم شعائره، وعدم تطبيق شرعه جل وعلا، وبسبب ضيق الوقت لديه، وضيق فراغه لتربية وإصلاح أولاده، وإبعادهم عن تلك المفاسد التي تحيط بهم؛ كي ينشئهم على تقوى الله سبحانه وتعالى وطاعته لا سيما إن كان فقيرًا أو مسكينًا.

مع ملاحظة: أنه مع ذلك كله، غير منشغل بأعباء دعوة أو تبليغ رسالة لأمة بأكملها، أو مُجهد في العزوات والحروب كرسول الله r من أجل إعلاء راية التوحيد «لا إله إلا الله» وإقامة دولة الإسلام.

فماذا بعد ذلك كله، إن تزوج هذا الإنسان المسكين من زوجتين؟!

لا شك أنه سوف تتزايد وتتضاعف عليه هذه الضغوط والأعباء وقد لا يطيقها، غير أنه نشأ ضغط وعبء من نوع جديد وهو: كيفية التعايش مع زوجتيه الاثنتين كضرائر وما يحدث بينهما.

وماذا إن تزوج هذا الفقير المسكين من ثلاث زوجات أو أكثر من ذلك؟!

والشاهد على ما نذكره: أنه في زماننا نادرًا ما نرى إنسانًا متزوجًا من اثنتين، ويندر من نراه استطاع تكوين هذا البيت المسلم القائم على تقوى الله عز وجل وتطبيق شرعه، أو استطاع أن يتعايش مع زوجتيه –كضرائر- دون أن ينتج عن ذلك فراق أو طلاق لأي منهما أو كلاهما، وما نراه في المحاكم الآن لدليل على ذلك.

لكن رسول الله r، وهو خير زاهد عابد لله سبحانه وتعالى، كان خير نموذج يُحتذى ويُتأسى به في:

1- حسن عشرته r مع زوجاته رضوان الله عليهن.

2- كيفية إصلاحه ودعوته r لهن رغم ما ينشأ بينهن من خلافات وغير ذلك كضرائر.

3- تنشـأته وتربيتـه r لـهن على الزهـد والـورع وتقوى الله سبحـانه وتعالى وعبادته، بل وتنشأة كل من حوله من المؤمنين وتربيتهم حق التربية على طاعة الله سبحانه وتعالى.

فلقد استطاع رسول الله r أن يتعايش مع زوجاته جميعًا في آن واحد وأن يكسر بإعانة وتأييد من الله عز وجل كل ما يواجهه من أعباء وضغوط للمعيشة ويتغلب عليها، وأن يقوم بتكوين مملكة إسلامية متكاملة قائمة على تقوى الله عز وجل وتطبيق شرعه والخضوع لسلطانه سبحانه وتعالى.

 

فرسول الله r لنا فيه القدوة والأسوة الحسنة ولذلك:

فإن زواج رسول الله r من نسائه وتعدده لأزواجه بعد تجاوزه r للخمسين من عمره، ودخوله في المرحلة الأخيرة من عمره، مع زهده وورعه وتقواه، والتعايش معهن جميعًا في آن واحد كضرائر، وتربيته r لهن على تقوى الله سبحانه وتعالى لشاهد بيِّن على نبوته r وصدق رسالته ودعوته وتأييد الله عز وجل له.

– وإليك صورة موجزة من حكمته r في التعايش مع زوجاته رضوان الله عليهن، وكيف كان r في بيته:

إن بيت الإنسان هو محكه الحقيقي الذي يبين حسن خلقه وكمال أدبه، وطيب معشره وصفاء معدنه.

كان رسول الله r في تواضع جم دون تصنع ولا مجالات مع أنه r سيد هذا البيت، وبإمكانه أن يأمر وينهى، فكل من تحته ضعفاء ولكنه r كان في خدمة أهله.

وكان r يُفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.

وإليك هذا: تقول السيدة عائشة رضي الله عنها زوجة رسول الله r: خرجت مع رسول الله r في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: «تقدموا»، فتقدموا، ثم قال لي: «تعالَي حتى أسابقَكِ» فسابقته، فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، وخرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: «تقدموا»، فتقدموا، ثم قال لي: «تعالَي حتى أسابقَكِ» فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك ويقول:

«هذه بتلك» [رواه الإمام أحمد في المسند].

إنها المداعبة اللطيفة، والاهتمام البالغ، حيث يأمر r القوم أن يتقدموا لكي يسابق زوجته، ويدخل السرورَ على قلبها، ثم ها هو r يجمع دعابة ماضية وأخرى حاضرة ويقول: «هذه بتلك».

فكان r نعم المُعلِّم، وخير هادٍ للبشرية قاطبة، وصدق الشاعر إذ يقول:

نبي أتانا بعد يأس وفترة

من الرسل والأوثان في الأرض تعبد

فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا

يلوح كما لاح الصقيل المهند

وأنذر نارًا وبشر جنة

وعلمنا الإسلام فالله نحمد

وغير ما ذكرنا الكثير والكثير من صور حكمته r في التعايش مع زوجاته رضوان الله عليهن، فحياته وسيرته r الطيبة المحفوظة من الله تبارك وتعالى خير دليل وشاهد على ذلك.

* * * * *

 

حكمة زواج رسول الله r من نسائه، وتعدده لأزواجه،

والفوائد العظيمة المترتبة عليه

ونشير إلى: أن زواج رسول الله r من نسائه وتعدده لأزواجه كان له فوائد عظيمة ومعانِ جميلة وحِكَم جليلة.

فمن الحكم التي نخلص بها من زواج رسول الله r لنسائه وتعدده لأزواجه.

1- المساهمة الكبرى في رواية السنة النبوية، فهي المصدر الثاني من مصادر التشريع، وإن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن قد ساهمن مساهمة فعالة في رواية كل قول سمعنه، وفي نقل كل فعل رأينه من النبي r، فوصل بذلك كثير من السنة إلى الأمة الإسلامية عن طريق الرواية من نساء مقطوع بصدقهن، ومُجمع على أمانتهن وعدلهن، ولقد ذكر الرواة أن عدد الأحاديث التي رواها نساء الرسول r عنه جاوزت ثلاثة آلاف حديث.

2- نشر الدعوة بين صفوف النساء عن طريق زوجات رسول الله r واللواتي كن سيدات في أقوامهن، صاحبات السيرة الحسنة.

3- نشر أحكام النساء الخاصة بهن –لا سيما الطهارة- بين صفوف المسلمات عن طريق أمهات المؤمنين زوجات رسول الله r، والتي هي من أدق الأحكام، والتي لم يكن في استطاعة رسول الله r إيضاحها لهن بشكل أدق من أزواجه رضوان الله عليهن.

4- الاطلاع على محاسن أخلاقه r الباطنة، فقد تزوج r من السيدة أم حبيبة وكان أبوها آنذاك يعاديه، وتزوج r من السيدة صفية وكان ذلك بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، ولو أنه r لم يكن أكمل الناس خلقًا وأحسنهم عشرة لنفرن منه، بل إن الذي وقع من أزواج رسول الله r أنه r كان أحب إليهن من جميع أهلهن.

5- الزيادة في التكليف له r: حيث كُلِّف r بأن لا يشغله ما حُبِّب إليه من أزواجه عن المبالغة في التبليغ والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وعبادته r لربه تبارك وتعالى.

6- خرق العادة: من حيث جِماعه r لزوجاته رضوان الله عليهن مع التقلل من المأكول والمشروب وكثرة الصيام والوصال فيه –أن يصوم يومين متتابعين دون إفطار بينهما- لا سيما في الأيام الجافة، شديدة الحرارة.

وكان r قد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، حيث إن كثرته تكسر شهوته، ومع كثرة جهده r في العبادة والدعوة، وتحمله لأعباء الرسالة والتبليغ عن ربه تبارك وتعالى لا سيما غزواته وحروبه ضد أعداء الله عز وجل لرفع رايته وإعلاء كلمته «لا إله إلا الله» سبحانه وتعالى.

فانخـرقت هـذه العـادة في حقه r لأنـه رسـول من عنـد الله سـبحانه وتعالى، قد أيده ربنا تبارك وتعالى بخواص ليست لغيره، ولا يملكها أحد سواه r، فكانت هذه خاصية من خصوصيات رسول الله r، وإشارة إلى صدق نبوته ودعوته.

7- اقتداء المسلمين برسول الله r في صبره، وحُسن خُلقه، وحسن عشرته مع أزواجه، وكيفية التعامل معهن رضوان الله عليهن.

ولقد حفظ ربنا تبارك وتعالى سيرة رسول الله r الطيبة العطرة شاهدة له، وكي نتأسى ونقتدي بها.

8- اقتداء نساء العالمين بزوجات رسول الله r في صبرهن وزهدهن وفقًا لما رباهن عليه رسول الله r، وحُسـن أخلاقهن في التعامل فيما بينهن –كضرائر- وفي كيفية التعامل مع زوجهن r.

ويتضح من ذلك: حكمة الشريعة الإسلامية في أن يُباح للرجل أن يُعدِّد من زوجاته، وأن ذلك ليس مُحالا في الواقع شرط تقوى الله عز وجل وتطبيق شرعه سبحانه وتعالى.

وسوف يأتي بمشيئة الله تعالى الإشارة إلى الحِكَم الجليلة من تعدد الزوجات لا سيما بعدما اكتشف العلم الحديث من إحصائيات مؤكدة.

9- توثيق الصلات بين رسول الله r وبين كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، الذين كانوا بمثابة أركان الدولة الإسلامية وأعمدتها، فيقوى بذلك بنيان دولة الإسلام، فلقد تزوج r من ابنة أبي بكر الصديق -السيدة عائشة رضي الله عنها-، وتزوج r من ابنة الفـاروق عـمر بن الخطـاب -السيدة حفصة رضي الله عنها-، وزوَّج ابنته السيدة رقية رضي الله عنها لعثمان بن عفان، فلما توفاها الله سبحانه وتعالى زوجَّه r ابنته السيدة أم كلثوم رضي الله عنها، ولذلك كان سيدنا عثمان بن عفان يُلقَّب بـ«ذي النورين» لزواجه من ابنتي رسول الله r.

وزوج r ابنته السيدة فاطمة رضي الله لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

10- كسر قاعدة التبني لما هو مترتب عليها من مفاسد اجتماعية وضياع للحقوق، والنسب الحقيقي والتي كانت عادة متأصلة في العرب.

فكـان زواجه r من السـيدة زينب بنت جحـش بأمـره من الله عز وجل، وكان ذلك بعدما فارقها زيد بن حارثة رضي الله عنها، وكان قد تبناه رسول الله r قبل رسالته وتحريم التبني، فكان زيد آنذاك بمثابة الابن الحقيقي لرسول الله r، له ما له من حقوق ومواريث، وعليه ما عليه من واجبات.

فجاء هذا الزواج المبارك لرسول الله r نقضًا لتلك العادة المتأصلة في العرب –التبني- فلا تضييع للأنساب الحقيقية، ولا يرث إلا مَن له الحق في الميراث امتثالا لقوله تعالى:

﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: 75].

ولا يكون هناك تضييق على المسلمين في أن يتزوجوا من أزواج أدعيائهم –من التبني- الذين قد أعلنوا تبنيهم لهم إذا قضوا منهن وطرًا، وإن دخلوا بهن؛ لأنهم ليسوا بالأبناء الحقيقيين.

فبزواج رسول الله r من السيدة زينب رضي الله عنها لم يعد الصحابي زيد بن حارثة رضي الله عنه ابنًا لرسول الله r؛ لأنه لا يجوز للأب أن يتزوج من زوجة ابنه التي قد دخل بها وجامعها، فكان ذلك من حكمة زواج رسول الله r.

11- أن تكثر عشيرته r من جهة نسائه، فتزداد دعوته قبولا وانتشارا، ويزداد أعوانه r على من يحاربهم من أعداء الله عز وجل لنشر راية التوحيد «لا إله إلا الله» وإبطال عبادة ما سوى الله سبحانه وتعالى.

12- مصاهرته r لعدة بطون وأفخاذ بين قبائل العرب سهلت قبول الدعوة وانتشارها بين القبائل.

13- قد يكون زواجه r لزيادة النسل كما علمنا، فهو القائل r: «تزوجوا الودود الولود فني مكاثر بكم الأمم» [رواه أبو داود مرفوعًا بسند صحيح].

ويعني ذلك: أن تلد الأمة رجالا ونساءً قد أُنشئوا ورُبُّوا على تقوى الله عز وجل وتطبيق شرعه سبحانه وتعالى، وتحمل عبء ومسئولية نشر هذا الدين العظيم.

14- إن العربي كان يمدح بكثرة النكاح لدلالته على رجوليته، فكان رسول الله r أحق بذلك، وأكثر من ذلك: أنه r لم يشغله كثرة أزواجه ومسئولية r تجاههن عن عبادة ربه جل وعلا، بل زاده ذلك عبادة لتحصـينهن وقيـامه بحقوقهـن واكتسـابه لهـن وهدياته r -بإعـانة من الله عز وجل- إياهن.

ولذلك كان زواج رسول الله r من نسائه وتعدده لزوجاته رضوان الله عليهن لحِكَم عظيمة وجليلة يعملها الله سبحانه وتعالى، ويستنبط أهل العلم منها قدر استطاعتهم.

فكان ذلك إشارة إلى صدق نبوته r ودعوته والشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى.

* * * * *

 

سابعًا: صفات البيت النبوي هي من الدلائل والشواهد التي تشهد بصدق رسول الله r، وصدق دعوته والشرع الذي جاء من ربه تبارك وتعالى

إن صفات البيت النبوي من خير الشواهد التي تشهد لرسول الله r بالرسالة، وأنه r ما أرسل إلا رحمة للعالمين.

فما كان رسول الله r ليدع مجالا لدنيا تصيب من قلبه في شيء.

فهو r الذي علـمنا: أن في جمـاع الرجـل لزوجتـه أجر من الله تبارك وتعالى إذا ابتغى بذلك وجهه سبحانه وتعالى، فمع أن ذلك فيه قضاءً لشهوته وحاجته إلا أنه فيه أجر من الله تبارك وتعالى؛ لأنه قصد وسلك الطريق الذي أحله وأجازه له ربه جل وعلا، ولو قصد وسلك مسلكًا آخر غير الطريق الذي أحله وأجازه له ربه سبحانه وتعالى، وبينه له رسول الله r من أجل قضاء شهوته وحاجته لارتكب ذنبًا عظيمًا من كبائر الذنوب التي توجب غضب الله عز وجل وسخطه عليه، وعقابه له، إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى أن يغفر له.

بمعنى: أن رسول الله r علمنا أن نبتغي من وراء هذه الحياة الدنيا التي نحياها رضا الله سبحانه وتعالى، مصداقًا لقوله جل وعلا:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

    [سورة الأنعام: 162]

فقد كانت حياة رسول الله r بما فيها من مسكن وفراش ومأكل ومشرب ملبس وزواج… إلى غير ذلك خالصة لله سبحانه وتعالى، قاصدًا r ومبتغيا بها رضى ربه تبارك وتعالى.

ولنلقي الضوء على بعض من صفات البيت النبوي لرسول الله r لتكون شاهدة برسالته، وبرهانا على أنه r لم يكن مبتغيًا للدنيا أو قاصدًا لها.

فعن عبد الله بن مسعود قال: نام رسول الله r على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء، فقال:

«ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني].

فلقد كان رسول الله r خير زاهد وعابد لله سبحانه وتعالى، ونلحظ ذلك بوضوح في صفات بيته r ومعيشته.

أولا المسكن: وقبل أن نلج بيت رسول الله r، ونرى بنائه وهيكله، علينا أن لا نتعجب إن رأينا ذلك المسكن الصغير والفراش المتواضع، فمع أن الله سبحانه وتعالى قد أغنى رسول الله r، إلا أن المال لم يكن في قلبه، بل كان في يده r، فجعل ينفقه في شتى سبل الخير ابتغاء مرضات ربه تبارك وتعالى، فنرى رسول الله r أنه كان أزهد الناس في تلك الدنيا، متقللا منها، لا ينظر إلى زخارفها وأموالها، بل جُعلت قرة عينه r في الصلاة.

لقد كانت حُجَر أزواج رسول الله مبنية من طين عليه جريد، بعضها من حجارة مرضومة، وسقوفها كلها من جريد.

وكان الحسن يقول: كنت أدخل بيوت أزواج النبي r في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي.

 إن بيت النبوة –حُجَر أزواج رسول الله r- بيت متواضع، وحُجَر صغيرة، لكنها عامرة بالإيمان والطاعة وبالوحي وبالرسالة.

فكان بيت النبوة يُذكر ويُنزه فيه الله سبحانه وتعالى دومًا بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل –سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله- ودومًا يُتلى فيه القرآن الكريم –كـلام رب العالمين- دوامًا يُصـلى فيـه للـه سبحانه وتعالى ليلا –قيام الليل- ونهارًا، فكان r يصلي من الليل حتى تنتفح قدماه من طول القيام والصلاة.

فكان ما ذكرنا موجزًا لبعض من صفات مسكن رسول الله r المتواضع؛ ولكنه العامر بالإيمان والطاعة.

ثانيا الفراش: لقد كان فراش رسول الله r متواضعًا جدًّا، فكان من أدم حشوه ليف.

فعن أنس بن مالك قال: دخلت على رسول الله r وهو على سرير مضطجع مرمل بشريط وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه ودخل عمر رضي الله عنه، فانحرف رسول الله r فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبًا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله r فبكى عمر، فقال له النبي: «ما يبكيك يا عمر؟».

قال: والله إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله عز وجل من كسرى وقيصر، وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان، وأنت رسول الله بالمكان الذي أرى!

فقال النبي r: «ما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟»

قال عمر: بلى. قال: «فإنه كذاك».

[رواه الإمام أحمد، والبيهقي في دلائل النبوة، وأبو يعلى في مسنده، وفي صحيح مسلم بشرح النووي رقم 3675 ط دار ابن الهيئم برواية أخرى، وفي صحيح البخاري بشرح ابن حجر رقم 4913 ط المكتبة السلفية برواية أخرى].

فكان رسول الله r فراشه الحصير، فيؤثر في جنبه r، وما كان ذلك إلا لزهده r في تلك الدنيا، وطلبه للآخرة، قاصدًا رضا ربه تبارك وتعالى.

ثالثا الملبس: لقد كان رسول الله r حسن الملبس والمظهر في غير زهد أو كبر، بل في تواضع منه r وحياء، فكان r أشد حياءً من العذراء في خدرها.

      فكان r يحب الطيب، فلم تُشم رائحة أطيب من رائحة رسول الله r، وهذا مما ينبغي له r فالله سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال، ومن حيث: إن رسول الله يتنزل عليه الوحي دومًا، ويناجي ربه سبحانه وتعالى في الصلاة والدعاء والذكر…

وأنه r دومًا في دعوة للناس إلى الله سبحانه وتعالى، وفي تعليم لهم لأمر دينهم، ولقد كان r حسن وطيب العشرة لأزواجه رضوان الله عليهن، فرسول الله r كان خير نموذج يُقتدى ويتأسى به.

رابعًا المأكل والمشرب: لقد كان أغلب طعام رسول الله r التمر والماء –الأسودان- حيث كان يمر الهلال ثم الهلال –قرابة شهرين- ولا يوجد في بيت من بيوت رسول الله r نار، أي لا يوجد من الطعام ما يستلزم النار لطهيه.

ولم يكن رسول الله r يملأ بطنه من الطعام، بل كان r يكفيه ما يقيم صلبه من الطعام.

وغير ما أشرنا إليه الكثير والكثير من صفات البيت النبوي التي توضح لنا زهد رسـول الله r وتؤكده، وأنه كان غير مبتغيًا لدنيا يصيبهـا، بل كان r مبتغيًا بها رضا ربه سبحانه وتعالى.

لقد كانت الدنيا في يديه r، حيث:

كان رسول الله r باستطاعته أن يصدر فقط أوامره لبناء وتشييد القصور من أجله، وأن ينعم بخير مسكن وفراش وخير ملبس ومأكل ومشرب وخير مركب، وكل ذلك لا تُحرِّمه شريعة الإسلام إذا كان مصدره حلالا طيبًا وفي غير زهد أو كِبر.

وكان r مُخيرًا من الله تبارك وتعالى في أن يكون ملكًا نبيًّا كنبي الله سـليمان عليه السـلام، أو أن يكـون عبدًا نبيًّا، ولكنه r آثر أن يتواضع لله جل وعلا، وأن يكون r عبدًا نبيًّا وهي بلا شك منزلة أرقى ومقام أعلى.

ونطرح سؤالا: ما الذي كان يدفعه r إلى ذلك كله من حيث: زهده r الذي لا مثيل له، واجتهاده في العبادة والدعوة؟

وما الذي كان r يبغيه من ذلك؟

وعلى أي شيء يدل؟

الجواب الذي لا مرية ولا شك فيه: أن الذي كان يدفعه r إلى ذلك هو مسـارعته r في طاعـة الله عـز وجل، والامتثال لأوامره، وتطبيق شرعه جل وعلا الذي أرسله به ربه تبارك وتعالى.

وأن الذي كان يبغيه r من ذلك هو رضا ربه تبارك وتعالى والوصول إليه.

ويدل ذلك كله: على صدق نبوته r ودعوته والشرع الذي أُرسل به من الله سبحانه وتعالى.

ونطرح تساؤلا:

هل يُمكن لصاحب عقل وحكمة بعد ما أشرنا إليه من موجز لبعض صفات البيت النبوي الشريف أن يدَّعي قولا: أن الغريزة وقضاء الشهوة والحاجة هي المحرك والدافع لزواج رسول الله r من نسائه؟!

وهو r الذي أخبرنا وعلمنا قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: 162].

الجواب الذي لا حياد عنه ولا مرية فيه: بالطبع، لا.

– إذ إن ذلك الاندفاع وراء ذلك المطلب –الزواج- إذا كان من أجل إصابة دنيا أو انسياق لغريزة بشرية أو قضاء شهوة وحاجة، فإنه يستلزم ويحتاج إلى أمرين أو أكثر:

1- يستلزم ويحتاج إلى دعائم تنمي وتزيد من تلك الشهوة والغريزة دومًا، من ملذات الطعـام والشـراب، وما كان ذلك في أيٍّ من بيوت رسول الله r، بل كان لا يوجد من الطعام ما يستلزم النار لطهيه، فكان يمر بالثلاثة أَهِلَّة –شهرين- ولا طعام لرسول الله r وأزواجه رضوان الله عليهن عدا قليل من التمر والماء.

بل إن رسول الله r كان في أغلب أوقاته وأيامه صائمًا، فكان r يصوم يوما الإثنين والخميس –يومان- من كل أسبوع، والثلاثة أيام القمرية من كل شهر عربي، ويصوم أغلب أيام شهر شعبان، ويصوم شهر رمضان كله، ويصوم ستة أيام من شهر شوال، ويصوم كثيرًا من محرم ويصوم أيامًا متفرقة في السنة كيوم عرفة ويوم عاشوراء و…، وكان r إذا أصبح فلم يجد طعامًا يتم صيام يومه، وكان r يصوم وصالا؛ بأن يصوم يومين متتاليين بدون إفطار بينهما، وكان ذلك كله مع ما كان من شدة الحرارة وقسوتها، ومناخ جاف تتصف به مكة والمدينة.

ولقد كان رسول الله r دومًا مُستنزفًا ومستغلا لطاقته وقوته في غزواته وحروبه لأعداء الله سبحانه وتعالى وفي تبليغ رسالته ودعوته r.

2- يحتاج إلى شخص آخر غير رسول الله r يأخذ من ملذات الحياة وزينتها من مسكن وفراش وملبس وطعام وشراب ونفوذ وجاه… إلى غير ذلك في مُقتبل العمر وريعانة شبابه، ليس في نهايته ونفاذ قوته وطاقته، لا سيما في حروبه وغزواته، ولكن رسول الله r وهو الزاهد العابد، القائم، الصائم: كان قلبه r منشغلا بذكر الله سبحانه وتعالى، منشغلا بتعليم أصحابه وأمته تعاليم وشريعة الإسلام، ولقد علم أصحاب رسول الله r كل ذلك عنه.

ولذلك: فلقد كان البيت النبوي وصفاته، وأحوال رسول الله r داخله من زهد وورع وعبادة لله سبحانه وتعالى، وعشرة لأزواجه من الشواهد والبراهين التي تشهد بصدق نبوته r ودعوته والشرع الذي أُرسل به من ربه تبارك وتعالى.

* * * * *

ثامنًا: الشرع الذي جاء به رسول الله r، وإقراره لتعدد الزوجات، وإجازته له من الشواهد التي تشهد بصدق رسالته r، وصدق دعوته، وحكمة الشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى

إن الشرع الذي جاء به رسول الله r وإقراره لتعدد الزوجات وإجازته له من الشواهد المرئية، والبراهين الدامغة على صدق رسالة ودعوة رسول الله r والشرع الذي أرسله به ربنا تبارك وتعالى، وتضمنه للأحكام الشرعية السامية الموافقة للبشرية قاطبة في كل مكان وزمان إلى يوم الدين.

فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى أعلم بما سيكون في المستقبل، وأعلم بمصالح عباده من أنفسهم؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الذي خلقهم وأعلم بما يفعلونه وما سيئولون إليه.

ولذلك، فإنه سبحانه وتعالى أنزل شرعه الحكيم متضمنًا الأحكام التي توافق عباده في حاضرهم ومستقبلهم.

ولا أدل من ذلك بخصوص موضوعنا الذي نتحدث فيه، بما اكتُشف من الإحصائيات العلمية المؤكدة والثابتة، والتي كونت وسجلت نسب كل من المواليد والوفيات، وكذلك نسب مواليد الذكور إلى نسب مواليد الإناث.

فكانت هذه النسب بمثابة الصواعق المحرقة لكل من يحقد على هذا النبي r وعلى ما جاء به من شرع حكيم، ودين عظيم لا غلو فيه ولا تفريط، حفظه ربنا تبارك وتعالى من أن تتناوله أو تمسسه أيدٍ خبيثة بالتحريف كما سبق في الشرائع التي قبله؛ كشريعة اليهود والنصارى وغيرهم ممن سبقهم.

ولقد أقر هذا الشرع الحكيم مبدأ تعدد الزوجات وأجازه لحِكَم عظيمة وجليلة شرط تحقق مبدأ العدالة، فلقد اشترط الشرع الحكيم الذي جاء به خاتم المرسلين r عدة شروط وفقًا لما أقره وأجازه من تعدد الزوجات وهي في إيجاز:

1- العدل بين الزوجات وعدم الظلم لأي منهن، فلا يميل الزوج إلى إحدى الزوجات ويترك الأخرى، وليس المقصود بالميل هنا ما يتعلق بالأمور والقلبية؛ كحبه لإحدى الزوجات عن الأخريات؛ لأن هذا مما لا يملكه الإنسان، ولكن ما نقصده بعدم الميل: ألا يظلم الزوج امرأته، فلا يهجرها، ولا يتركها عرضة لارتكاب المـُحرَّم.

2- القدرة والاستطاعة في الإنفاق على زوجاته، فلا يجوز للإنسان أن يُعدِّد من زوجاته، ويجمعهن كلهن في موطن واحد، ثم يتكفف الناس للإنفاق عليهن.

3- العدل في الإنفاق عليهن: فعلى الزوج أن لا يبخس حق أيٍّ من زوجاته ولا يظلم أيًّا منهن، وفي ذلك تفصيل لا يسعنا ذكره في موضوعنا.

4- القدرة على تحصينهن وإعفافهن جميعًا: فلا يهجر أيًّا منهن، فيتركها عرضة لارتكاب ما حرمه الله عز وجل لعدم إحصانه وإعفافه لها.

لقد أحل الله سبحانه وتعالى تعدد الزوجات في شريعته الخاتمة الباقية، وهو سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما سـيكون، فلم يغب عن علمـه سبحانه وتعالى وقائع الأحداث في الماضي أو الحاضر أو في المستقبل.

فكانت إجازته سـبحانه وتعـالى لتعـدد الزوجـات رحمـة من الله سـبحانه وتعالى، ولحِكَم جليلة وعظيمة منه جل وعلا.

ونذكر من حِكمة الشرع الذي جاء به محمد r في إقراره لمبدأ تعدد الزوجات –الذي كان سائدًا في العرب- وإجازته له ما يلي:

1- أن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بأن الرجال أقل عددًا من النساء في أقطار الدنيا، وأن الرجال أكثر تعرضًا لأسباب الموت منهن في جميع ميادين الحياة، لا سيما الحروب، ويدل على ذلك الحربين العالميتين الأخيرتين، والتي هلك فيهما ملايين الرجال، وأصبحت جماهير غفيرة من النساء –ما بين أبكار ومتزوجات بعد فقد عائلتهن- بلا زواج.

فلو أن الزوج اقتصر في زواجه على واحدة فقط لبقي عدد ضخم من النساء محرومًا من الزواج، فيضطرون إلى ركوب الفاحشة والانحطاط إلى درجة البهائم في عدم الصيانة والمحافظة على الشرف والمروءة والأخلاق.

ولقد جاء علم الإحصاء حديثًا كلطمة صاعقة في وجوه مثل هؤلاء الجاهلين والحاقدين، وذلك حين اكتشف أن:

نسبة مواليد الفتيات أكبر وأضخم من نسبة مواليد الذكور، فكان ذلك موافقًا للشرع الحكيم الذي أُرسل به رسول الله r، فسبحان الله الحكيم الخبير القائل في كتابه جل وعلا:

﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.

          [سورة هود: 1]

2- أن الإناث كلهن مستعدات وذلك وفقًا لما جاءت به الشريعة الإسلامية الحكيمة؛ لأن الأصل في لوازم النكاح والزواج أنها جميعًا تقع في عبء ومسئولية الرجل من توفير للمسكن والفراش والصداق والملبس والمأكل والمشرب، وتوفير احتياجات الزوجة من حيث الإنفاق عليها، وكان ذلك كله تكريمًا للمرأة، خلافًا لما جرت عليه العادات في هذا الزمان، فكثير من الرجال لا قدرة لهم على القيام بلوازم النكاح لفقرهم.

فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات للزواج من النساء؛ لأن المرأة لا عائق لها، أما الرجل فيعوقه الفقر وعدم القدرة على لوازم النكاح.

فلو اقتصر الرجل بالزواج من امرأة واحدة لضاع كثير من المستعدات للزواج أيضًا بعدم وجود أزواج، فيكون سببًا لضياع الفضيلة، وتفشي الرذيلة والانحطاط الخلقي وضياع القيم الإنسانية، كما هو واضح في النصارى واليهود وغيرهم، ممن لا شريعة لهم لا سيما في كنائسهم ومعابدهم في أوقات مرحهم وأعيادهم المزعومة، فلا ترى إلا كل منكر وفسوق.

ولكن إذا خاف الزوج أن لا يعدل بين أزواجه وجب عليه الاقتصار على زوجة واحدة.

3- يوجد من الرجال من قد منحهم الله سبحانه وتعالى قوة وطاقة في أبدانهم –على غير المعتاد- وسعة في أرزاقهم، وكما أشرنا بداءة:

أن الإسلام لم يأتِ ليقتل شهوة الرجل وغريزته، بل جاء ليوجهها ويسيرها الاتجاه والمسار الصحيح مطابقة لشرع الله عز وجل ولما يوافق حكمته سبحانه وتعالى.

لقد أجاز الله سبحانه وتعالى تعدد الزوجات رحمة منه سبحانه وتعالى لمثل هؤلاء، وتوسعة منه تبارك وتعالى على عباده المؤمنين، وخاصة أن المرأة يأتي عليها وقت تحيض فيه شهريًّا، ووقت تنفس فيه بعد الولادة، فلا يستطيع الزوج مجامعة زوجته آنذاك أو عند مرضها.

وأيضًا حتى لا يكون إرهاقًا للزوجة الواحدة، فيكون تعدد الزوجات آنذاك رحمة للمرأة وتخفيفًا عنها، ولكن كما أوضحنا أنه يُشترط العدل بينهن جميعًا.

4- يوجد من الرجال من هو دائم الترحال والسفر بين دولتين أو أكثر مع طول أو قصر المسافة بينهما من وقت لآخر موافقة لعمله.

فقد يطول سفره أو يقصر، وليس بإمكانيته المحدودة اصطحاب زوجة معه في كل سفر، لا سيما إن كان قد رُزق الأولاد، وفي مراحل تعليمية مختلفة، فكان من رحمة الله سبحانه وتعالى بنا، وبمثل هؤلاء أن أحل لنا تعدد الزوجات؛ صيانةً ومحافظة على الفضيلة، وعدم تفشي الرذيلة والوقوع في المُحرَّم، وخاصة إذا كان العمل والسفر بين دولتين، منتشرًا فيهما الفتن والفواحش والرذائل، كدول الغرب، التي على غير شريعة الإسلام، ولكن ذلك بشرط:

أن لا تطول مدة سفر الزوج وغيابه عن زوجته عن الحد اللائق، كي لا يتسبب ذلك في إيذائها ومعاناتها.

وأن يعدل بينهن جميعًا، رحمة وحكمة من الله سبحانه وتعالى.

5- يوجد كثير من الأزواج الذين تتوفر فيهم الرغبة في كثرة الأولاد والنسل والعشيرة الصالحة مع قوة وطاقة في أبدانهم، وسعة في أرزاقهم،
لا سيما إن كان ذلك نابعًا من الامتثال لما حثنا عليه رسول الله r:

     «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم».

                                                                     [رواه أبو داود مرفوعًا بسند صحيح]

وكما أشرنا سابقًا: أن تكون هذه الكثرة تقية صالحة ممتثلة لأوامر الله سبحانه وتعالى.

فلم يضيق عليهم ربنا تبارك وتعالى بتحجيم هذه الرغبة الحسنة، ولكن شرط:

– القدرة على الإنفاق عليهن، والتربية لهن على أسس من الخير والفضيلة، مستمدة من شرع الله عز وجل، وتقوى الله سبحانه وتعالى وتطبيق شرعه جل وعلا.

– وشرط أن يعدل بين أزواجه جميعًا… إلى غير ذلك.

فكان ما أشرنا من موجز إلى ما أقره الإسلام من مبدأ تعدد الزوجات، شاهدًا على صدق الشرع الذي جاء به رسول الله r من الله سبحانه وتعالى وصدق نبوته ورسالته.

* * * * *

تاسعًا: الامتثال التام من رسول الله r، لأوامر الله سبحانه وتعالى في زواجه، وعدم مفارقته لنسائه رضوان الله عليهن

من الشواهد التي تشهد بنبوته r وصدق رسالته ودعوته

لقد تزوج رسول الله r من إحدى عشرة زوجة عملا برخصة الله سبحانه وتعالى له، ولما اختصه به ربه تبارك وتعالى، فلقد أجاز الله تبارك وتعالى لنبيه أن يُعدِّد من زوجاته وأن يُكثر من زواجه كغيره ممن سبقه من أنبياء الله جل وعلا.

فكان زواج رسول الله r من إحدى عشرة زوجة، خصوصية من خصوصياته، ولكثير من الحِكَم الجليلة العظيمة -أشرنا إلى بعضها- وكبراهين دامغة ودلائل وشواهد حق تشهد بنبوته r وصدق رسالته ودعوته والشرع الذي جاء به، وقد أشرنا إلى جزء من ذلك أيضًا.

لقد كان رسول الله r ممتثلا لأمر الله عز وجل في زواجه من السيدة زينب بنت جحش، من أجل نقض وتحريم عادة التبني المتأصلة في العرب والقضاء على مساوئه ومفاسده.

فكانت أفعال رسول الله r بصفة عامة، والإكثار من زواجه بنسائه وعدم مفارقتهن إلى أن تُوفي r عن تسع منهن، بين الحِلِّ والرخصة من الله تبارك وتعالى كخصوصية له r وبين الأمر منه سبحانه وتعالى وانتهاءً ووقوفًا على حدوده ونواهيه جل وعلا.

فقد نهى الله عز وجل رسوله r عن أن يتزوج بأي امرأة أخرى بعد زواجه من نسائه السابق ذكرهن أو أن يستبدل بهن زوجات أخريات أو بأي منهن، وأنزل قوله تعالى:

﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.

                                                                                       [سورة الأحزاب: 52]

      وكان ذلك جزاءً لهن من الله تبارك وتعالى على حُسن صنيعهن وصبرهن وزهدهن وجميل عشرتهن لرسول الله r واختيارهن لله سبحانه وتعالى ورسوله والدار الآخرة على الدنيا ومتاعها وزينتها.

ثم إن الله سبحانه وتعالى رفع الحرج عن رسول الله r، فنُسخ حكم هذه الآية الكريمة وبقيت تلاوة، وأجاز جل وعلا لرسوله الزواج بعد ذلك، فتكون المنة والفضل من رسول الله r على نسائه لعدم زواجه عليهن أو استبداله r بهن زوجات أخريات، ويكون ذلك شاهدًا بحسن صنيعه r مع أزواجه رضوان الله عليهن، فلم يفارق رسـول الله r أزواجـه أو أيًّا منهن -اللواتي دخل بهن- مع ما كان ينشأ بينهن من غيرة شديدة –كضرائر- ومكائد عظيمة في محاولات من الزوجة للاستئثار والفوز برسول الله r دون غيرها، وبشكل يشق على رسول الهل r ويجهده.

بل إن رسول الله r صبر عليهن ودعاهن وأحسن إليهن فأصلحهن وأنشأهن على الزهد والورع وحسن المودة بينهن؛ طاعة لله تبارك وتعالى.

فكان r خير نموذج يُتأسى ويُقتدى به في زواجه من نسائه وفي كل شيء.

ولذلك فإن رسول الله r لم يكن فاعلا إلا ما يرضي ربه تبارك وتعالى، مجتنبًا كل ما نهى عنه جل وعلا.

فلم يأمر رسول الله r أصحابه بتكليف أو يحثهم ويرغبهم في خير أو فضيلة من شرع الله عز وجل إلا وكان r أسرعهم إليه وأسبقهم فيه، في غير تجاوز لحد أو نهي من حدود الله عز وجل ونواهيه.

وسيرته r الطيبة المحفوظة من الله تبارك وتعالى شاهدة بذلك دالة على نبوته r وصدق رسالته ودعوته والشرع الذي بُعث به.

ونقول: إن زواج رسول الله r من إحدى عشرة زوجة كان بمثابة التقييد والمبالغة في التكليف له r.

حيث إن الله عز وجل كان قد نهى رسوله r عن الزواج من أي زوجة أخرى غيرهن أو أن يستبدل بأي من نسائه أي زوجة أخرى جزاء صبرهن واستجابتهن لرسوله r وحسن عشرتهن له، وذلك قبل أن يرفع الله سبحانه وتعالى الحرج عنه r في أن أحل له الزواج بعد ذلك، ولكن كانت المنة من رسول الله r على أزواجه بأنه لم يأتِ بزوجة أخرى عليهن.

لقد تزوج رسول الله r من إحدى عشرة زوجة، ولكنه r لم يشغله ذلك عن مداومته على العبادة لله سبحانه وتعالى والإكثار منها، ولم يشغله r ما حُبِّب إليه من نسائه عن المبالغة في الدعوة والتبليغ عن ربه تبارك وتعالى، بل زاده ذلك عبادة لربه جل وعلا لدعوته وتربيته r لهن على الزهد والصبر والعبادة والتقوى وكل فضائل الخير، وهدايته r لهن تأييدًا وفضلا من الله تبارك وتعالى.

أما بالنسبة لغير النبي r من أمته:

فإن الزوج قد يجمع بين أربع نساء بشرط أن يعدل بينهن كما أشرنا سابقًا، ويمكن ذلك اقتداءً وتأسيًا برسول الله r عدا الأمور القلبية، فإنه لا يملكها وليس عليه في ذلك حرج.

ولكن، ماذا إن جدَّ حدث ما؛ كوفاتهن جميعًا في حياته؟

الجواب: له أن يتزوج بأربع زوجات أخريات، ولا حرج ولا إثم عليه في ذلك، فيكون إذن مجموع ما قد تزوج من النساء ثمان زوجات إجمالا لما سبق من زواجه.

وماذا إن جدَّ أمر جديد، كأن طلقهن جميعًا لأعذار شرعية، حيث إن تطليقه لأي منهن وفقا لهواه دون عذر شرعي يأثم عليه، فلم يجز الشرع الإسلامي الحكيم له ذلك؟!

الجواب: له أن يتزوج بأربع زوجات أخريات، ولا حرج ولا إثم عليه في ذلك، فيكون إذن مجموع ما قد تزوج به من النساء اثنتي عشرة زوجة، وهو عدد أكبر مما تزوج به رسول الله r من نسائه، لا سيما إن تكرر أي من الحدث أو الأمر السابقين، أو جد حدث آخر مغاير للحدثين السابقين، فإنه يصبح حينئذ قد تزوج بالعدد الكثير من النساء.

أما بالنسبة لرسول الله r: فإن الله عز وجل كان قد نهاه عن أن يزيد على زوجاته بأية زوجة أخرى قبل أن يرفع الله عز وجل عنه r الحرج في ذلك.

فكان رسول الله حينئذ مقيدًا بأن لا يزيد عن العدد الذي تزوج به من نسائه أية زوجة أخرى، قبل أن يرفع الله تبارك وتعالى عنه r الحرج في ذلك التقييد، وفي الوقت ذاته كان من الممكن أن يتزوج أي من المسلمين بعدد من الزوجات أكبر مما تزوج به رسول الله r في الأحوال السابق الإشارة إليها، غير أنه لا يزيد عن الجمع بين أكثر من أربع زوجات في أي حال من الأحوال.

وكان أيضًا زواج رسول الله r من زوجاته مبالغة له في التكليف لما أُمر به من الله عز وجل من أن لا يشغله ما حُبِّب إليه r من نسائه عن المبالغة في العبادة والدعوة إليه جل شأنه.

فكان ذلك كله برهانًا دامغًا على أن زواج رسول الله r من نسائه كان لحِكَم جليلة وعظيمة، وشاهدًا على نبوته r وصدق رسالته والشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى.

* * * * *


عاشرًا: زواج رسول الله r من نسائه كان بمثابة الاختبار

من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين

إن زواج رسول الله r من إحدى عشرة زوجة كان بمثابة تمحيص للمؤمنين، من حيث صدق إيمانهم ويقينهم في الله سبحانه وتعالى وفي صدق نبوته ودعوته r.

وذلك لأن اليهود والمنافقين سرعان ما يثيرون الفتن والشبهات، والأكاذيب والأباطيل كلما أمكن لهم ذلك، في محاولات ومحاولات يائسة، فاشلة؛ لصد الناس عن دين الله عز وجل ودعوة رسوله r، وكي يَرُدُّوا المسلمين عن دينهم، ولكن أنَّى لهم ذلك؟ فالله عز وجل هو الذي قد وعد رسوله بالنصر، فأبطل كيد الكائدين وأطفأ نارهم، فالله سبحانه وتعالى مُتم نوره ولو كره الكافرون.

فالإسلام يحمل في طيه انتشارًا، ويلقى قبولا واسعًا؛ لأنه هو الدين الحق من الله تبارك وتعالى.

      إذن، فالأمر جد خطير، ولهذا فإن هذا الدين الذي جاء به رسول الله r يحتاج إلى رجال مؤمنين، جادِّين صادقين، أهل إيمان وأصحاب يقين، يكونون بمثابة الدعائم التي يرتكز عليها هذا الدين، فينصرونه، ويحملون هم وعبء نشره وتوصيله للعالمين، فلا يسقطون في أي من الفتن والشبهات، والأكاذيب والأباطيل.

فالمؤمنون الصادقون بمثابة الأعمدة الراسخة الصلبة التي يقام عليها هذا الدين فيقوي ويعلو بنيانه.

ولذلك فإن مثل تلك الرائجات التي تُرَوَّج من قِبل المنافقين واليهود كانت بمثابة الاختبار والتمحيص للمؤمنين.

فلا يجتاز ذلك الامتحان إلا صاحب الإيمان الصادق واليقين العالي، الذين هم أهل لنصرة الله عز وجل ونصرة دينه ورسوله r.

وهذا الاختبار الذين نحن بصدده شبيه بامتحان واختبار آخر، هو: حادث تحويل القبلة للمسلمين من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.

حيث كان النبي r والمسلمون يصلون تجاه المسجد الأقصى، ثم تحولوا في قبلتهم إلى بيت الله الحرام؛ امتثالا لقول الله تعالى:

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [سورة البقرة: 144].

وذلك بعدما أن صلى النبي وأصحابه فترة تجاه المسجد الأقصى.

فأثار المنافقون واليهود الفتن حول ذلك الحادث، وقاموا بنشر وترويج الشبه والأكاذيب والأباطيل حـول نبوته ورسـالته وهذا الشرع الذي جاء به r من حيث تشريعه الصلاة تجاه المسجد الأقصى تارة ثم التحول إلى المسجد الحرام بعد ذلك.

ولكن ما كان من المؤمنين الصادقين، أصحاب اليقين في الله سبحانه وتعالى ورسوله r ودعوته إلا الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى.

وقد وصل الأمر في يقين أصحاب رسول الله r وإيمانهم برسالته ودعوته مبلغه، ويشهد لذلك: أنه بعد تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، كان هناك جماعة من المسلمين يصلون في أحد المساجد تجاه بيت المقدس، ولم يكن قد وصل إليهم نبأ تحويل القبلة بعد، فنادى منادٍ بالباب وهم يصلون أن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة.

فتحول الإمام في صلاته هو والرجال والصبيان –الجميع- وهم ركوع تجاه الكعبة بعدما تحركوا واستداروا جميعًا أثناء الصلاة، وأتموا الصلاة على ذلك.

فكان الامتثال التام والاستجابة الفورية وهم في صلاتهم، فلم ينتظروا إلى أن يفرغوا من صلاتهم.

فكان ذلك شاهدًا على صدق الإيمان وعظيم اليقين في رسول الله r ورسالته ودعوته والشرع الذي جاء به r.

وكذلك، فإن إكثار رسول الله r في زواجه وتعدُّدِه من زوجاته كان بمثابة الاختبار من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين من أجل تمحيصهم وتنقيتهم، فلا يثبت في مثل تلك الفتن والشبهات إلا صاحب اليقين وعظيم الإيمان.

وبرهان ذلك: أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ساروا على درب رسول الله r وانتهجوا نهجه في نشرهم لدين الله عز وجل في حياته r وبعد وفاته، إلى أن انتشر هذا الدين العظيم ودعوة رسوله الكريم r في شتى بقاع الأرض.

فلم تمض المائة عام الأولى من بعثة رسول الله r إلا وفتحت البلاد شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.

فكان رسول الله r خير داع، وخير معلم، وخير قدوة وأسوة لأصحابه وللبشرية كافة، وصدق الشاعر إذ يقول:

أغر عليه للنبوة خاتم

من نور يلوح ويشهد

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه

إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجله

فذو العرش محمود وهذا أحمد

فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الصادق الأمين، محمد r الذي جاء بخير شرع ورسالة للعالمين.

* * * * *


سمات شخصية الرسول r كزوج

لقد كان النبي r نعم الزوج، فماأحسن عشرته، وما أشد غيرته، وما ألطفه مع أهله وما أعظم تواضعه في بيته، وما أحلمه على الكبوات، وما أصفحه عن الهنات، وما أكمل رجولته، وما أملكه لإربه، وما أعدله في قسمه، وما أقواه في جسمه، يرأف بهن، ويعالج غيرتهن، ويقدر رغباتهن، ويحترم عواطفهن، ويحسن تأديبهن، ولا يلتمس عثراتهن، ويقبل مشورتهن في عظائم المور، ويبقي وفاؤه لهن غرة في جبين الدهور.([1])

فمهما تكلمنا عن شخصية رسول الله r كزوج فلن نوفيها حقها، فحياته مع أهله هي الشق الثاني من حياته، وهي مدرسة كاملة حوت معاني هائلة.([2])

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما ضرب رسول الله r شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل».

                                       [رواه مسلم بطوله، والبخاري مختصرًا]

وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي r أتى على أزواجه، وسواق يسوق بهن يقال له أنجشة، فقال: «ويحك يا أنجشة رويدًا سوقك بالقوارير».

                                                          [رواه مسلم]

وعن عائشة زوج النبي r قالت: «كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي r فيضع فاه على موضع فِيّ فيشرب» [رواه مسلم].

وعن الأسود قال: سألت عائشة: ما كان النبي يصنع في بيته؟

قالت: «كان يكون في مهنة أهله –تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» [رواه البخاري].

– وعن عائشة رضي الله عنها: قال لي رسول الله r:

«إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية، وإذا كنتِ عليَّ غضبى. قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنتِ عني راضية، فإنكِ تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنتِ غضبى، قلتِ: لا ورب إبراهيم. قالت: قلت: أجل، والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك» [رواه البخاري].

فكان ذلك دليلا على كياسته وفطنته ودقة ملاحظته r وحسن مداعبته.

ولقد كان النبي r عظيم الوفاء، حتى إنه ليحفظ لزوجته خديجة رضي الله عنها قدرها وحسن صنيعها وعشرتها معه؛ حيث كانت أول من آمن به من النساء، مع مؤازرتها له بمالها، ومواساتها له r لما يجده من عبء ومشقة الدعوة، وذلك طوال حياتها، وتكذيب قومه له، فلم يتزوج غيرها في حياتها مع أنها رضي الله عنها كانت قد تزوجت قبله r مرتين، ويزيد عمرها عن النبي r بخمس عشرة سنة، فصارت رضي الله عنها في مرحلة متأخرة من العمر آنذاك وهو r في عنفوان قوته ورجولته.

وأيضًا كان يحفظ r لزوجته خديجة رضي الله عنها قدرها وحسن صنيعها وعشرتها معه بعد وفاتها.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما غرت على أحد من نساء النبي r ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي r يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة» [رواه البخاري].

أي أنه r من شدة وفائه لزوجته خديجة كان يقوم بتوزيع الشاة بعد تقطيعها أعضاء على صدائق زوجته خديجة.

:::::::::::::::::::::::::::::::::

وذكرت كتب التاريخ والسير أن عجوزًا زارت النبي r في بيت عائشة، فأكرم مثواها، وبسط لها رداءه، فأجلسها عليه، فلما انصرفت سألته عائشة عنها؛ لتعلم سبب إكرامه لها، فأخبرها أنها كانت تزور خديجة.

ولقد كان رسول الله r يقبل من نسائه أن يراجعنه فيما لا يرضين به، احترامًا منه r لآرائهن.

وكان r يساعد أهله في خدمة البيت، فكان يخصف نعله ويخيط ثوبه، ويعين الخادم في خدمته.

وكان r نعم القدوة العملية في الملاطفة، فلم يضرب رسول الله r امرأة قط ولا خادمًا، ولا ضرب شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله.

فكان r ألين الناس، وأكرم الناس، وكان رجلا بسَّامًا.

وكان رسول الله r يقسم أوقاته بالعدل بين نسائه جميعًا، فكان r يدور عليهن كل يوم امرأة امرأة إلى أن يصل إلى من أتى دورها فيبيت عندها.

وكان r إذا أراد السفر أقرع بين نسائه –عمل قرعة بينهن- فأيتهن خرج سهمها خرج بها، تحقيقًا لجانب العدل.

ولما قام رسول الله r بأداء فريضة الحج –حجة الوداع- أخذ أزواجه كلهن معه.

ولما مرض رسول الله r مرضه الأخير شق عليه أن ينتقل بين بيوت نسائه كل يوم كما كان يفعل في حال صحته، فكان يسأل –كما روى البخاري-: «أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟» يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه كلهن أن يكون حيث شاء، فاختار بيت عائشة، وفيه تُوفي.

ونقيس على عدله r بالمبيت عدله بالنفقة واللطف والبشاشة والتكريم.

وكان رسول الله r يقف من أزواجه موقف الصلح لما ينشأ بينهن من غيرة –كضرائر- فالمرأة بما جبلت عليه من عاطفة فياضة، وغيرة متقدة، تتأثر دائمًا بأي موقف يثيرها وبأية حادثة تحدث لها.

فقد روى الترمذي:

أن صفية زوجة رسول الله r -وكانت من بني إسرائيل- بلغها أن عائشة وحفصة قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها، فذكرت ذلك للنبي r، فقال:

«ألا قلت: وكيف تكونان خيرًا مني، وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى؟!».

فكان ذلك الموقف جامعًا لحكمته r ومداعبته وإصلاحه بين نسائه.

فكان ما أشرنا إليه غيض من فيض، وغرفة من بحر من سمات شخصية رسول الله r كزوج، وشاهد وبرهان على نبوته r وصدق رسالته ودعوته.

* * * * *

موجز في زواج رسول الله r من نسائه، كل على حدة،

والحكمة والفائدة المستنبطة من زيجة مباركة

لقد جمع رسول الله r بين تسع نسوة في وقت واحد، وذلك بعد وفاة السيدة خديجة والسيدة زينب بنت خزيمة -أم المساكين- كخصوصية من خصوصياته، فلا يجوز لأحد من الأمة أن يقتدى بهذه الخاصية، وذلك بإجماع الفقهاء في كل عصر، هذا بالإضافة إلى خصوصياته الكثيرة التي عددتها كتب السنة، وتكلم عنها الفقهاء والمفسرون، كوصاله r في الصوم، حيث إنه لما واصل الصحابة في صومهم نهاهم رسول الله r عن صوم الوصال –وهو صيام يومين متتابعين دون إفطار بينهما- لما فيه من مشقة عليهم.

إن رسول الله r لم يتزوج بعد وفاة السيدة خديجة إلى أن هاجر إلى المدينة عدا السيدة سودة، ولم يعدد من زوجاته إلا بعد أن ولدت الدولة الإسلامية، وقامت على أرجلها قوية متينة، وبعد أن جاوز r الخمسين من عمره، وكان لهذا التعدد الذي اختصه به ربنا تبارك وتعالى أغراض إصلاحية وتشريعية.

1- السيدة خديجة رضي الله عنها:

لقد تزوج رسول الله r بالسيدة خديجة وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة، وكانت رضي الله عنها ثيبًا -قد تزوجت قبله r مرتين- وكانت في الأربعين من عمرها، فعاشت معه r خمس عشرة سنة قبل البعثة، وتوفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان عمرها يومئذ خمسًا وستين سنة، فقضى رسول الله r معها زهرة شبابه، وعنفوان رجولته، وكان له r منها الأولاد، ولم يتزوج r غيرها إلى أن توفاها الله سبحانه وتعالى.

وقد كان من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يُقدِّر لرسول الله r زواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها حيث:

كان زواج رسول الله r من السيدة خديجة زواجًا مباركًا، فكانت رضي الله عنها أول من آمن به r وبدعوته من النساء إذ كفر به الناس آنذاك، فصدقته لما كذبه الناس، وقامت بمواساته r، وآزرته بمالها إذ حرمه الناس آنذاك، فكانت السيدة خديجة رضي الله عنها نعم الزوجة لرسول الله r، فلم يُفضل أحدًا عليها.

فقد قامت السيدة خديجة بدور عظيم، في نصرة رسول الله r، وساهمت مساهمة إيجابية فعّالة في نصرة دعوته ورسالته r.

2- السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها:

كانت أول امرأة تزوجها رسول الله r بعد وفاة زوجته خديجة، وكان قد توفي عن السيدة سودة زوجها، الذي هو ابن عمها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية.

فكان من حكمة رسول الله r: أن يختارها زوجة له؛ لأنها لو عادت إلى أهلها في مكة بعدموت زوجها لأكرهوها على الشرك والكفر بالفتنة والعذاب، فاختار النبي r كفالتها، وكان الزواج منها قبل العام الذي هاجر فيه إلى المدينة بثلاثة أعوام.

3- السيدة عائشة رضي الله عنها بنت أبي بكر الصديق:

كانت رضي الله عنها أحب زوجة إلى النبي r بعد السيدة خديجة رضي الله عنها، ولم يتزوج رسول الله r بكرًا غيرها، وكان ذلك بعد زواجه r من السيدة سودة بسنة، وقبل الهجرة بسنتين وخمسة أشهر، ولكنه r لم يبنِ ولم يدخل بها إلا بعد الهجرة بسبعة أشهر بعد أن اكتمل نموها وصارت أهلا لأن تتزوج.

وكانت رضي الله عنها تتميز بفصاحة لسانها، وبلاغة كلامها، وقوة حجتها، وعلمها وفقهها وقوة حفظها، وشدة ذكائها وإلى جانب هذا كانت رضي الله عنها عالمة بالشعر والأدب وأخبار العرب الماضية والأنساب، ولقد شهد رجال العلم والمعرفة بعلم السيدة عائشة رضي الله عنها وذكائها.

يقول الإمام الزهري: لو جمع علم عائشـة إلى علم جميـع أزواج النبي r وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل ([1]).

وروي عـن هشـام بن عـروة بـن الزبيـر، عن أبيـه عـروة –وهو ابن أخت عائشة- أنه قال:

[لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحدًا قط كان أعلم بآية نزلت، ولا بفريضة، ولا بُسنة ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا نسب، ولا بكذا ولا بكذا… ولا بقضاء ولا بطب منها] ([2]).

فكان زواج رسول الله r من السيدة عائشة رضي الله عنها وهي في سن مبكرة -ولكن بعد اكتمال نموها عقلا وجسدًا لا سيما البيئة الصحراوية الحارة- زواجًا مباركًا مع وجود تفاوت بالعمر بينهما، ولكنه لم يكن ليشكل خطرًا على هذا الزواج، فرسول الله r هو مُرَبٍّ الإنسانية ومعلم البشرية، وما كان منه r إلا أن أحسن سياستها وتربيتها مع حسن عشرته r معها، فالسيرة الزوجية لرسول الله r معها ومع سائر زوجاته أمهات المؤمنين خير شاهد وبرهان على ذلك.

وكان من حكمة رسول الله r في زواجه بالسيدة عائشة رضي الله عنها: توثيق روابط الصحبة بينه r وبين أحب الناس إليه وأعزهم عليه ورفيقه في الهجرة أبي بكر الصديق وتكريمًا له حيـث كان أول من آمن برسول الله r، وصدق بدعوته وبكل ما جاء به r، ولهذا سُمِّي الصديق.

فكان زواج رسول الله r بالسيدة عائشة بمثابة تقوية الصلة بينه r وبين أحد كبار الصحابة، بل وأرفعهم منزلة وقدرًا، الذين هم بمثابة أركان الدولة الإسلامية وأعمدتها، وبذلك يقوي بنيان دولة الإسلام.

ومن الفوائد العظيمة في هذا الزواج المبارك:

أن أبرز ما برزت فيه السيدة عائشة رضي الله عنها هو: روايتها للحديث عن رسول الله r، فقد اعتمد علماء الحديث على كثير مما نُقل عنها؛ لأنها كانت صادقة فيما تنقل، فهي الصديقة بنت الصديق، عالمة بأحكام الشريعة.

وقد بلغ عدد الأحاديث التي روتها السيدة عائشة عن رسول الله r 2210 حديثا.

ويقول الإمام الزركشي:

«إن ربع الأحكام الفقهية منقول عنها»، فكانت رضي الله عنها فقيهة، بل كانت من أفقه الناس، وكانت تُفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وكانوا يسألونها عن أشياء كثيرة إلى أن توفاها الله سبحانه وتعالى عام 58 هجرية.

فكان زواج رسول الله r من السيدة عائشة له الأثر الأكبر من الناحية العلمية، مصداقًا لقوله r ونبوءته بوحي من الله تبارك وتعالى وإشارته r إلى فضلها على أمته من بعده.

فكـان ذلك شـاهدًا وبرهـانًا على نبوته r وصدق دعوته، حيث إنه r قد تحققت نبوءته.

4- السيدة حفصة رضي الله عنها بنت عمر بن الخطاب:

كانت رضي الله عنها متزوجة بخنيس بن حذافة السهمي، وكان من المهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة، وممن شهد بدرًا، وتوفي في المدينة متأثرًا بجراحه بعد موقعة أحد، فرأى عمر رضي الله عنها أن يُزوجها، فعرض زواجها على أبي بكر الصديق فسكت، فعرض زواجها على عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد وفاة زوجته رقية بنت رسول الله r فقال: ما أريد أن أتزوج اليوم، حيث كان يرجو أن يزوجه النبي r بنته أم كلثوم، وكان قد ساء عمر رضي الله عنه ما كان من أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، وهما الكفئان الكريمان لابنته، فذكر ذلك لرسول الله r، ثم تزوجها النبي r سنة ثلاث من الهجرة على القول الراجح.

وكانت السيدة حفصة رضي الله عنها صوَّامة، قوَّامة لله تبارك وتعالى.

– فكان من حكمة رسول الله r زواجه بالسيدة حفصة:

توثيق روابط الصحبة بينه r وبين أحد كبار الصحابة، ومكافئة وتكريمًا له لصدقه وإخلاصه وعظيم جهاده في سبيل نصرة دين الله عز وجل، وبذلك تقوى أركان وأعمدة دولة الإسلام، ويقوى بنيانه.

وكان من الفوائد العظيمة لهذا الزواج المبارك:

أنها رضي الله عنها اختيرت لتحفظ النسخة الخطية للقرآن الكريم، حيث تم جمع المصحف الكريم وإيداعه عند أم المؤمنين “حفصة رضي الله عنها بنت عمر”.

5- السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها:

كانت تُلقب بأم المساكين؛ لرحمتها إياهم، ورفقها بهم.

وكانت رضي الله عنها قد تزوجت من عبد الله بن جحش، فاستشهد في غزوة أحد، وذلك قبل زواجها من النبي r في سنة 4 هجرية، ثم توفيت رضي الله عنها بعد زواجها من النبي r بشهرين أو ثلاثة أشهر.

وكان من حكمة رسول الله r في هذا الزواج المبارك:

الشفقة والعطف على هذه الزوجة الرحيمة بالفقراء والمساكين والبارة باليتامى والمحتاجين، والتي قد ترملت بعد استشهاد زوجها في غزوة أحد، فنالت رضي الله عنها بذلك شرف الزواج بالنبي r وأمومة المؤمنين.

6- السيدة أم سلمة رضي الله عنها هند بنت أبي أمية:

كانت رضي الله عنها قبل زواجها من النبي r قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، ثم توفي زوجها –أبو سلمة- بعد غزوة أحد، فصارت بذلك أرملة، وأم أيتام –سلمة وعمر   وزينب- وكانت أكبر سنًّا من رسول الله r، ثم تزوجها رسول الله r في سنة 4 هجرية.

وكانت من حكمة هذا الزواج المبارك لرسول الله r بأم سلمة: حرصه r على رعاية الأيتام وكفالة الأرامل وتعزية المصابين.

7- السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها:

كانت رضي الله عنها قد زوَّجـها رسـول الله r لمولاه ومُتبنَّاه زيد بن حارثة؛ حيث إن النبي r كان قد أعتقه وتبناه قبل مجيء الإسلام، ثم طلقها زيد بن حارثة لصعوبة التعايش بينهما، بسبب التفاوت في المكانة، والاختلاف في النسب، حيث كان زيد يذهب إلى النبي r شاكيًا منها ويستأذنه في طلاقها، فيقول له النبي r: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾.

                                                  [سورة الأحزاب: 37]

وهو r يعلم أن زيد سوف يطلقها، ثم يأمره الله عز وجل بزواجها لإبطال عادة التبني، وذلك بوحي من الله سبحانه وتعالى، ولكنه r لم يكن يظهر هذا لزيد ولا لغيره من الناس، إلى أن حدث طلاقها بمحض اختيار وإرادة من زيد بن حارثة.

ثم أمر الله عز وجل نبيه r بالزواج من السيدة زينب بنت جحش، إبطالا لعادة التبني، بأن تزوج رسول الله r بامرأة ابنه المُتبنَّى بعد مفارقته لها، وكان ذلك سنة 5 هجرية.

وكانت الحكمة من هذا الزواج المبارك لرسول الله r والفائدة المستنبطة منه:

إبطال وهدم عادة التبني والقضاء على مساوئه والتي كانت متأصلة عند العرب، فكان هذا الزواج المبارك لغرض تشريعي، وغاية اجتماعية عظيمة.

8- السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها:

كان أبوها الحارث سيد قومه، وكانت رضي الله عنها قد أُسرت مع قومها في غزوة بني المصطلق، فِأصابها البلاء، ثم وقعت في السهم
لثابت بن قيس، أي كانت من نصيبه بعد وقوعها في الأسر، فكاتبته على نفسها –أي أن تشتري نفسها منه بمال تدفعه له بعد وقوعها في الأسر، فجاءت لرسول الله r تستعين به على ذلك الأمر، فعرض عليها
رسول الله r أن يقضي عنها كتابتها ثم يتزوجها، فوافقت عن قبول وفرحة ورضى، فقضى عنها رسول الله r كتابتها ثم تزوجها سنة 6 هجرية.

ثم كانت نتائج هذا الزواج المبارك كحكمة له وفوائد عظيمة منه:

أن أقبل الناس وبأيديهم أسرى قومها، فأرسلوهم أحرارًا وهم يقولون: أصهار رسول الله، فما كانت امرأة أعظم على قومها بركة منها، حيث أعتق المسلمون بزواجها من رسول الله r جميع الأسرى والسبايا، ودخل الجميع في الإسلام وهم راضون راغبون، وجاء أبوها، فصاح بصوت جهير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأصدقها النبي r أربعمائة درهم.

9- السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها:

كانت رضي الله عنها قد أسلمت مع زوجها بمكة وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم حدث أن ارتد زوجها هنالك وفارقها، فأرسل النبي r إلى النجاشي ملك الحبشة –حيث كان عادلا- فأسلم، فخطبها له، وأصدقها عنه r أربعمائة دينار مع هدايا نفيسة إكرامًا لرسول الله r، ولما عادت السيدة أم حبيبة إلى المدينة، بنى بها رسول الله r وتزوجها، وكان ذلك في سنة 7 هجرية.

ولما بلغ أبا سفيان الخبر –وكان آنذاك من زعماء المشركين- أثنى عليه، وكانت هذه المصاهرة فيما بعد من العوامل الأساسية التي دفعت
أبا سفيان إلى الدخول في الإسلام في العام التالي، عام الفتح.

       فكان من حكمة زواج رسول الله r بالسيدة أم حبيبة رضي الله عنها:

أن يكافئها r على صبرها وتمسكها بدينها بدءًا بهجرتها فرارًا من اضطهاد المشركين، وكان أبوها لا يزال مشركًا، إلى أن ارتد زوجها ومحاولته في أن يردها عن دينها.

وأن يعزيها r في ما أحل ونزل بها، بعد أن صارت وحيدة غريبة مع ابنتها الصغيرة حبيبة.

وكان من الفوائد العظيمة لهذا الزواج المبارك:

أن هذه المصاهرة كانت من العوامل الأساسية التي شرحت صدر
أبا سفيان للدخول في الإسلام في عام الفتح.


10- السيدة صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها:

كانت رضي الله عنها من بني إسرائيل، من يهود بني النضير، وأُسِرَتْ بعد قتل زوجها في غزوة خيبر، وكانت رضي الله عنها سيدة قومها، فأعتقها رسول الله r، وكان ذلك بمثابة تشجيع للناس على إعتاق الرقيق، وكان قد قام r بتخييرها بين أن يعتقها وتكون زوجة له أو يلحقها بأهلها، فاختارت رضي الله عنها أن تكون زوجة لرسول الله r، وذلك بعد أن آمنت به، وتزوجها النبي r في سنة 7 هجرية.

فكان من حكمة رسول الله r في هذا الزواج المبارك، والفوائد العظيمة منه:

أ – تشجيع الناس على إعتاق الرقيق.

ب- دعوة اليهود على اعتناق الإسلام، أو على الأقل: التخفيف من عدواتهم للإسلام.

11- السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها:

لقد كانت رضي الله عنها أرملة في السادسة والعشرين من عمرها، بعد أن مات عنها زوجها، وكانت تتمنى وترغب في أن تكون زوجة للنبي r، وقد عرض العباس بن عبد المطلب على رسول الله r أن يتزوج منها، فاستجاب المصطفى r، وأصدقها أربعمائة درهم، وكان زواجه r منها في سنة 7 هجرية، وكانت رضي الله عنها كما تقول السيدة عائشة:

«أما أنها كانت –والله- من أتقانا لله، وأوصلنا للرحم».

فكان من حكمة رسول الله r في هذا الزواج المبارك:

أن يقوم بكفالتها ومواساتها بعد أن صارت أرملة في مقتبل عمرها.

ومن الفوائد العظيمة لهذا الزواج المبارك:

أنها رضي الله عنها قد روت ستة وأربعون حديثًا عن رسول الله r.

وكان رسول الله r قد تسرى باثنتين حيث كانتا مِلْكَا يمينه، إحداهما مارية القبطية وكانت نصرانية، أهداها إليه المقوقس، وكان له r منها  ابنه إبراهيم، فما لبث إلا أن توفاه الله سبحانه وتعالى صغيرًا بالمدينة في حياته r.

والثانية: ريحانة بنت زيد القرظية وهي يهودية، فكانت من سبايا قريظة.

وكلتاهما أسلمتا وآمنتا برسول الله r.

ومما ذكرنا نجد: أن زوجات رسول الله r لم يكن من جنس واحد، ففيهن العربيات وغير العربيات مثل السيدة صفية، حيث كانت من بني إسرائيل.

ولم يكن من دين واحد قبل أن يسلمن، فكان منهن غير المسلمات من الديانات الأخرى، وذلك قبل أن يؤمن برسول الله r، فكانت السيدة صفية بنت حيي يهودية، وكانت مارية مِلك يمينه r، وهي قبطية نصرانية، وكانت ريحانة بنت زيد مِلك يمينه r وكانت يهودية، ثم أسلمن جميعًا وآمنَّ بنبوة رسول الله r.

فهؤلاء هن زوجات رسول الله r على اختلاف أجناسهن وأديانهن، فقد جمع r في عصمته من قومه ومن غير قومه، كما جمع بين المسلمة والنصرانية واليهودية، وجمع بين البكر والثيب، والفقيرة وابنة رئيس العشيرة، وكان هذا كله من حسن سياسته وعظيم حكمته r في تآلف القوم، ومحو الفوارق العنصرية، شاهدًا بتأييد ونصر الله سبحانه وتعالى لهذا النبي الخاتم، فيكون برهانًا وشاهدًا من براهين وشواهد النبوة والرسالة.

ويمكن تقسيم حياة رسول الله r الزوجية إلى أربع مراحل:

\\\\\\\\\\\\

1- المرحلة الأولى: حياة رسول الله r إلى أن كان في الخامسة والعشرين من عمره، وكان لا يزال عزبًا، يحيا بحياة هادئة تمتاز بالطهر والعفاف.

2-  المرحلة الثانية: حياة الرسول r من الخامسة والعشرين إلى الخمسين من عمره، وكان في هذه الفترة سعيدًا مع زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها، ولم يتزوج من غيرها إلا بعد وفاتها.

3- حياة الرسول r من الخمسين إلى الستين، حيث تزوج r بنسائه، وعدَّد من زوجاته لأسباب اجتماعية وسياسية وإنسانية ولحِكَم جليلة وفوائد عظيمة كما أشرنا.

4- حياة الرسول r من الستين من عمره إلى وفاته r بعد أن تم ثلاث وستين سنة وزاد أربعة ايام.

وفي هذه المرحلة لم يتزوج رسول الله r خلالها تنفيذًا لأمر
الله عز وجل في قوله:

﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [سورة الأحزاب: 52].

ولكنه r لم يتزوج بأي زوجة أخرى تكريمًا لنسائه اللواتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة على متاع الحياة الدنيا وزينتها، وذلك بعد أن خيرهن رسول الله r وذلك لما نزلت آية التخيير، وهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

    [سورة الأحزاب آية: 28، 29]

فكانت المنَّة بذلك من رسول الله r على نسائه بعدم زواجه من أي زوجة أخرى بعد أن رفع عنه الحرج في ذلك.

وبذلك يتضح لنا أن زواج رسول الله r من نسائه وإكثاره في تعدد زوجاته كان لحِكَم جليلة وفوائد عظيمة -كما أشرنا-، وأن الجمع بينهن في وقت واحد مع اختلاف أجناسهم وأديانهم وتربيتهن وحسن التعايش معهن، إنما هو من شواهد وبراهين النبوة والرسالة له r.

* * * * *

ومضات مضيئات تشهد لرسول الله r

حجة الوداع وما بها من كرامات ووصية r بالنساء

1- حجة الوداع لرسول الله r:

لقد تمت أعمال الدعوة وإبلاغ الرسالة، وبناء مجتمع جديد على أساس إثبات الألوهية لله سبحانه وتعالى ونفيها عن غيره، على أساس رسالة محمد r.

فلما تكاملت الدعوة وسيطر الإسلام، أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره r وتتضح بعباراته وأفعاله منها:

        1- أنه r اعتكف في رمضان من السنة العاشرة هجريًّا عشرين يومًا، بينما كان لا يعتكف r إلا عشرة أيام فحسب.

2- أن جبريل عليه السلام دارس رسول الله r القرآن مرتين، بينما كان جبريل عليه السلام في الأعوام السابقة يُدارس رسول الله r القرآن مرة واحدة، وكان ذلك في شهر رمضان، فهو الشهر المبارك الذي أُنزل فيه القرآن الكريم على رسول الله r عن طريق جبريل عليه السلام.

3- أنه r عندما بعث معاذًا إلى اليمن قال له فيما قال:

«يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ جشعًا لفراق رسول الله r، ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: إن أولى الناس بي المتقون: من كانوا وحيث كانوا»                                            [رواه الإمام أحمد، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني].

4- قوله r في حجة الوداع: «لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا» [صحيح، صححه الألباني في فقه السيرة للغزالي].

5- قوله r وهو يرمي جمرة العقبة: «خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا» [صحيح: رواه النسائي وغيره].

6- أنه r أُنزلت عليه سورة النصر:

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر].

وكان ذلك في أواسط أيام التشريق في حجته r المباركة.

فعُرف بذلك أنه الوداع لرسول الله r، وأنه r قد نُعيت إليه نفسه.

وفي ذلك كله ومضات مبهرات شاهدات لرسول الله r، يلحظها كل لبيب، حاذق، عاقل، جاد في سعيه للوصول إلى الحق، تعلمنا وتخبرنا بمصداقية أقوال رسول الله r الذي لا ينطق عن هواه، بل عن وحي من
ربه تبارك وتعالى، فيأتي صدق ما أشار إليه r -حيث أشار r إلى وفاته- إشارة ضمنية رقيقة وأشارت إليه أفعاله من توديعه r للحياة والأحياء.

لقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يُرى رسوله r ثمار دعوته، التي عانى في سبيلها ألوانًا من المتاعب بضعًا وعشرين عامًا، فيجتمع في أطراف مكة بأفراد قبائل العرب وممثليها، فيأخذوا منه r شرائع الدين وأحكامه،
ويأخذ r الشهادة على أنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة.

ولقد أعلن رسول الله r بقصده لهذه الحجة المبرورة المشهودة –حجة الوداع- وهي حجة الإسلام، فلم يحج رسول الله r غيرها.

فقدم بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله r، واجتمع في هذه الحجة المبرورة حول رسول الله r مائة ألف وأربع وعشرون أو مائة ألف وأربع وأربعون ألفًا من الناس.

ولك أن تتصور ثمار دعوة رسول الله r وصدقها بمقارنته r في هذا اليوم وحوله مائة ألف وأربع وعشرون أو وأربع وأربعون ألفًا من المسلمين، ينادون ربًّا واحدًا ويعبدون إلهًا واحدًا، جاءوا من بقاع شتى، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله r، ومقارنته r يوم أن خرج رسول الله r مهاجرًا من بيته ووطنه، بعد أن عزم كفار قريش على قتله r.

فها هو رسول الله r يعود معلنًا ورافعًا راية التوحيد على خير بقاع الأرض وأحب بلاد الله إلى الله سبحانه وتعالى –مكة  المكرمة- مُقيمًا للدولة الإسلامية العظيمة على أساس من التوحيد الخالص لله جل وعلا، والخضوع لسلطانه ونفوذه جل وعلا، جانيًا ثمار دعوته r في مدة قصيرة كفترة مُلك أو رئاسة لأي من ملك أو رئيس، لا تتجاوز الثلاث وعشرين عامًا، شاهدة بتأييد ونصر الله عز وجل لرسوله r ودالة على صدق نبوته والشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى.

* * * * *
2- من كرامات هذه الحجة المبرورة لرسول الله r -حجة الوداع-

1- أنها وافقت يومًا يوم الجمعة، وهو خير الأيام عند
الله تبارك وتعالى حيث إن يوم عرفة في حجة رسول الله r كان يوم الجمعة، وكلاهما للمسلمين عيد.

وفي يوم عرفة تتنزل الرحمات من الله تبارك وتعالى على عباده المؤمنين.

وفي يوم عرفة الذي كان موافقًا يوم الجمعة، أُنزل على رسول الله r قول الله تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: 3].

2- أن حجة رسـول الله r جاءت بعدمـا تطهر بيت الله الحرام -الكعبة المشرفة- من دنس الأصنام والأوثان، والتي كان العرب يعبدونها، فقد كان حول البيت –الكعبة المشرفة- وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا.

فكانت هذه الحجة المبرورة لرسول الله r بعدما بعث r أبا بكر رضي الله عنه أميرًا على الحج عام 9 هجريًّا، في العام السابق للعام الذي حج فيه رسول الله r ليقيم بالمسلمين مناسك الحج.

فبعث أبو بكر رضي الله عنه استجابة لرسول الله r رجالا ينادون في الناس: ألا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.

فكان هذا النداء بمثابة إعلان لإنهاء الوثنية في جزيرة العرب، وأنها لا تبدئ ولا تعيد بعد هذا العام.

ثم جاءت حجة رسول الله r بعد ذلك كرامة من الله سبحانه وتعالى لنبيه، وشاهدة برسالته وصدق دعوته r.

3- خطبة رسول الله r في يوم عرفة ووصيته بالنساء

وهي ما نلقي عليها الضوء بشدة؛ لأن بها ما يخص موضوعنا.

وأيضا كل ما ذكرناه وأشرنا إليه فهو يتعلق بموضوعنا من حيث دلالته على نبوة المصطفىr، ومن ثم صدقه وحكمة الشرع الذي جاء به r.

لقد كانت خطبة رسول الله r في يوم عرفة شاملة لكل معاني الخير والفضيلة، وهادية إلى الرشد والصواب، فكان مما تضمنته خطبته r:

«فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فُرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله»                                                                                        [صحيح مسلم].

ففي هذا الموقف المبارك –الوقوف بعرفة- أوصى رسول الله r بالنساء خيرًا، ورفع من قدرهن -فلم يغفل عنهن- بعدما كانت المرأة مُهانة، مُحتقرة، لا تورَّث، قبل بعثته r.

فلقد كان رسول الله r دومًا يوصي بهن خيرًا، وكثيرًا ما كان ذلك، حيث كان ذلك من مقتضى الشرع الحكيم الذي جاء به رسول الله r من ربه تبارك وتعالى.

فكان r دائمًا يوصي بالنساء خيرًا إلى أن توفاه الله عز وجل، ولحق بالرفيق الأعلى، فلقد أوصى رسول الله r الناس عند وفاته قائلا:

«الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم» وكرر ذلك مرارًا.

                                                                                  [رواه البخاري]

فجمع r بين وصيته بالصلاة والتي هي أسمى العبادات وبين وصيته بالمرأة؛ لحرصه r عليها وعلى تكريمها.

– فلم تُكرم المرأة قط كما أكرمت في شريعة الإسلام التي جاء بها محمد r.

فحفظ للمرِأة جميع حقوقها، وأكرمها خير تكريم.

وهذا كله خير شاهد على نبوة المصطفى r وصدق دعوته ورسالته والشرع الذي جاء به وشموليته.

* * * * *

قول الله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾

                                                                                    [سورة الأحقاف: 9]

إن هذه الآية الكريمة تشير إلى:

أن رسول الله r ما كان على غير سنن مَنْ تقدمه من الرسل، ولم يكن مبتدعًا مِن تلقاء نفسه ما يدعو إليه وما يفعله.

بل يتبع كل ما يوحى إليه، فكل ما يفعله رسول الله r هو في ضوء الشرع الذي جاء به من ربه تبارك وتعالى، ونلحظ ذلك في:

أ- أصل دعوته:

إن رسول الله r ليس بأول رسول يرسله الله عز وجل إلى الأمم حتى تُستنكر وتُستبعد دعوته وبعثته.

بل إن الله جل وعلا قد أرسل قبله آلاف الأنبياء إلى الأمم السابقة، وما ذلك إلا لدعوة الناس إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده، وإفراده بالألوهية، أي أنه سبحانه وتعالى متفرد بالعبادة وحده، فلا شريك
ولا نِدَّ له جل وعلا، ومن ثَمَّ يستلزم علينا الخضوع لقهره وسلطانه سبحانه وتعالى، والشرع الذي أرسل به أنبياءه، وإفراده جل وعلا بالربوبية، أي أن
الله عز وجل هو الخالق والرازق، المدبر لكل شيء والقائم عليه… إلى غير ذلك.

فإن الدين عند الله الإسلام، ويعني الاستسلام والخضوع لله جل وعلا، وما أُرسل الأنبياء إلا بالإسلام، وإن اختلفت الشرائع التي جاءوا بها من قِبَل  الله تبارك وتعالى.

ولقد كان العرب يعترفون ويقرون بتوحيد الربوبية لله تبارك وتعالى، غير أنهم لا يقرون بتوحيد ألوهيته سبحانه وتعالى، حيث يشركون معه سبحانه وتعالى غيره من أصنام وحجارة.

ولقد أنكر العرب دعوة رسول الله r بتوحيد ألوهية
الله سبحانه وتعالى، ومن ثم دعوته ونبوته لعلمهم بتبعات هذه الدعوة من ضياع سلطانهم ونفوذهم وخضوعهم لأوامر الله سبحانه وتعالى، وخضوعهم لأوامر رسوله r.

ولذلك: فإن رسول الله r لم يكن على غير سنن مَن تقدمه مِن الرسل، ولم يكن مبتدعًا من تلقاء نفسه ما يدعو إليه.

ب- امتثاله r لأوامر الله سبحانه وتعالى:

فكما أشرنا إلى أن رسول الله r لم يكن على غير سنن مَن تقدمه مِن الرسل، وأنه r لم يكن مبتدعًا من تلقاء نفسه ما يدعو إليه، فإن
رسول الله r لم يكن مبتدعًا من تلقاء نفسه ما يفعله.

فقد كان زواج رسول الله r من السيدة زينب بنت جحش بن رباب من بني أسد وهي ابنة عمة رسول الله r، وكانت تحت زيد بن حارثة –الذي كان يعتبر ابنًا لرسول الله r من التبني- بأمر من الله سبحانه وتعالى بعدما طلقها زيد بن حارثة لمشقة التعايش بينهما، حيث أنزل الله جل وعلا يخاطب رسوله r: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾.

                                                                           [سورة الأحزاب: 37]

وكان زواج رسول الله r من السيدة زينب بنت جحش في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، وكان هذا الزواج المبارك لرسول الله r الذي به حُرِّم التبني وقُضيَ على مساوئه ومفاسده كما أشرنا سابقًا بعد:

1- زواج رسول الله r من السيدة خديجة رضي الله عنها، وكانت في الأربعين من عمرها، ورسول الله r في خمس وعشرين من عمره، وهي أول من تزوجها من النساء، وكان له r منها الأبناء والبنات.

2- وبعد زواجه r من السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها، وكان ذلك في شوال سنة عشر من النبوة، بعد وفاة زوجته خديجة، وكانت قبله متزوجة من ابن عم لها.

3- وبعد زواجه r من السيدة عائشة رضي الله عنها، بنت أبي بكر الصديق، وكان ذلك في شوال سنة إحدى عشر من النبوة وقبل الهجرة بسنتين وخمسة أشهر، وكانت رضي الله عنها بكرًا، ولم يتزوج بكرًا غيرها.

4- وبعد زواجه r من السيدة حفصة رضي الله عنها، بنت عمر بن الخطاب، وكان ذلك في سنة 3 هجرية، بعدما تأيمت رضي الله عنها من زوجها.

5- وبعد زواجه r من السيدة زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، وكان ذلك في سنة 4 هجرية، بعد استشهاد زوجها في غزوة أحد، وكانت تُسمَّى بأم المساكين لرحمتها إياهم ورقتها عليهم، ثم ماتت بعد الزواج بشهرين أو ثلاثة أشهر.

6- وبعد زواجه r من السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها، وكان ذلك في شوال من سنة 4 هجرية بعدما توفي عنها زوجها.

وبذلك تعتبر السيدة زينب بنت جحش بمثابة الزوجة الخامسة
لرسول الله r؛ لأن زواجها من رسول الله r كان بعد وفاة السيدة خديجة والسيدة زينب بنت خزيمة –أم المساكين- رضي الله عنها.

– ثم تزوج رسول الله r بعد زواجه من السـيدة زينب الأسـدية –من بني أسد-:

1- السيدة جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، وكان الحارث سيد بني المصطلق من خزاعة، وكان ذلك في شعبان سنة 6 هجرية، بعد كتابتها، حيث كانت في سبي بني المصطلق، فقضى رسول الله r كتابتها.

2- ثم تزوج رسول الله r من السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها، وكان ذلك في محرم سنة 7 هجرية، بعدما هاجرت مع زوجها إلى الحبشة فارتد وتوفي هناك، فثبتت هي رضي الله  عنها على دينها.

3- ثم تزوج r من السيدة صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها، من بني إسرائيل بعد إسلامها، وكانت رضي الله عنها من سبي خيبر، فأعتقها رسول الله r، وتزوجها بعد فتح خيبر سنة 7 هجرية.

4- ثم تزوج r من السيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها، وكان ذلك في ذي القعدة سنة 7 هجرية.

فكن أولئك إحدى عشرة سيدة، تزوج بهن رسول الله r، وبنى بهن، وتوفيت منهن اثنتان –السيدة خديجة رضي الله عنها والسيدة زينب أم المساكين رضي الله عنها- في حياته، وتوفي هو r عن
التسع الباقيات رضي الله عنهن.

وكانت هناك اثنتان كان قد عقد عليهما رسول الله r، ولكنه لم يبن بهما.

وأما السراري فقد تسرى رسول الله r باثنتين، إحداهما مارية القبطية، أهداها إليه المقوقس، والثانية هي ريحانة بنت زيد، كانت من سبايا قريظة.

فكان زواج رسول الله r من السيدة زينب بنت جحش هو ما أثير حوله من دعاوى كاذبة من المنافقين –من أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر- من حيث إنه r:

1- قد تزوج من زوجة ابنه زيد –من التبني- بعد تطليقه لها.

2- أنه r لم يجز للمسلمين بأن يزيدوا في إمساكهم على أربع زوجات، وقد تعرضنا لذلك في النقاط السابقة.

ولكن ما نود أن نشير إليه:

أنه مع علم رسول الله r بما سوف يُثار حول هذا الزواج من المنافقين والحاقدين ما كان منه r غير الامتثال لهذا الأمر والتزويج الإلهي لحِكَم عظيمة وجليلة يعلمها ربنا تبارك وتعالى.

فرسول الله r لم يكن منه سوى فعل ما هو في ضوء ما أحله وما أمره الله تبارك وتعالى به، واجتناب ما نهى جل وعلا عنه، وسيرته r العطرة الطيبة من أقواله وأفعاله r ومما أقره ووافق عليه ولم يعترضه، والتي حفظها ربنا تبارك وتعالى خير شاهد على ذلك كله.

فلم تُحفظ سيرةٌ لنبي من أنبياء الله جل وعلا كما حُفظت سيرة رسوله محمد r قبل البعثة وبعدها، فتكون سيرته r كتابًا مفتوحًا لمن أراد أن يتعرف عليه r وعلى صدق دعوته فتكون شاهدًا بنبوته ورسالته r وأنه r ما كان ليفتري على الله تعالى كذبًا.

وليس هذا فحسب، بل إن سيرة أصحابه الكرام ومن بعدهم التابعين، وتابعي التابعين، ومن جاء بعدهم، والذين رُويَ عن الثقات منهم -من التابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم، أما أصحاب رسول الله r فإنهم كلهم ثقات– أحاديث رسول الله r وأفعاله، وإقراراته بسند صحيح، وهو ما يُعرف بعلم الحديث، وهو علم اختُصَّت به أمة رسول الله r عن سائر الأمم فضلا من ربها، وذلك: لأن الرسول r هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده إلى يوم الدين، فكانت الخصوصية لأمته r، أن تكون أُمَّة داعية، مُبلِّغة كلام ربها تبارك وتعالى، وأحايث رسولها r إلى من بعدها من الأجيال اللاحقة مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران: 104].

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [سورة آل عمران: 110].

فكان من حكمة الله سبحانه وتعالى أن يحفظ أحاديث رسول الله r وأفعاله وإقراراته مثلما حفظ كتابه العظيم –القرآن الكريم- والذي يُمثل المعجزة الكبرى لرسول الله r والمعجزة الباقية، والذي تحدى العالمين في أن يأتوا ولو بسورة واحدة من مثله، وكان من التحدي والإعجاز، أن أخبر القرآن الكريم بغيبيات ماضية وحاضرة ومستقبلية وحقائق علمية، لم يكن لأحد أدنى معرفة بها، ثم يأتي العلم الحديث فيكتشف صدق ودقة ما أخبر به القرآن الكريم، وكذلك أحاديث المصطفى r في ألفاظ دقيقة موجزة.

فالمعجزات الإخبارية الغيبية أقوى من المعجزات الحسية بالنسبة لعصرنا؛ لأن الإنسان يفتقد السيطرة على الأمور الغير مرئية، ولا مجال لديه للاطلاع عليها أصلا، ولذلك كان حقًّا على ابن آدم أن يؤمن بالرسول الذي جاء بهذه المعجزات إذا أبُلغ بها.([1])

فلم تقتضِ حكمة الله سبحانه وتعالى أن يبعث أنبياء أو مرسـلين بعد بعثة رسـوله الخاتـم محمـد r، بينما كان الحـال في الأمـم السـابقة –كبنـي إسرائيل- أن يرسل الله سبحانه وتعالى إليهم الكثير من الأنبياء.

حيث إنهم:

1- كانوا يقتلون الأنبياء ويُكذِّبونهم ويُكذِّبون بمعجزاتهم، فكان يتوالى خروج الأنبياء فيهم.

ومع أن الله سبحانه وتعالى قد فضل بني إسرائيل بكثرة خروج الأنبياء منهم وإليهم، وذلك قبل بعثة رسالة النبي محمد r، إلا أنَّ ذلك الأمر يطوي بداخله إشارة إلى ذم وعيب فيهم –قوم بني إسرائيل-، حيث إنهم يفترون على أنبيائهم ويقدحون فيهم، ويُكذبونهم ويقتلونهم، وسرعان ما يُحرِّفون في كتبهم وشرائعهم بعد موت نبيهم أو قتلهم له، فينقلبون وينتكسون، فيحتاجون إلى من يُجدِّد أمر الدعوة فيهم من الأنبياء والمرسلين.

2- كانوا يحرفون كتبهم –كالتوراة والإنجيل- وفقا لأهوائهم وما يتماشى مع مصالحهم الدنيوية.

3- ما من نبي أرسل إليهم مؤيدًا بمعجزة من الله سبحانه وتعالى إلا وتنتهي هذه المعجزة وينتهي قوة تأثيرها وإقناعها بموت هذا النبي، على عكس الحال بأمة المصطفى r، حيث كانت معجزته الكبرى –القرآن الكريم- باقية بعد موته r، محتفظة بقوة تأثيرها وإقناعها.

4- لم تكلَّف أمة بالدعوة وتبليغ ما بُعث به نبيها ورسولها غير أمة النبي r كخصوصية لها؛ لأن محمدًا r هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فكان مُرسلا r لجميع الأمم والبشرية كافة.

أما بالنسبة للأمم السابقة فلم تكلَّف بالدعوة والتبليغ، حيث كان يتوالى عليهم خروج وبعث الأنبياء فيهم، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة.

5- كانت الأمم السابقة بالإضافة إلى تحريف كتبهم وتضييعهم لها يفسدون في معتقداتهم، ويتخذون آلهة باطلة، من حجارة أو غيرها فيعبدونها، أو يتخذون أحبارهم أربابًا من دون الله فيعبدونهم –كاليهود- حيث يحلون لهم ما حرم الله عز وجل، ويحرمون عليهم ما أحل الله عز وجل فيتبعونهم، وينسبون إلى الله سبحانه وتعالى أنه اتخذ من الملائكة بنات له –كالعرب- أو أنه سبحانه وتعالى اتخذ المسيح عيسى عليه السلام ولدًا له –كالنصارى-… إلى غير ذلك من المعتقدات الفاسدة الباطلة، وذلك إذا ما طال عليهم الأمد، وطالت الفترة بين  النبي والنبي الذي يأتي بعده.

– وفي تلك البيئة وفي ذلك الزمان جاء محمد r بالمعتقد السليم وبالهداية للعالمين.

– جاء رسول الله r فأبطل عبادة الأوثان والحجارة، وكل ما يُعبد من دون الله عز وجل.

– قام r بتطهير أول بيت وضع لله عز وجل في الأرض –الكعبة المشرفة- من الأصنام، حيث كان حول البيت وعليه ثلاثمائة وستون صنمًا، ولم تستطع أي من اليهودية أو النصرانية أو غيرها فعل ذلك.

– جاء رسول الله r لتقديس وتنـزيه الله سبحانه وتعالى عن أن يكون قد اتخذ من الملائكة بنات أو أن يكون قد اتخذ المسيح عيسى ولدًا له.

ولقد جاء رسول الله r ليعلم البشرية تعظيم أنبياء الله وتوقير رسله، فعندما كان اليهود يصفون المسيح بأقبح الأوصاف كان محمدٌ r يعلم البشرية قول الله تعالى:

﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾[سورة آل عمران: 45]،

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾.

                                                                              [سورة المائدة: 75]

وعندما كان اليهود يصفون المحصنة العذراء بأفحش الصفات، كان محمد r يعلم البشرية قول الله تعالى:

﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [سورة التحريم: 12].

– لقد جاء رسول الله r بالمعتقد السليم والشرع القويم الذي يتناسب مع البشرية قاطبة إلى يوم الدين، فكان r نعم المُعلِّم ونعم المربِّي ونعم الزوج وخير مُبلِّغ عن ربه تبارك وتعالى.

وصدق الشاعر إذ يقول:

فمبلغ فيه أنه بشر

وأنه خير خلق الله كلهم

أغر عليه للنبوة خاتم

من نور يلوح ويشهد

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه

إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وشق له من اسمه ليجله

فذو العرش محمود وهذا أحمد

فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الأمين، المبعوث رحمة للعالمين إلى يوم الدين.

* * * * *

جـ- مِن الأنبياء مَن قد تزوج بأكثر مما تزوج به رسول الله r من النساء

إننا نعجب: مما يثيره مثل هؤلاء الحاقدين على الإسلام وأهله من دعاوى، كاذبة، ساقطة، حول زواج رسول الله r -كما أشرنا سابقًا- كمحاولة للنيل منه r ومن دعوته، ومن ثم القضاء عليها، مع علمهم بأن هناك من الأنبياء مَن قد تزوج بأكثر كثيرًا من العدد الذي تزوج به
رسول الله r من نسائه رضوان الله علهن.

– كنبي الله داود عليه السلام، الذي كان عنده مائة امرأة من الحرائر.

– وكنبي الله سليمان عليه السلام الذي آتاه الله عز وجل الملك والنبوة، فكان له من النساء الكثير والكثير، وقد جاء في التوراة أنه عليه السلام  كان له سبعمائة زوجة من الحرائر، وثلاثمائة من الجواري.

وما ذلك إلا بفضل من الله تبارك وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يختص أنبياءه بما يشاء.

ولكن: لا عجب من تظاهر مثل هؤلاء الحاقدين بالغفلة عن هذه الحقائق للوصول إلى مرادهم الدنيّ.

فَنَخْلُص من ذلك:

– أن أنبياء الله ورسله قد اختصهم ربنا تبارك وتعالى عن سائر الأمم بما يشاء من خصوصيات.

– أن الله سبحانه وتعالى يختص بفضله من يشاء من عباده بما يشاء، ومن ذلك: زواج رسول الله r من إحدى عشرة زوجة في حين أنه جل وعلا لم يجز للمسلمين بأن يزيدوا في إمساكهم على أربع زوجات.

ويتضح لنا إذن مما أشرنا إليه من النقاط السابقة:

أن رسول الله r لم يكن بِدْعًا من الرسل مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [سورة الأحقاف: 9].

فلم يكن محمد r على غير مَنْ تقدمه مِن الرسل، ولم يكن r مبتدعًا من تلقاء نفسه ما يدعو إليه وما يفعله، بل يتبع كل ما يوحى إليه من ربه تبارك وتعالى.

فكل ما قام الرسول r بفعله إنما هو في ضوء الشرع الذي جاء به من الله سبحانه وتعالى وضوء ما اختصه به ربنا تبارك وتعالى.

وبذلك: يتضح لكل لبيب حاذق أن زواج رسـول الله r من نسائه -الإحدى عشرة زوجة- يُعدُّ من الشواهد والدلائل والبراهين الدامغة على رسالته وصدق دعوته وما جاء به من شرع محكم للعالمين إلى يوم الدين.

فصلوات الله وسلامه على محمد r، خاتم الأنبياء والمرسلين.

* * * * *

ختامًا

مما سبق يتضح لنا: أن الشرع الذي بُعث به رسول الله r ما جاء ليقتل شهوة الرجل وغريزته الفطرية التي جَبله الله تعالى عليها، بل جاء ليوجهها ويسيرها الاتجاه والمسار الصحيح وفقًا للشرع الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، ولما يرتضيه تبارك وتعالى.

فأحل الله عز وجل للرجل الزواج، وأجاز له أن يُعدِّد من زوجاته لما في ذلك من حِكَم ومصالح وفوائد للرجل والمرأة، شرط أن لا يزيد في إمساكه على أربع زوجات وأن يعدل بينهن كما أشرنا سابقًا.

وأن الله سبحانه وتعالى قد أحل لرسوله r أن يُعدِّد من زوجاته مثلما أحل للمسلمين ذلك.

وأن  الله سبحانه وتعالى قد أجاز لرسوله r أن يكثر في زواجه وأن يزيد من تعدده لزوجاته كخصوصية من خصوصياته التي اختصه ربنا تبارك وتعالى بها كغيره من الأنبياء الذين بُعثوا قبله r.

وأن زواج رسول الله r من نسائه وزيادته من تعدد الزوجات كان له حِكَم جليلة وفوائد ومصالح عظيمة كما أشرنا سابقًا.

وأن زواج رسول الله r من نسائه وإكثاره من تعدد الزوجات كان برهانًا صادقًا من براهين النبوة، وشاهدًا ودليلا على صدق دعوته ورسالته وحكمة الشرع الذي بُعث به من ربه تبارك وتعالى للعالمين.

ولقد شهد لرسول الله r ولعظيم صفاته وسماته وأخلاقه عباقرة المفكرين الغربيين في مختلف أطواره قبل البعثة وبعدها، وفي مرحلة طفولته وشبابه إلى أواخر عمره ووفاته r وفي شتى المجالات والميادين؛ كرسول، ومُعلِّم، وداعية، وكسياسي، وقائد عسكري، وكقاضٍ، كابن، كزوج، كأب وجد، كأسوة، كبشر… إلى غير ذلك.

ومن هؤلاء الذين شهدوا لرسول الله r:

[لامارتين] الكاتب والمؤرخ الفرنسي- رئيس الحكومة الموقعة بعد ثورة فبراير والمتوفى سنة 1869، حيث قال:

«كان محمد حكيمًا بليغًا فيلسوفًا خطيبًا ورسولا معلمًا ومحاربًا شجاعًا، ومفكرًا شجاعًا، مصيبًا في أفكاره وتعاليمه، أسس إمبراطورية روحية متحدة قوية، وإذا أردنا أن نبحث عن إنسان عظيم تتحقق فيه جميع الصفات العظيمة الإنسانية، فلن نجد أمامنا سوى محمد الكامل».

        وغيره الكثير والكثير من عباقرة المفكرين الذين شهدوا لرسول الله r.

فالحق ما شهد به الأعداء.

– فصلوات الله وسلامه على هذا النبي الأمين r، خاتم  الأنبياء والمرسلين، والذي جاء بخير شرع مُحكم للعالمين.

* * * * *

رسالة

علينا أن نعلم أنه:

إذا ما تحقق لدينا بالأدلة القاطعة، والبراهين الدامغة، والمعجزات والشواهد أن محمدًا r هو رسول الله من عند الله تبارك وتعالى، وبعدما تحقق لدينا صدق حديثه ودعوته.

يستلزم علينا التسليم بأن كل ما جاء به الرسول r من أحكام وتشريعات إنما هو من عند الله سبحانه وتعالى.

وأن كل قول وفعل للرسول r له حِكَم جليلة وفوائد عظيمة يعلمها الله سبحانه وتعالى، وإن خفيت على البعض، ويستنبط العلماء منها قدر استطاعتهم وإمكانياتهم.

فقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

       [سورة الأنبياء: 7]

وقال أيضًا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [سورة النجم: 3- 5].

ويستلزم علينا أيضًا التسليم بأن كل قول وفعل للرسول r إنما هو في إطار ما أحله الله عز وجل له، وفي ضوء رضا ربه تبارك وتعالى.

وعلينا أن لا نلقي بأسماعنا لأعداء الإسلام وما يلقونه ويروجونه من شبهات وافتراءات وترهات.

فالإسلام هو الدين الحق الذي جاء بخير معتقد سليم، وخير شرع محكم للعالمين؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت نهايته مع بدايته؛ لكثرة من يعمل ضده، فهو كالنور الذي يطرد الظلام؛ لأن كل ما فيه حق وصدق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!

فمحمد r هو رسول الله وليس يعصيه، فلا يقول ولا يفعل إلا ما يرتضيه منه ربه تبارك وتعالى، والله عز وجل ناصره، سواء كان ذلك في حياته كما هو معلوم، أو بعد مماته r.

فالإسلام يحمل في طيه انتشارًا ويلقى قبولا واسعًا قديمًا وحديثًا، وفي شتى أقطار الأرض، وما تدون الإحصاءات دليل ذلك.

فالإسلام هو الدين الحق، ورسوله r رسول صدق جاء بخير شرع محكم للعالمين.

وعلينا أن نؤدي شكر الله عز وجل على هذه النعمة العظيمة بالآتي:

1- أن نستمسك بهذا الكتاب العظيم –القرآن الكريم- الذي أُنزل على رسول رب العالمين، فهو المعجزة الكبرى لرسول الله r، وهو المعجزة الباقية، وعلينا أن نتعلم قراءته تجويدًا كما أنزل على المصطفى r، وأن نعلمه لغيرنا، وأن نسعى في حفظه كاملا في صدورنا، وأن نَدرُسَه لنعلم ما تشير إليه كلماته من معان متعددة، وروعة ودقة في ألفاظه المحكمة، بما فيها من البلاغة غاية في الجمال والكمال، وأن نفهمه فهمًا صحيحًا كما فهمه صحابة
رسول الله r، وأن نتعرف على ما أشار إليه من غيبيات، وحقائق مبهمة لم تكتشف إلا حديثًا كدراسة لهذا الجانب، وكدراسة للإعجاز العلمي الذي تميز وانفرد به عن الكتب السابقة، وأن نطبقه تطبيقًا عمليًّا في حياتنا كلها، في العبادات والمعاملات، والدعوة إليه، وأن نحكمه في كل صغيرة وكبيرة، وأن نتخلق به، فلقد كان خلق رسول الله r القرآن الكريم.

فالقرآن الكريم هو حبل الله المتين، الذي تكفل ربنا تبارك وتعالى بحفظه هداية لخلقه أجمعين.

2- أن نعلم تمام العلم والمعرفة بحفظ الله تبارك وتعالى لسنة نبيه r، وذلك من خلال الجهود العظيمة التي قام أهل العلم على مر العصور المختلفة، فبينوا صحيحها من سقيمها، وجمعوها على أدق الأصول التي انفردت بها هذه الأمة عن غيرها من الأمم السابقة، وان نتعرف على ما أشارت إليه الأحاديث النبوية الشريفة من غيبيات وحقائق علمية لم يكن لأحد أدنى معرفة بها قبل ذلك كدراسة لهذه الغيبيات التي أخبر عنها رسول الله r وكدراسة لهذا الإعجاز العلمي الذي أخبر به المصطفى r، ونذكر بإيجاز هذه البشرى كنموذج من الإعجاز النبوي الشريف الذي يخبرنا ويعلم الجميع بحقيقة كبرى، غيبية آنذاك –وقت بعثته ورسالته r- والتي تحققت بعد ما يزيد على ثمانمائة سنة من بعثة ورسالة النبي محمد r، وإخباره بالفتح وأصبحت على مرآى ومسمع من العالم أجمع مسلمه وكافره، بشتى جنسياته؛ عربي وأعجمي، وبمختلف طبقاته، متعلم وجاهل، فيكون حجة على الجميع، شاهدًا بصدق رسالة المصطفى الأمين r، وأنه ما ينطق عن هوى نفسه، ولكنه وحي من ربه تبارك وتعالى.

  • فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «بينما نحن حول رسول الله r نكتب إذ سئل رسول الله r: أي المدينتين تُفتح أولا: أقسطنطينية أم رومية؟ فقال رسول الله r:

مدينة هرقل تفتح أولا. يعني قسطنطينية» [رواه أحمد والدارمي والحاكم وغيرهم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر: السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني]

والقسطنطينية هي مدينة هرقل بتركيا في أوربا، والذي كان يُدعى بعظيم الروم قبل أن يسقط وينهار ملكه على أيدي المسلمين الفاتحين بقيادة السلطان محمد الفاتح عام 857 هجريًّا، وقد أمر السلطان بأن يؤذن في كنيسة آياصوفيا إيذانًا بتحويلها إلى مسجد، حيث إنها كانت مقر الأرثوذكس العالمي، التي تضاهي الفاتيكان مقر الكاثوليك العالمي، وبذلك سقطت تمامًا الدولة البيزنطية، وأصبحت القسطنطينية مقرًا للخلافة العثمانية بعد أن غُيِّر وعُدِّل اسمها لتصبح إسلام بول «استنبول» أي مدينة الإسلام، واتُخذت عاصمة للخلافة العثمانية آنذاك.

وها هي تركيا الآن بأوروبا دولة إسلامية شاهدة بصدق ما أخبر به رسول الله r.

وإن شاء الله تعالى سوف يأتي فتح رومية –أي روما- عاصمة إيطاليا تحقيقًا لنبوءة المصطفى r مثلما تحققت نبوءته الأولى بفتح مدينة القسطنطينية وأنها ستفتح قبل مدينة رومية.

وكما تحققت نبوءته r من قبل بفتح مصر… وغير ذلك.

ولا شك أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة الإسلامية وهذا مما يبشرنا به r بقوله في الحديث: ([2])

«تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًّا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت».

والمتتبع لمجريات الأحداث عبر التاريخ منذ نبوة المصطفى r يلحظ مصداق حديث رسول الله r ونبوته حيث كانت نبوة المصطفى r، ثم رفعت بوفاته، ثم كانت الخلافة الراشدة على منهاج النبوة في عهد أبي بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب، ثم رفعت، وكانت بعدها ملكًا عاضًّا وراثيًّا منذ بدء عهد معاوية بن أبي سفيان والدولة الأموية، وكان ذلك مصداقًا لقول ونبوءة رسول الله r.

إلى غير ذلك من الحقائق الغيبية التي أخبر بها رسول الله r ثم جاءت وقائعها مطابقة لما أخبر به.

3- يستلزم علينا تصديق النبي r في كل ما أخبر به، وأنه r رسول من عند الله تبارك وتعالى بُعث إلى البشرية كافة، وإلى الجن أيضًا لتبليغ وحي الله تعالى بالقرآن والسنة المتضمنين لدين الإسلام الذي لا يقبل الله تعالى دينًا سواه.

4- قراءة سيرة النبي r الصحيحة، مع الوقوف على حوادثها موقف المستفيد من حِكَمِهَا وعِبَرِها.

5- تعلم سنته r بقراءة ما صححه أهل العلم من الأحاديث المروية عنه r.

6- اتباع سنته r كلها، مع تقديم الأوجب على غيره.

7- الحرص على الاقتداء برسول الله r في المستحبات، حرصًا على الاقتداء به r في كل شيء.

8- معرفة صفات رسول الله r الخَلقية والخُلقية قبل وبعد الرسالة.

9- معرفة مواقف الرسول r مع أزواجه وأهله وجيرانه وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

10- معرفة فضائل الرسول r وخصائصه التي اختصه ربنا تبارك وتعالى بها ومعرفة خصائص أمته r.

11- تبني طباعة كتب السيرة النبوية باللغات الأجنبية وتوزيعها على مراكز الاستشراق والمكتبات العامة والجامعية حول العالم.

12- التصدي للإعلام الغربي واليهودي المضاد، والرد على ما يثيرونه من شبهات وأباطيل عن ديننا ونبينا محمد r.

13- المساهمة في إنشاء القنوات الفضائية والإذاعات والمجلات التي تتحدث عن الإسلام ونبي الإسلام باللغات المختلفة، وبالأخص اللغة الإنجليزية.

14- إنشاء مواقع على الإنترنت متخصصة في السيرة والسنة النبوية لرسول الله r باللغات المختلفة، وبالأخص اللغة الإنجليزية.

إلى غير ذلك مما يُتاح لدينا من وسائل وإمكانيات لنصرة هذا الدين العظيم ونصرة نبيه المصطفى الأمين محمد r الذي اختاره المولى جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد r وأزواجه، وآل بيته الأخيار الأطهار وأصحابه الكرام، ومن اهتدى بهديه واقتفى أثره r إلى يوم الدين.

* * * * *

الفهرس

مقدمة……………………………………………………

2

تنويه وإرشاد……………………………………………….

4

تعدد الزوجات في الأمم والشرائع السابقة………………………..

7

شهادة وثناء العباقرة والمفكرين الغربيين على ما جاء به
خاتم المرسلين من شرع محكم للعالمين…………………………….

9

موجز لمكانة ومنزلة المرأة قبل بعثة ورسالة النبي r وبعدها………….

11

تنبيه مهم جدًّا………………………………………………

14

-أولا: لماذا لم تثر قريش ولم تروج ما أثاره وروجه غيرها حول زواج رسول الله r من نسائه وتعدده لزوجاته رضوان الله عليهن……………… …

17

-ثانيا: رد على ما أثاره المنافقون حول زواج رسول الله r

20

-ثالثا: رد آخر على ما أثاره المنافقون حول زواج رسول الله r

23

-رابعا: شاهد عقلي، مرئي واقعي على بطلان ما أثاره وروجه الحاقدون من شبه حول زواج رسول الله r…………………………………. …..

27

-خامسا: زواج رسول الله r بنسائه، وتعدده من زوجاته، كشاهد وبرهان على نبوته r وصدق دعوته ورسالته…………………………… …..

37

عدم إجازة الإسلام لما يُدعى كذبا بزواج المتعة………………. …..

40

موجز عن عقيدة وشريعة من أباح بما يُدعى نفاقًا بزواج المتعة……….

42

-سادسا: زواج رسول الله r بنسائه، وتعدّده من زوجاته، بعد تجاوزه للخمسين عن عمره، وتربيته لهن وكيفية التعايش معهن –كضرائر- كشاهد وبرهان على نبوته r وصدق دعوته ورسالته……………………. …..

47

-حكمة زواج رسول الله r من نسائه، وتعدّده لأزواجه، والفوائد العظيمة المترتبة عليه………………………………………………..

55

-سابعا: صفات البيت النبوي كشاهد وبرهان على نبوة محمد r، وصدق رسالته ودعوته…………………………………………….. …..

60

-ثامنا: الشرع الذي جاء به رسول الله r وإقراره لتعدد الزوجات، كشاهد وبرهان على نبوته r وصدق دعوته ورسالته……………………. …..

67

حكمة الشرع الذي بُعث به محمد r في إقراره لمبدأ تعدد الزوجات….

69

-تاسعا: الامتثال التام من رسول الله r لأوامر الله سبحانه وتعالى في زواجه، وعدم مفارقته لنسائه، كشاهد وبرهان على نبوته r وصـدق دعوته ورسالته…………………………………………………… …..

73

-عاشرا: زواج رسول الله r كاختبار وتمحيص من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين…………………………………………………. …..

77

موجز في سمات شخصية الرسول r كزوج……………………. …..

80

-موجز في زواج رسول الله r من نسائه، كل على حدة، والحكمة والفوائد المستنبطة من كل زيجة مباركة………………………………… …..

84

-ومضات مضيئات تشهد لرسول الله r………………………. …..

-حجة الوداع وما بها من كرامات ووصيته r بالنساء……………. …..

96

1- حجة الوداع لرسول الله r………………………………. …..

96

2- من كرامات هذه الحجة المبرورة لرسول الله r………………. …..

99

3- وصيته r بالنساء………………………………………. …..

100

-قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾……………… …..

أ- في أصل دعوته r………………………………………. …..

102

ب- في امتثاله r لأوامر الله سبحانه وتعالى……………………. …..

103

جـ- في موافقته r لمن كان قبله من الأنبياء……………………. …..

111

ختاما……………………………………………………….

113

رسالة……………………………………………………….

115


([1]) يُرجى الرجوع إلى الكتب والمسموعات التي تتحدث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية للعلماء المختصين بهذا المجال، وخاصة الدكتور/ زغلول النجار. وكذلك الرجوع إلى: هيئة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة.

([2]) السلسلة الصحيحة للألباني: تعليق الشيخ الألباني على الحديث السابق ذكره عن فتح القسطنطينية.

اذا كنت استفدت فلا تبخل علينا بكلمة شكر أو اضغط زر الإعجاب- لا تحتاج للتسجيل او لكتابة اميلك للتعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s